|
ندوة بعنوان:
« واقع الأسرة المسلمة بين الأمس واليوم»
شارك فيها السيدان: علي بوعطية ومحمد عزوز.
أولا: مداخلة علي بوعطية
لسم الله الرحمن الرحيم وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين
السيد المدير السادة الأساتذة الأجلاء إخواني أخواتي
التلاميذ والتلميذات
أتشرف بالجلوس أمامكم وأخاطبكم مرة ثانية، كما أتشرف
بالمشاركة في هذا الأسبوع الثقافي الذي دأبت مؤسستنا على
تنظيمه كل سنة. وقد اختير له هذه السنة شعار يستحق من اختره
كل تنويه وتقدير.
فالأسرة كما تعلمون هي الأصل في المجتمع، وهي كل شيء.
ولا أطيل عليكم سأشرع في مداخلتي هذه.
إن الحديث عن واقع الأسرة في الأمس، يتطلب منا تقسيم
الأمس بدوره إلى أمس. وأمس أمس. أعني بذلك مفهوم الأسرة في
العصور القديمة والإسلام والمواثيق الدولية. وبمعنى آخر لا
يمكن أن أخوض في الموضوع بدون وضع توطئة شاملة يمكن من
خلالها أن أعطي لمحة سريعة عن الموضوع الذي سأتناوله وأوجزها
فيما يلي: أولا سأحاول أن أعطي مجموعة من العناوين والمفاهيم
للأسرة منها للمعارف اللغوية والمفاهيم في المواثيق الدولية
وكذلك مفهوم الأسرة في الإسلام ثم إطلالة على الأسرة عبر
التاريخ ابتداء بأبينا آدم عليه السلام ثم أسرته وأسرة سيدنا
نوح عليه السلام والأسرة عند الفراعنة من بعدهم وللأسرة ما
قبل الإسلام أي العصر الجاهلي ثم وقفة تأملية مع الأسرة في
فجر الإسلام. وعلى بركة الله أبدأ في تحليل هذا الموضوع:
تعريف الأسرة:
المفهوم اللغوي: المتأمل في معنى لفظ الأسرة في اللسان
العربي يجده مشتقا في أصله من الأسر والأسر لغة هو القيد وقد
يكون طبيعيا لا فكاك منه إذ يولد الإنسان أسيرا لمجموعة من
الصفات الفيزيولوجية كاللون والطول، وقد يكون طاغيا أو
مصطنعا كأسر مجرم أذنب في حق ضحيته وقد يكون أسرا اختياريا
يرتضه الإنسان بل يسعى إليه، ويكون بدونه مهددا. ومن هذا
الأسر الاختياري اشتقت الأسرة فنخلص في النهاية إلى أن
المعاني اللغوية للأسرة تلتقي في معنى واحد يجمعها، و هو قوة
الارتباط.
مفهوم الأسرة في
المواثيق الدولية: الشرعية الدولية في
تعاملها مع مفهوم الأسرة انقسمت إلى أربعة اتجاهات:
القسم الأول: حدد مفهوم الأسرة ارتباطا بموقعها في
المجتمع باعتبارها تشكل الخلية الأساسية والطبيعية فيه. ولها
حق التمتع بحمايته ومساعدته. (المادة 16 من ميثاق العالمي
لحقوق الإنسان والمادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).
القسم الثاني: استقى مفهوم الأسرة من اثر العلاقة التي
تربط رجلا بامرأة توفرت فيها شروط الاجتماع (المادة 16 من
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. والمادة 23 من العهد الدولي
الخاص بالحقوق المدنية والسياسية).
القسم الثالث: حدد مفهوم الأسرة انطلاقا من علاقتها بعنصر
بشري محدد سواء الطفل أو المرأة. ديباجية اتفاقية حقوق الطفل
المادة 16 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التميز ضد
المرأة.
