-
مفكرة
القاضي ابن العربي: السيد
المدير أنتم على رأس هذه المؤسسة منذ عام 1985، كيف ترون
خصوصية التعليم الأصيل الذي تنهض بمهامه ثانويتنا؟
-
الأستاذ
قاسم اليعقوبي: التعليم الأصيل
حامل لهويتنا العربية الإسلامية، وعلامة على شخصيتنا
الحضارية والثقافية. وقد نهضت ثانويتنا ـولنقل المعهد
الديني ما دام الأمر يتعلق بالبدايات ـ بمهامه منذ تأسيس
حلقات الدروس بالمساجد، فحافظت على تواتر العلم الشرعي،
وعلى الآداب الإسلامي، وأورثتها الأجيال اللاحقة. وإذا كان
لابد من ذكر خصيصة من خصائصه فهي تدريس للمواد الإسلامية
إلى جانب المواد العصرية باعتبار الجدع المشترك للتعليم
عموما علاوة على أنه أول نمط من التعليم شهدته بلادنا
تاريخيا...
-
م.ق.ع.:
لو تراجع معنا قليلا تاريخ
ثانويتنا إذن...!!
-
ذ.
اليعقوبي: الحديث عن ثانوية
القاضي ابن العربي يقتضي منا الرجوع إلى الوثائق
التاريخية، والملفات المحفوظة، والمحاضر الرسمية، وإلى
شيوخ العلم الذين ما يزال بعظهم وهو الأستاذ محمد
البقالي أطال الله في عمره حيا، باختصار إلى أكثر من نصف
قرن من الزمن من التاريخ الذي شهد ميلاد النواة الأولى
لهذه الثانوية...
-
م.ق.ع:
لا بأس من ذلك الرجوع... حتى
نعلم البدايات، وندرك المسارات، ونقدر الأفاق!!
-
ذ.اليعقوبي:
أعلموا أن هذه المؤسسة كانت
تحمل اسم " المعهد الديني" يوم إحداثه، وكان يضم طلبة
داخليين يقطنون بمدرسة "لوقش" الشهيرة الكائنة " بالغرسة
الكبيرة " بتطوان، وهي المنسوبة إلى المجاهد الفقيه الحاج
"محمد لوقش" حاكم تطوان إبان السلطان "المولى إسماعيل ".
وكانت الدروس تلقى في البداية بالجامع الكبير على شكل
حلقات شأنها في ذلك شأن " القرويين بفاس " و " جامع
الزيتونة " بتونس، "وجامع الأزهر" بمصر. ولما اكتظ الجامع
المذكور على اتساعه بحلقات الدرس ولم يعد كافيا لاستقبال
المزيد من الطلبة، تقرر توزيع بعض الأقسام على بعض المساجد
المجاورة واستغلت المشيخة يومها مقصورة الجامع الكبير
كخزانة للمعهد وهي بالمناسبة خزانة غنية بالمؤلفات
العلمية، والمخطوطات النفيسة. ويذكر أن مشيخة المعهد
تعاقب عليها عدد كبير من شيوخ العلم منذ 1937 أمثال
العلماء والفقهاء والأساتذة السادة محمد المرير، ومحمد
الطنجي، وعبد السلام بلقات، والتهامي الوزاني، ومحمد
الأمين التمسماني، وأحمد بن تاوايت، ومحمد البقالي، ومحمد
الميموني، والعبد الضعيف قاسم اليعقوبي حاليا.
-
م.ق.م:
أكيد أنه خلال هذه المدة التي تقرب أربعا وستين سنة شهدت
الثانوية أو "المعهد الديني سابقا" تطورات عدة... هل لكم
أن تطلعونا عليها؟
-
ذ. اليعقوبي:
يمكن القول إن الثانوية مرت بعدة مراحل وسميت بعدة أسماء.
إن أول مركز تقرر انتقال المعهد إليه هو دار ورثة الحاج
محمد الخطيب الكائنة " بالمطامر المدينة القديمة" بتطوان،
والتي كانت أيام الاستعمار الإسباني دارا للضيوف فهناك
لأول مرة يستبدل طلاب هذه المؤسسة الحصير بالكراسي
والمناضد. ومع إصلاح التعليم الديني، أضيفت إليه عدة مواد
إلى المنهج التقليدي ولكن رغم كل ذلك لم تكن الدار مناسبة
لعدم توفرها على شروط تعليمية صحية، وافتقارها إلى ساحة
تليق بمؤسسة ثقافية. أما الخطوة التي خطتها هذه المؤسسة
إبان عهد الاستقلال فهي انتقالها إلى معسكر أغطاس بباب
النوادر عام 1961 ذي الموقع المركزي والساحة المناسبة
والحديقة الفيحاء والأقسام المتعددة. وهناك تضاعف عدد
التلاميذ بسبب المدارس الابتدائية الأصيلة العديدة التي
كانت بمثابة روافد تزوده بالعديد من التلاميذ. وقد كانت
هذه النقلة بفضل مجهودات المرحوم الفقيه سيدي التهامي
الوزاني الذي كان على رأس مشيخة المعهد مرتين . ومن
المعسكر انتقلت الثانوية إلى مكانها الحالي يوم 7 ماي 1987
وكان يسمى معهد "ميلاكروسا" أي المعجزة وهو دير للراهبات.
