احتدام الجدل حول "زواج القاصرات" باليمن - الوعي الاجتماعي الإسلامي طريق المصلحين - شارك معنا آراء ومقالات -  موقع الشيخ عاطف عبد المعز الفيومي

طريق المصلحين - شارك معنا

 

 

مختارات الوعي

 
 

 

معالم النهضة

 
 

 

 أرشيف الموقع

 
 
 
 
 
 

    << الصفحة الرئيسية >> متابعات اجتماعية

كتبه: أحمد مخيمر

10 – ربيع ثاني – 1431هجري/ 26 - 3 - 2010م

احتدام الجدل حول "زواج القاصرات" باليمن

 

لا زالت ظاهرة الزواج المبكر في اليمن واحدة من أهم الملفات الاجتماعية والشرعية الساخنة وذلك بفعل العديد من القضايا التي شهدتها المحاكم اليمنية من فتيات قاصرات يطلبن الطلاق.

وجاءت قضية الطفلة نجود محمد علي، ابنة الثمانية أعوام، التي حصلت على الطلاق، بعدما رفعت شكوى على والدها الذي أرغمها على الزواج من رجل يكبرها بعشرين عاما، لتدفع بهذه المشكلة إلى السطح، والتي كانت سيرتها الذاتية مادة لكتاب نشر هذا الشهر باللغة الانجليزية في الولايات المتحدة، تحت عنوان "أنا نجود.. عمري عشرة أعوام ومطلقة" تحكي فيه كيف أرغمت وهي في الثامنة من عمرها على الزواج من رجل عمره ثلاثة أمثال عمرها وتعرضها للاعتداء والضرب قبل أن تصنع تاريخا في اليمن بالحصول على الطلاق.

وقد دفعت ظاهرة الزواج المبكر أو الزواج "القسري" مئات اليمنيات للقيام بمظاهرات أمام مقر البرلمان في صنعاء، للمطالبة بتحديد تشريع يحدد سن الزواج بـ 18 عاماً، فيما خرجت آلاف اليمنيات في نفس المكان يطالبن بعدم إقرار التشريع باعتبار ذلك مخالفا للشريعة الإسلامية، مطالبات بالأخذ بفتوى علماء دين حرموا مثل ذلك التشريع، معتبرين انه تنفيذ لأجندة غربية.

ضرورة مجتمعية أم أجندة غربية:

تؤكد المطالبات بتحديد سن معين للزواج أنه جاء اثر استفحال ظاهرة زواج القاصرات إلى درجة أن اليمن أصبح مقرا للزواج السياحي من دول الجوار مستغلين حالة الفقر المدقع لليمنيين الذي وصلت نسبته إلى نحو 56%.

وكشف تقرير صدر مؤخراً عن مركز دراسات وأبحاث النوع الاجتماعي بجامعة صنعاء أن نحو 52% من الفتيات اليمنيات تزوجن دون سن الخامسة عشرة خلال العامين الماضيين مقابل 7% من الذكور.

وشكل زواج الفتيات الصغيرات ما نسبته 65% من حالات الزواج المبكر منها 70% في المناطق الريفية، وأشار التقرير إلى انه في بعض الحالات لا يتجاوز عمر المتزوجة الثماني أو العشر سنوات.

وكشف التقرير عن فجوة عمرية كبيرة بين الزوجين، تصل في بعض الأحيان إلى حالات يكبر فيها الزوج زوجته بـ56 عاما.

بينما يخشى الغيورون على الشريعة الإسلامية أن تكون المطالبات الأخيرة والتي تدعمها توجهات ليبرالية محاولة لتطبيق أجندة غربية ومحاولة تفريغ أحكام الأحوال الشخصية في اليمن من محتواها الشرعي وتقنين مخالفات لأحكام الشريعة الإسلامية.

معضلة تحديد الحد الأدنى لسن الزواج:

من جانبه رفض الدكتور غازي الأغبري وزير العدل اليمني حضور اجتماعات لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية متمسكاً بتعديلات لقانون الأحوال الشخصية تقدمت بها الحكومة تقضي بتحديد سن الزواج في اليمن بثمانية عشر عاماً.