القسم الرابع: عرفت الأسرة على أنها العنصر الأساسي
للمجتمع، يمارس أعضاؤها وظائف ولهم حقوق وعليهم واجبات،
والأسرة حقيقية واقعية لا يمكن الاستغناء عنها وهي تطلع
بمسؤولية التربية والتكوين والتثقيف
مفهوم الأسرة في الإسلام: لفظ الأسرة ورد في القرآن بمعنى
الأهل أما معناها فيمكن استخلاصه أو استنباطه من الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب التي حددت
عناصر الأسرة في الزوج والزوجة والأبناء، قال تعالى في سورة
القمر آية 44 «وأنه خلق الزوجين
الذكر والأنثى» وقول الرسول (ص) "
حجوا تستغنوا وسافروا تصحوا
وتناكحوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم " وقوله (ص)
" تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها: فضفر
بذات الدين تربت يداك" رواه أبو هريرة(ض). فالفقهاء
المسلمون لم يستعملوا اللفظ في عباراتهم في المعنى المقصود،
بل جعلوا لفظ الأسرة يتسع إلى كل من الزوج والزوجة والأولاد،
وهو ما يعنيه لفظ الأسرة في بعض القوانين الأخرى. وتنقسم
الأسرة إلى قسمين: أصول: وتشمل الآباء والأمهات وفروع
الأولاد. فروع: وتشمل فروع الأبوين وفروع الأجداد والجدات.
التعريف الأرجح للأسرة:
الأسرة هي مؤسسة فطرية
اجتماعية بنشئها طفل عن طريق الكفالة أو رجل وامرأة توفرت
فيها الشروط الشرعية للاجتماع، التزم كل منهما بماله وما
عليه شرعا أو شرطا أو قانونا، تكون مسؤولة عن حماية أطفالها
من الأخطار المادية والمعنوية ومن المخاطر العلمية
والإعلاميين ويكون المجتمع مسؤولا من حمايتها ومساعدتها.
والأسرة كتنظيم اجتماعي ويمكن التميز بين نوعين من الأسر:
الأسرة الممتدة والأسرة النواة.
الأسرة الممتدة الصغرى:
وتضع غالبا فردا أو فردين من الجيل الأقدم وأسرتين على الأقل
من الجيل الموالي
الأسرة الممتدة الدنيا: وتضع أسرتين نواتين بينهما قرابة
أخوية أو بالمصاهرة.
الأسرة النواة:
هي التي تضم الزوجين والأبناء في حالة الإنجاب. وأن يكون
لهؤلاء أزواج، وتعتبر الأسرة النواة الاييسية الأكثر انتشارا
في المغرب وخصوصا في المدن الكبرى والقرى التي لم يهاجر
أفرادها، وبهذا أكون قد تناولت مجموعة من المعارف عن الأسرة
وأنتقل بحضرتكم إلى الوراء بحوالي ألف السنين لنلقي إطلالة
على الأسرة عبر تاريخ البشرية.
إطلالة على الأسرة عبر التاريخ.
عرف المجتمع البشري نظام منذ بدايته الأولى منذ عهد آدم عليه
السلام والذي خاطبه ربه في القرآن الكريم في غير مرة خطابا
أسريا لقوله تعالى: « وقلنا ياءا دم أسكن أنت وزوجك الجنة »
البقرة آية 35. بل إن هذا الخطاب الأسري كان مع خلق آدم مما
يشعر أن نظام الأسرة والاجتماع نظام فطري، وقال الله تعالى
في سورة النساء آية1 « واتقوا
الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا »
وقال أيضا: « هو الذي خلقكم من
نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها» سورة الأعراف
آية181. وهذه الآيات وغيرها
تقيدان الإنسان اجتماعي
بطبعه،
ولذلك لم يتركه وحيدا بل جعل له من جنسه من يسكن إليه
ويجتمع معه. إذن أقدم أسرة في تاريخ البشرية على القول
الراجح هي أسرة أبناء آدم عليه السلام الذي عمر طويلا ومات
بعد أن رأى من نسله أربعمائة ألف نسمة كما يذكر أهل التاريخ،
