55- الذاكر لله قريب من الله؛ فهو مع الله والله معه:
وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية
والمحبة والنصرة والتوفيق،
كقوله تعالى:
إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ
اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ(
128)النحل. وقوله تعالى:
إِنَّ اللّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ(
153)البقرة.
وقوله تعالى:
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ(69)
العنكبوت. وقوله تعالى:
لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ
مَعَنَا(40)
التوبة.
وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في
الحديث القدسي:
" أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"
ابن حبان والحاكم.
وفي اثر آخر " أهل ذكري أهل مجالستي, وأهل شكري أهل زيارتي, وأهل طاعتي أهل كرامتي،
وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فانا حبيبهم فاني أحب التوابين وأحب
المتطهرين، وان لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب"
الوابل الصيب.
والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شيء وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن
والمتقي وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق.
56- الذكر رأس الشكر:
فما شكر الله تعالى من لم يذكره. عن
زيد بن أسلم أن موسى
عليه السلام
قال: " رب قد أنعمت علي كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا؟ قال: اذكرني كثيرا فإذا
ذكرتني كثيرا فقد شكرتني كثيرا، وإذا نسيتني فقد كفرتني"
البيهقي.
~
عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه
السلام: " يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك
رطبا من ذكري"
البيهقي.~
وقال النبي
r
لمعاذ: " والله يا معاذ إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"
أحمد والنسائي وأبو داود والبيهقي.
فجمع بين الذكر والشكر كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي
أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ(152)
البقرة.
~
عن أبي الجلد قال: قرأت في مساءلة موسى
عليه السلام أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا
يجازي بها عملي كله؟ فأتاه الوحي أن يا موسى الآن شكرتني"
أحمد
وابن
أبي
الدنيا
والبيهقي.
~
عن عائشة عن النبي
r
قال: " ما أنعم الله على عبده من نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها
قبل أن يحمده، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له ذلك قبل أن يستغفره،
إن الرجل ليشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له"
ابن أبي الدنيا
والخرائطي
والحاكم
والبيهقي.
57- ذكر الله يلين القلوب والجلود:
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ
مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ
يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(23)
الزمر.
W أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا
نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ
فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(16)
الحديد.~
إن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي
للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك
قسوة قلبي، قال: أذبه بالذكر، وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة
فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة.الوابل
الصيب.
58- إن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه:
فالقلوب مريضة وشفاؤها ودواؤها في
ذكر الله تعالى، فإذا ذكرت الله شفاها وعافاها، وإذا غفلت عن ذكر الله انتكست وعادت
لمرضها.
59- ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها وله تأثير عجيب في
حصول الأمن:
فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه انفع
من ذكر الله عز وجل، إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي
يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له
أدنى حس قد جرب هذا وهذا.{الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }الرعد28.
60- الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه من غفوته:
والقلب إذا كان نائما فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران، فادا
استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته، ولا تحصل
يقظته إلا بالذكر فان الغفلة نوم ثقيل.
61- إن الذكر أصل موالاة الله عز وجل والغفلة أصل معاداته:
فان العبد لا يزال يذكر ربه عز وجل
حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه. قال حسان ابن عطية ما عادى
عبد ربه بشئ أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره، فهذه المعاداة سببها الغفلة ولا
تزال بالعبد حتى يكره ذكر الله ويكره من ذكره، فحينئذ يتخذه عدوا كما اتخذه الذاكر
وليا.
62- ذكر الله يجلب النعم ويدفع النقم:
قال سبحانه وتعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ
عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ }الحج
38.
(وفي
قراءة أخرى:
إن الله يدفع). فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم، ومادة الإيمان وقوته بذكر الله
تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وأكثر ذكرا كان دفع الله عنه ودفاعه أعظم، ذكرا بذكر
ونسيانا بنسيان، قال سبحانه وتعالى: ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ) والذكر
رأس الشكر، والشكر جلاب النعم وموجب للمزيد.
63- يصلي الله عز وجل وملائكته على الذاكرين ويخرجهم من الظلمات إلي
النور:
ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح وفاز كل الفوز، قال سبحانه
وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً(41)
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
(42)
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً(43)
الأحزاب.