وقد أنهينا ما تبقى من السنة الدراسية بدون تلاميذ لعدم
وجود أقسام جاهزة لأنها كانت ما زالت في طور الإصلاح
وشرعنا في العمل ابتداء من شتبمر 1987.
-
م.ق.ع:
ولكن متى سميت الثانوية باسم القاضي ابن العربي ؟
-
ذ.اليعقوبي:
منذ أنشئت هذه المؤسسة وهي تحمل اسم " المعهد الديني" إلى
ما بعد الاستقلال حيث صار يعرف كباقي المعاهد الدينية في
سائر المملكة ب " المعهد الأصلي " وذلك في الوقت التي ترأس
فيه مصلحة التعليم الديني في وزارة التعليم الأستاذ " عبد
العزيز بن عبد الله " فمنذ دلك التاريخ والمعهد يعرف بهذا
الاسم إلى أن تقرر تسميته من قبل الوزارة ب " ثانوية
القاضي ابن العربي " طبقا للمذكرة الواردة بهذا المعنى
والمؤرخة ب 24/12/1964 تحت رقم 27.1.23 استجابة لرغبة
المعهد التي اقترحت تسميته بذلك الاسم .
-
م.ق.ع:
وماذا عن التطورات الإدارية التي شهدتها المؤسسة؟
-
ذ.اليعقوبي:
من المؤكد أنها تطورات ذات أهمية بالغة، وحسبكم منها
السجلات التي تم إنشاؤها للتلاميذ، وللعاملين بالمؤسسة
والتي لم تكن موجودة من قبل. ويكفينا فخرا أننا نتوفر على
ذخيرة وثائقية عظيمة القدر تتعلق بالتلاميذ الذين كانوا
يتابعون دراستهم بالمعهد ثم الثانوية منذ عهد الحماية، وهي
ذخيرة تؤشر على الأصالة الحقيقية لمؤسستنا، ويمكن أن تكون
دليلا على تطورها في الزمان من كافة النواحي...لقد انتقلنا
من نظام الحلقة في المسجد إلى نظام الدراسة في حجرة
مدرسية، ومن الحصير إلى الكراسي والمناضد، ومن الخبزة إلى
المنحة إلى الداخلي وكل ذلك يرافقه تطور إداري لا يمكن
إدراك أهميته إلا لمن تهيأ له الاطلاع على أنظمة الدراسة
بالمعهد منذ السنوات الأولى لإنشائه والآن لدينا، بحمد
الله، تنظيمات إدارية تضاهي التنظيمات المعمول بها في
التعليم العصري، ونأمل أن تتطور تلك التنظيمات أكثر مع
اعتمادنا على التوثيق المعلوماتي لإدارتنا وأرشيفاتنا،
واستفادتنا من ربط ثانويتنا بالطريق المعلوماتي السيار...
-
م.ق.ع:
تحدثتم عن روافد التعليم الأصيل التي كانت تعتمد عليها
مؤسستنا مدة وجودها...
-
ذ.اليعقوبي:
بالطبع فقد كانت هناك عدة مدارس هي "مدرسة وادي لو"
الكائنة بضواحي المدينة والتي كانت تعتبر أهم الروافد لهذه
المؤسسة، ومدرسة "أبن حمزة" ومدرسة " دار العطار" ومدرسة
" بوهلال " و مدرسة "دار الطريس " ومدرسة "دار الكباص "
لكن هذه المدارس مآلها ـ مع كامل الأسف ـ إما الاندثار أو
الإهمال وإما سيطرة التعليم العصري عليها. وقد أدمجت هذه
المدارس كلها في التعليم العصري.
-
م.ق.ع. هل يستطيع التعليم
الأصيل الاستمرار إذا قلت الروافد ؟
-
ذ.اليعقوبي:
الاستمرار بهذه الكيفية غير ممكن وهذه خطة مطبقة في
"الزيتونة " وفي " الأزهر " من أجل إضعافه والإجهاز عليه.
كانت هناك مشاريع لتوسيع التعليم الأصيل ولكن في أي ظروف
يتم دلك؟ لست أدري!
نأمل الاهتمام أكثر بهذا التعليم إما بتشجيع روافده وإعطاء
المنح لحفظة القرآن من البادية، أو إدماج التعليم العصري
في التعليم الأصيل بتقوية المواد الإسلامية والعربية في
التعليم الأساسي بسلكيه الأول والثاني.
-
م.ق.ع.
هل ترى مستقبلا للتعليم الأصيل مع هذا
الوضع؟
-
ذ. ق. اليعقوبي:
المستقبل مرتبط بروافد التعليم
وبنظرة المسؤولين إليه، مادامت الروافد غير موجودة فإن
مستقبله في مهب الريح.
-
م.ق.ع.
كانت تلك أخر كلمة قالها السيد المدير
من منطق الغيرة على التعليم الأصيل.
وودعناه شاكرين له