هذا يعني أن آدم عليه السلام ترك مجتمعا رسخ فيه نظام الأسرة
وفضائل العمران والاجتماع ووصى لابنه شيث، فورث عن أبيه
النبوة والفضل وكان من تسلمها إدريس عليه السلام الذي عاش من
عمره ثلاثمائة سنة مع آدم حتى لحق آدم بربه فتوارث الأنبياء
علم أبيهم ومنهجهم في هذا المجتمع الذي ترك. ثم كان نوح بعد
ذلك واستمرت معه مسير وقصة أسرته معروفة منشورة في القرآن
الكريم وذكرنها كتب التاريخ وكان الطوفان (من بعده) وكانت من
بعده الشعوب والقبائل وانتشر الخلق في أنحاء الدنيا يتوارثون
نظام الأسرة جيلا بعد جيل وإن اختلفت أشكال أسرهم وطرق
اجتماعها ولكنها بقية أسراً مبنية على ذكر وأنثى – رجل امرأة
– يتزاوجان ويكون لهما ذرية. والمهم أن نظام الأسرة وجد مع
وجود البشرية ومستمر ما دام للبشر وجود على الأرض ومن يريد
أن يتتبع الأسرة ونظامها فلينظر في سيرة الأنبياء عليهم
السلام منذ آدم إلى محمد (ص) وأسرته، باعتبار أن الأنبياء
والرسل هم عيون البشرية وهم أشرف الخلق عند الله عز وجل وهذا
بحث إن عمرنا إليه فسوف يطول ولكن سنكتفي ببعض الأسر كالأسرة
عند الفراعنة ثم الأسرة في العصر الجاهلي فالأسرة في فجر
الإسلام.
الأسرة عند الفراعنة:
الفراعنة من أقدم الشعوب وحضارتهم من أقدم الحضارات إن لم
تكن أقدمها. وهيكل الأسرة عند الفراعنة واحد وإن اختلفت
قدسيتها فئة إلى فئة ومن طبقة إلى طبقة، ففي طبقة الحكم يعني
مولد ملك مولد إله وهنك نرى آمون
يأخذ شكل الفرعون الحاكم ويضاجع الملكة الأم، وبعد هذا
الزواج الإله يشكل خنوم " الطفل
المقدس" فتقم الولادة على أيدي الربات الحكيمات ويقوم
الطفل الحديث الولادة إلى آمون
"والده" وترضعه الحتحورات السبع وتعمده الآلهة.
ولنفسح المجال للحضارة المصرية فتحدثنا عن الزواج المصري
والحريم ونظام الأسرة. كانت من تعاليم أحد أبناء "خوفو" "
إذا كنت رجلا ذا أملاك فليكن لك بيت خاص بك ولتقترن بزوجة
تحبك فولد لك ابن" وبعد ذلك بألف عام قال حكيم آخر تزوج
عندما تبلغ العشرين من عمرك كي يصير لك ابن وأنت لا تزال
صغير السن... وقد طلب من متحرر الخيرة أن تعطى الأرملة زوجا
والعذراء مسكنا.
وإذا كان لنا أن نصدق قصائد الغرامية فقد كان المصريون
يتوقون إلى تزويج أولادهم وكانوا يسمحون لأبنائهم بالاختيار
وكانت الزيجات بالأقارب دوي الدم الواحد هي القاعدة تقريبا
في بداية الأمر. وكان الزواج القانوني بالمحرمات امتيازا
ملكيا كان الإله الموجود على الأرض كثير الزوجات وله
حرم من الملكات ومحظيات نبيلات المولد وأميرات أجنبيات، وكان
الزواج باثنين من الأمور الناذرة بين البشر العاديين. أما
الأغنياء فكانت لهم محظيات من الإماء فضلا عن المسمات
محبوبات البيت إذن هذه نبذة موجزة عن الأسرة الفرعونية وأمهد
الطريق لكي أتناول ما قبل الإسلام الذي اصطلح عليه بالعصر
الجاهلي.
الأسرة العربية قبل الإسلام:
إن الكيان الأسري كان قائما عند العرب قبل الإسلام وفي العصر
الجاهلي بالخصوص لكن قيامه كان معوجا الاستواء بما كان فيه
من تضييع لحقوق المرأة وبما كان شائعا من أنواع الزواج التي
تنصرف كلها إلى الفاحشة وإلى غير ذلك مما يضر بالأسرة ويحط
من قيمتها ويقوض كيانها ولك الصفات الرذيلة التي لحقت
بالأسرة آنذاك، نظرا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية
والأخلاقية.