وإذا حصلت لهم الصلاة من الله تبارك وتعالى وملائكته وإخراجهم من الظلمات إلى النور
فأي خير لم يحصل لهم وأي شر لم يندفع عنهم.
64- جميع الأعمال شرعت لذكر الله تعالى:
قال
سبحانه وتعالى:
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ
أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
(200) البقرة.
~
قال النبي
r
: " إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار
لإقامة ذكر الله تعالى"
أبو داود والترمذي.
~
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي
لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)
(9) الجمعة.
~
( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ
لِذِكْرِي)
(14) طه.(
أقم الصلاة لذكري: أي لأذكرك بها وقيل لتذكرني بها).
~(
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ
تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)(45)
العنكبوت.(
المعنى أنكم في الصلاة تذكرون الله وهو ذاكر من ذكره كما
قال تعالى:
فاذكروني أذكركم، ولذكره الله تعالى إياكم اكبر من ذكركم إياه، وقيل أن ذكر الله
أكبر من كل شيء، وقيل إن الصلاة فيها مقصودان عظيمان فهي تنهي عن الفحشاء والمنكر
وهي تشتمل على ذكر الله تعالى، وما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء
والمنكر)
65- أفضل أهل كل عمل أكثرهم ذكرا لله عز وجل:
عن معاذ
رضي الله عنه
أن رجلا سأل رسول الله
r
فقال: أي المجاهدين أعظم أجرا؟ قال:
" أكثرهم لله ذكرا" قال: فأي الصائمين أعظم أجرا؟ قال: " أكثرهم لله ذكرا" ثم ذكر
الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله
r
يقول: " أكثرهم لله ذكرا" فقال أبو بكر لعمر
رضي الله عنهما:
يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله
r
:" أجل"
أحمد والطبراني.
66- مداومة الذكر تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية أو
مالية:
وقد جاء ذلك صريحا في هذا الحديث: عن أبي هريرة
رضي الله عنه
أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور
(الأموال) بالدرجات العلى والنعيم المقيم، " قال وما ذاك؟" قالوا: يصلون كما نصلي،
ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق،(وفي رواية: ولهم فضول من
أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون) فقال رسول الله
r
: " أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم
ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "
تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة"(وفي
رواية: إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة فذلك كله ثلاث وثلاثون)
فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله
r
فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله
r
: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"
البخاري ومسلم والبيهقي.
فجعل الذكر عوضا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد واخبر أنهم يسبقونهم بهذا
الذكر.
67- ذكر الله عز وجل يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق:
فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسر، ولا مشقة إلا خفت،
ولا شدة إلا زالت، ولا كربه إلا انفرجت، فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدة،
واليسر بعد العسر، والفرج بعد الغم والهم.W
عن أنس أن رسول الله
r
قال: " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت إذا شئت جعلت الحزن (الصعب) سهلا "
ابن ماجة وابن حبان والبيهقي والحاكم والديلمي وابن السني.
(وفي رواية: وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا)
68- الذكر يعطي الذاكر قوة حتى انه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله
بدونه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ
تُفْلَحُونَ }الأنفال45.~
{وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }البقرة250.~
{وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ
آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً
وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ }الأعراف126.
~
حدثنا علي أن فاطمة
عليها السلام
أتت النبي
r
تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت ذلك
لعائشة فلما جاء أخبرته عائشة قال فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال: "
على مكانكما" فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: " ألا
أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا
وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم"
البخاري ومسلم وابن حبان وأبو داود.(
وفي رواية:
قال علي: فما تركتها
بعد، قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين)
~
" إذا رأيتم الحريق فكبروا، فإن التكبير يطفئه"
الطبراني.
69- الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل لعبده، ومن صدقه الله عز وجل لم
يحشر مع الكاذبين:
عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا
على رسول الله
r
أنه قال: " إذا قال العبد لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه قال: صدق عبدي لا
إله إلا أنا وأنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدقه ربه قال:
صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله
الحمد، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا
الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي لا حول ولا قوة إلا بي"
الحاكم.