حاول البرلمان التصويت على تحديد سن الزواج بسبع عشرة سنة كحل وسط بين الحكومة ولجنة التقيين الرافضين تحديد سن للزواج لكن الجلسة تم تأجيلها.

وأكد وزير العدل على عدم وجود إملاءات دولية أو غربية بهذا الخصوص، مشيراً إلى رأي طبي للجنة الصحة البرلمانية، وأعرب عن استعداد الحكومة سحب تعديل تحديد سن الزواج حال الإثبات بنص من القرآن أو السنة يمنع تحديد سن الزواج؛ معتبراً ما ورد بهذا الشأن اجتهادات فقهية وتطرق إلى اجتهاد للمذهبين المالكي والحنفي يحدد سن الزواج للإناث.

وخلص بحث قانوني تم إجراؤه على التشريعات العربية فيما يتعلق بتحديد سن الزواج للأنثى إلى أن جميع الدول العربية تقريبا لديها تشريعات وطنية تحدد سناً آمناً للزواج مع تفاوت بسيط في مقدار العمر.

وأوضح البحث الذي أعده المحامي والمستشار القانوني فيصل المجيدي بأن اليمن شهد تراجعا تشريعياً في هذا المجال خلال التسعينات من القرن وأن التشريعات اليمنية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين كانت تحدد سناً للزواج في شطري اليمن آنذاك.

وأوصي "المجيدي" بتعديل النص القانوني في المادة (15) من القانون النافذ بما يتوافق مع غالبية التشريعات العربية التي تتراوح الأعمار فيها لسن الزواج بين الـ15 و 18 من العمر غالباً، ومراعاة إيقاع العقوبات اللازمة بحق من يخالف ذلك.. ولا مانع من مراعاة من بلغ قبل هذه السن على سبيل الاستثناء بشرط أن توجد المصلحة، وأن يكون ذلك تحت إشراف القاضي وسلطته للتأكد من المبررات التي يقدمها من يريد الزواج.

وكشف البحث أن التشريع في شمال اليمن كان يعتمد الشريعة الإسلامية مرجعية وحيدة وأن القائمين على سن تلك التشريعات كانوا يأخذون برأي فقهاء الشريعة ويتشاركون معهم صياغتها وإقرارها.

عرف مجتمعي ومشاكل مستحدثة:

وتتعدد أسباب الزواج المبكر في اليمن، أهمها القيم الاجتماعية التي تنظر إلى الزواج المبكر باعتباره صيانة من الانحراف، كما يرتبط بالجانب الديني للمجتمع اليمني، الذي ينظر إلى الزواج على أنه واجباً دينياً، وإحصان للرجل والمرأة من الوقوع في الخطأ.

ولكن إمكانية الزواج المبكر فتحت الباب لظهور ما يعرف بـ"الزواج السياحي" حيث يقبل الرجال من بعض دول الجوار على الزواج بالقاصرات بما يشكل خطراً على الوضع الاجتماعي بالبلاد.

وقد أعلنت رمزية الإرياني رئيسة الاتحاد العام لنساء اليمن أنه تصل إلى الاتحاد قضايا كبيرة جداً عن الزواج السياحي ومشاكله فيما بعد الزواج، مؤكدة أنه عادة ما يتم ترك الزوجة من قبل الأزواج وهن في سن صغيرة جداً ما بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة وهي حامل وتترك من قبل زوج مجهول الهوية.

وأضافت: "هؤلاء السياح الذين يزورون اليمن من الدول الشقيقة يرجعون إلى بلدانهم ويحكون لأصدقائهم انه في اليمن من السهولة أن تتزوج لمدة شهر وتعطي لأهل الزوجة فلوساً وكأن شيئاً لم يكن، وبدأ هؤلاء يأتون إلى اليمن ويفعلون كما فعل أصدقاؤهم".