الحالة الاجتماعية:
كانت
علاقة الرجل بأهله في الإشراف على الأسرة على درجة كبيرة من
الرقي والتفوق وكان له الحرية المطلقة ونفاذ القول وهذه أسرة
في وسط الأشراف، في حين كانت الأوسط الأخرى تختلط اختلاطا
بهيميا لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالمجون والدعارة وتفشي
الفاحشة وكان من المعروف لديهم أنهم يعددون الزوجات من غير
حد معروف ينتهوا إليه وكان يجمعون بين الأختين ويتزوجون
بزوجات أبنائهم وآبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها، وكانت
علاقة الرجل مع أولاده داخل الأسرة على أنواع شتى فمنهم من
يقول: إنما أولادنا بيننا أكباد تمشي على
الأرض
ومنهم من كان يئد البنات خشية العار والفقر ويقدم على قتل
أولاده خشية إملاق، لكن مع هذا كله لا يمكن أن نعد هذا من
الأخلاق المنتشرة السائدة فقط بل كانت لديهم بعض الخصال
الحميدة وكانت علاقة الرجل مع أبناء والأعمام وطيدة فقد
كانوا يحيون للعصبة القبلية ويموتون لها وكانوا يطبقون
قولتهم المشهورة آنذاك: " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"
بمنطوقها لا بمفهومها في الأخذ بالثأر أما العلاقة القبلية
كانت مفككة ويسودها توتر وغارات متبادلة وما يمكن أن أقوله
هو أن الحالة الاجتماعية كانت عندهم في الحضيض وكانت إحدى
الأعمدة الأولى للأسرة وللمجتمع تباع وتشترى بثمن بخس وليس
لها أي قيمة ذاتية أو إنسانية وتعامل كالجماد. أما رؤساء
القبيلة أو الحكومة فكان جل اهتمامهم امتلاء الخزائن من
رعيتهم أو جر الحروب على المناوئين لهم.
الحالة الاقتصادية:
كان من المعروف لدى عرب الجاهلية أن التجارة أكبر وسيلة
للحصول على ما تقات به الأسرة وما تسد به رمقها وكانت
التجارة تزدهر إلا في الأشهر الحرم حيث كانت تعقد أو تقام
أسواق العرب حينها وأن القتال كان محرما لديهم في الشهور
المقدسة. أما الصناعات أبعد الأمم منها، كانت تسود عندهم
صناعة الحياكة والدباغة والرعي والحرث في اليمن والمرأة
العربية كانت تساهم في المجال الاقتصادي خاصة في غزل الصوف
ولكن ورغم ذلك فكانت الأسرة في ضل النظام القبيلة تتعرض
للجوع والفقر بفعل شدة الحروب وتتعرض الأمتعة للنهب والضياع.
الحالة الأخلاقية:
لا ننكر أن أهل الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور
ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان ولكن ولطن لا ننكر أيضا
أن المجتمع الجاهلي كان تسوده أخلاق حميدة ما يروع الإنسان
ويقضي به إلى الدهشة والحيرة فمن هذه الأخلاق ما يلي:
الكرام:
كان العرب يتبارون
في ذلك وتتباهون به وقد استنفذوا فيه نصف أشعارهم.
الوفاء بالعهود:
فقد كان العهد عندهم دينا يتمسكون به ويستهينون في سبيله قتل
أولادهم.
عزة النفس:
وكان من نتائجها فرط الشجاعة وشدة الغيرة وسرعة الانفعال.
المضي في العزائم:
كانوا إذا عزموا على شيء لا يصرفهم عنه صارف بل كانوا
يخاطرون بأنفسهم في سبيله.
الحلم والصبر:
كانوا يمتدحون بها لكنها كانت فيهم عزيزة الوجود لفرط
شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال كما أن لهم أخلاق فاضلة
عالية لا يسع الوقت لذكرها.
الأسرة في فجر الإسلام:
إذا كانت معظم الحضارات السالفة قد عزفت ألوانا متعددة من
الأسر طبعة حياتها بطابع يعكس فلسفة كل أمة من تلك الأمم فإن
الأمة الإسلامية قد انفردت عن غيرها من الأمم بنظام أسري
وتربوي متميز قادر على تكوين أجيال مسلمة متوازنة قادرة على
تحمل المسؤولية الكاملة في تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا
والآخرة، ويأتي في طليعة المسالة هنا تكريم الإسلام للأم
باعتبارها الركيزة الأولى للبيت والأسرة. فقد أوجب الإسلام
كامل الاهتمام والعناية ما لم نجده عند الأمم السالفة. فعن
أبي هريرة(ض) قال « جاء رجل إلى رسول الله (ص)
فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال أمك قال ثم
من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أمك ثم من؟ قال أبوك
» منفق عليه وقدوة المسلمين في هذا المجال هو رسول الله (ص)
فقد كان أكرم الناس وألطفهم لأسرته وذلك بما تشهد به سيرته
حيث لم يثبت عنه أهان واحدة من زوجته بشتم أو سب أو ضرب أو
غير ذلك من وجوه الإيذاء بل كان (ص) أعظم البشرية برا
بزوجاته وإحسانا لهن وأوصى بهن كثيرا وحض على تكريمهن وحذر
من الاساء إليهن من ذلك قوله (ص) «
إن من أكمل المومنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله
»."رواه الترميدي والحكم عن عائشة".
إذن شريعة الإسلام بسعتها وامتدادها ومرونتها تحسب الحساب
الكامل الطبائع البشرية على تفا فهي بذلك تخاطب كل خليقة أو
طبع بما يناسبه من حكم، وذلك هي طبيعة الإسلام السمحة.
التربية في عصر النبوة:
كان
النبي (ص) المربي الأول الذي قام بهذه المهمة التربوية فرسم
نماذج تربوية للطفولة لم يسبق لها مثيل عالم الرعاية
بالأطفال حيث يشرف بنفسه وبأسلوبه الخاص الفريد في تنشئة تلك
البراعم التي لم تنفتح والأغصان التي لم يشتد عودها بعد.
ولم تكن هذه التربية قاصرة على من يعيش كنف النبي (ص) أو من
يعيش تحت سقف بيته بل كان ذلك مبدأ تربويا ينتهجه لأمته عامة
ويرسخه لكل الأجيال من بعده ليقتفوا آثره ويسيروا على منهجه
التربوي عملا بقوله تعالى:« لقد
كان لكم في رسول الله أسدة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم
الآخر»الأحزاب 21 ولو تتبعنا مراحل المنهج التربوي
النبوي في عالم الطفولة لرأينا أن مرحلة التربية تبدأ منذ أن
يكون الطفل سرا في عالم الغيب وذلك ليضمن له الأصل والمنبث
الطيب والحضن الأمين فدعا الزوج لاختيار الزوجة الصالحة التي
ستكون مصدر عزة الطفل ومربيته على الفضائل. وهكذا تتدرج
العناية بالطفل والاهتمام به من خلال توجيهات نبوية كريمة في
كل مرحلة من مراحل نمو الطفل نفسيا وجسديا بدء من التربية
العقدية السليمة ومرورا بالتربية الاجتماعية والخلقية
والعاطفية والمهم الذي لابد من ذكره هو أن النبي (ص) كان
نموذجا فريدا للأبوة الكريمة في حياة البشرية. يفرح بقدوم
الأطفال ويشارك في اختيار أسمائهم ويحن عليهم فيمازحهم
ويلاعبهم ويضمهم إلى صدره الكريم ويقبلهم بفهمه فإن هذا
يعطيهم الجو النفسي للحياة الإنسانية، وبذلك كان من ثمار هذه
التربية الفذة أن أنشأت أسرة متماسكة مثالية حقا في إيمانها
وعبادتها وأخلاقها ومعاملتها وإذا كانت الأسرة كذلك فلا شك
أن المجتمع بدوره كان مثاليا وخاصة المجتمع المدني والمكي في
عهده (ص) بقوله تعالى: « يوترون
على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة».