الحكم الشرعي لتحديد سن الزواج

هناك تبايناً بين فريقين من العلماء الأول يرى من حق ولي الأمر أن ينظم المباح إذا ثبت تأثيره الضار على المجتمع، والثاني يرى حرمة تحديد سن الزواج وأن الشرع حض على التبكير بالزواج والتماس العفاف، ولا يمكن تحديده لاختلاف عمر البلوغ من مكان لأخر.

فمن أنصار الرأي الأول الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، حيث يؤكد أن الشرع أتاح لولي الأمر اتخاذ كل ما من شأنه إصلاح شأن رعيته، بشرط ألا يتعارض ذلك مع نص صريح في الكتاب أو السنة، وهذا ما ينطبق على هذه القضية؛ لأنه لا توجد نصوص شرعية تحدد سن الزواج وتفرضه على الناس.

ولهذا فإن وجود تشريع يحدد سن الزواج مع الاسترشاد بآراء الأطباء لا شيء فيه من الناحية الشرعية، وفي هذه الحالة يكون الالتزام بهذه القوانين المحددة لسن الزواج واجب شرعا، ومن يخرج عليها فهو آثم ومن حق الحاكم فرض عقوبة تعذيرية عليه، حتى وإن كان العقد صحيحا، ومن حق الحاكم فسخه إذا لم يتم الدخول بعد، أما إذا تم الدخول فإنه يقتصر على العقوبة التعذيرية لولي أمر القاصر الذي خالف القانون الذي وضعه الحاكم.

بينما يرى الدكتور عبد الله عبد الحي العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أن تحديد سن معينة للزواج أمر غير مقبول عقليا أو شرعيا، وذلك لاختلاف سن البلوغ من فتاة لأخرى، ولهذا فإن لكل حالة حكمها المستقل بها.

ويواصل: "ولنا في رسول الله صلى الله عليه الأسوة الحسنة في الزواج بالسيدة عائشة وهي بنت التاسعة؛ لأن جسدها قد نضج في البيئة الصحراوية في هذه السن المبكرة؛ ولهذا فإنه من المرفوض شرعا تدخل الحاكم بتحديد سن معينة للزواج، فما يهمنا هو أن تكون الفتاة مهيأة للزواج، بصرف النظر عن سنها، وبالتالي فإن ولي أمرها يكون آثما شرعا إذا عطّل زواجها بحجة أنها لم تبلغ سن معينة".

ويرفض الدكتور عبد الحي أن يكون كلام الأطباء هو الفيصل في تحديد سن الزواج؛ لأنه يفترض أن الطب هنا استشاري، ولا يجوز تعميمه على الجميع، وإنما يمكن الاستئناس به في كل حالة على حدة، وحتى إذا خالف ولي أمر الفتاة رأي الطب ووافق على زواج ابنته ورضيت هي بذلك فهو عقد زواج صحيح شرعًا، ولكن يستحسن أن يتم تأجيل الدخول حتى ترى الفتاة نفسها قادرة على القيام بواجبات الزوجية دون أن يلحق بها ضرر.

وانتصارا للرأي الأخير جاء بيان علماء اليمن في شان تحديد سن للزواج والذي نشره موقع "مأرب برس" بأن منع الزواج وتحديده بسن معين ومعاقبة من أراد أن يعف ابنه أو ابنته بالزواج قبل هذا السن بالسجن والغرامة المالية والذي يطالب به الذين يريدون تحديد سن الزواج في ظل وسائل الإثارة الجنسية المنتشرة.. هو تحريم لما أحله الله تعالى في كتابه وتجريم لفعل فعله النبي صلى الله وآله وصحبه وسلم والصحابة والتابعون، وهذا منكر عظيم لا يجوز شرعاً للأدلة القطعية الثابتة من الكتاب والسنة والإجماع وعمل الصحابة، الدالة على جواز الزواج قبل هذا السن وفق الضوابط الشرعية التي تكفل منع الضرر والذي أشار إليه الفقهاء في سياق الحديث عن الإجماع.

المصدر: رسالة الإسلام

اطبع هذه الصفحة

  عد الى الخلف