إذن أكتفي بهذا القدر وأفتح المجال لزميلي ليحدثنا عن واقع
الأسرة اليوم وما آلت إليه وضعيتها هل فعلا تطورت وهل فعلا
قدمت شيئا للمجتمع أو...
ثانيا: مداخلة السيد محمد عزوز
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيئين.
وبعد:
يشرفني في هذا اللقاء المبارك، ونحن نواصل خلال اليوم الرابع
الحديث عن " الأسرة ودورها في بناء المجتمع ورقيه " وبهذه
المناسبة أبيت إلا أن أغتنم الفرصة لأشارك السادة الأساتذة
وإخواني الطلبة الكرام بمداخلتي هاته ضمن هذا الأسبوع
الثقافي، الذي دأبت على تنظيمه ثانويتنا كل سنة، ومن هذا
المقام أوجه شكري الخاص إلى السيد المدير " قاسم اليعقوبي "
الذي يشرف شخصيا على هذه الأنشطة، وإشرافه متواصل مع انطلاقة
كل موسم دراسي جديد، وما نحن في حقيقة الأمر إلى ثمرة من هذا
المجهود القيم والصادق فما علينا إذن إلا أن نثمن له هذا
العمل الدءوب( والله لا يضيع أجر المحسنين ) كما أشكر أخواتي
الطالبات وإخواني الطلبة والسادة الأساتذة على حضورهم معنا،
وتتبعهم عن كتب لنشاطات هذا الأسبوع الثقافي المتواصل.
ما دمنا نواصل الحديث عن الأسرة بمختلف توجهاته وتشعبه، وبما
أن موضوعنا يحمل عنوانا هو " واقع الأسرة بين الأمس واليوم "
والذي تناول الأخ " علي" شطره الأول ، فما بقي لي إلا أن
أتمم ما بقي منه في الشطر الثاني والذي يتناول " واقع الأسرة
اليوم " باستحضارنا الأسرة في الوقت الراهن ، والوقوف عندها
ورصد المشاكل والعقبات التي تواجهها وتعوق سيرها العادي نحو
هدفها المنشود، والذي يتمثل في إقامة مجتمع آمن ومحصن من كل
الأخطار الداخلية والخارجية
إن وجود الأسرة هو امتداد للحياة البشرية وسر البقاء
الإنساني، فكل إنسان يميل بطبعه إلى أن يظفر ببيت وزوجة
وذرية...ولما كانت الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع فقد
رعتها الأديان السماوية عموما، وإن كان الإسلام تميز
بالرعاية الكبرى قال تعالى ( إن عرضنا الأمانة على السماوات
والأرض والجبال فأبن أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان
إنه كان ظلوما جهولا ) جاء ضمن معني الأمانة في الآية أمانة
الأهل والأولاد، فيلزم الولي أن يأمر أهله وأولاده بالصلاة
والصيام وغيرها من الشعائر الدينية، ويحفظهم من المحارم
واللهو لأنه مؤتمن ومسؤول عن ما استرعاه اله به بل وأوكل
إليه الرعايته.
ومسألة الاهتمام بالأسرة من القضايا العالمية التي زاد
الحديث عنها، لا سيما في العصر الحاضر وذلك على مستوى الدول
والهيآت والمنضمات الدولية حيث تحاول كل منها إيجاد صيغة من
عندها ومن ذلك رفعها الشعارات الحرية والمساواة ودعواها إلى
نبذ الأسر التقليدية وتطوير بناءها أو دعوى تحرير الأسرة
المعاصرة من القيود وتعويضها بعلاقات شاذة ومحرمة .
إن التأكيد على أهمية دور الأسرة في رعاية الأولاد من أجل
الأمور التي يجب أن تتظافر جهود الآباء والأمهات، وأهل العلم
والدعاة والتربويين والإعلاميين للمحافظة على بناء الأسرة
الصالحة وتماسكها في المجتمع الصالح فهي أمانة أمام الله
تعالى نحن مسؤولون عنها فالمرء يجزى على تأدية |