| الجزء الأول | الاخوان المسلمون و العقيدة الجزء الثاني | الاخوان المسلمون |
| 1-15/2/01 | انتظروا تتمة الموضوع قريبا | العدد الخامس 5 |
|
عن كتاب الإخوان المسلمون |
|
سبعون عاما من الدعوة و التربية و الجهاد |
|
لفضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله |
وأما قضية التوسل بالرسول صلى
الله عليه و سلم والأنبياء، والملائكة
والصالحين من عباد الله، فقد ذكر الأستاذ
البنا: أن هذا من الامور الخلافية بين الائمة،
وأنه خلاف في كيفية الدعاء، وليس من مسائل
العقيدة.
وقد أنكر إخواننا السلفيون على
الأستاذ البنا هذا القول، واشتد نكيرهم عليه،
وعلا صوتهم فى معارضته والتشنيع على قائله.
ولا أدرى لم هذا كله؟ ولم يقل الرجل شيئا
يستوجب الطعن أو التشنيع.
أولا: لان الأمر خلافي بالفعل، ومن
قرأ كتب المذاهب المتبوعة من الحنفية
والمالكية والشافعية بل حتى الحنابلة: وجد
هذا واضحا، فالكثيرون أجازوا التوسل بالرسول
وبالصالحين من عباد الله.
وهناك من كره التوسل، وهناك من
منعه.
ولكل فريق من هؤلاء أدلته أو
شبهاته- على الأقل- فى تأييد ما ذهب
إليه،
وللمخالفين ردودهم عليه، كما هو الشأن فى
المسائل الخلافية.
وهناك دليل قوى لمن قالوا
بالتوسل، وهو حديث عثمان بن حنيف، وقد صححه
الشيخ الألبانى، وهو من منكرى التوسل، وإن
وجهه هو وجهه أخرى، هى فى نظرى أقوى وأحرى. وهو
هذا الحديث:
أخرج
أحمد وغيره بعسند صحيح عن عثمان بن حنيف ألن
رجلا ضرير البصر أتى النبى
صلى الله عليه و سلم، فقال: ادع الله أن
يعافينى. قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخرت
ذاك، فهو خير، (وفى رواية: وإن شئت صبرت فهو
خير لك)، فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ، فيحسن
وضوءه، فيصلى ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:
اللهم إنى أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى
الرحمة، يا محمد إنى توجهت بك إلى ربى فى
حاجتى هذه، فتقضى لى، اللهم فشفعه فى (وشفعنى
فيه). قال: ففعل الرجل، فبرأ .
أما أن التوسل من مسائل العمل،
وليس من مسائل العقيدة، فهذا توجيه صحيح،
لأنه خلاف في كيفية الدعاء، ما دام المدعو
والمتوسل إليه هو الله تبارك وتعالى.
بقى البحث فى مشروعيته هل يقال:
أتوسل إليك بنبيك مـحمد، أو بملائكتك
المقربين أو بعبادك الصالحين أو لا يجوز؟
فهذا بحث فقهى، وليس ببحث عقدى.
وليس الإمام البنا هو أول من قال
بذلك، بل قال به الإمام محمد بن عبد الوهاب
نفسه، كما نقل فى مجموع فتاويه.
حيث قال فى المسألة العاشرة (قولهم
فى الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين،
وقول أحمد يتوسل بالنبى خاصة، مع قولهم: إنه
لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جدآ، وليس
الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص فى التوسل
بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبى صلى الله عليه
و سلم. وأكثر العلماء ينهى عن ذلك و يكرهه،
فهذه المسألة من مسائل الفقه. ولو كان الصواب
عندنا قول الجمهور أنه مكروه، فلا ننكرعلى من
فعله) مجموعة
فتاوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 68، 69.
فقد تضمن كلام الشيخ أن التوسل
بالصالحين، أو بالنبى صلى الله عليه و سلم هو
موضع خلاف بين العلماء، وإن هو صوّب قول
الجمهور أنه مكروه، وأن هذه المسألة من مسائل
الفقه. وهذا عين ما قرره البنا، فلا وجه
للإنكار عليه.
وقال به أيضآ المحدث السلفى
الشهير الشيخ ناصر الدين الألبانى فى مقدمته
لشرح العقيدة الطحاوية لابن أبى العز الحنفى،
فقد تحدث عن سبع مسائل هامة، قال: كلها فى
العقيدة إلا الأخيرة منها.
انظر: مقدمة شرح الطحاوية ص 55 طبعة المكتب
الإسلامى.
يعنى
بالأخيرة: ما قاله شارح الطحاوية من كراهية
التوسل بحق الأنبياء وجاههم، تبعا لإمامه أبى
حنيفة.
ولأن موضوع التوسل فقهى لا عقدى،
تكلمت عنه جميع كتب المذاهب، على اختلاف
أحكامها فيه، ودخل الموسوعات الفقهية،
باعتباره من المسائل الفروعية العملية، التى
تدخل فى إطار البحث الفقهى.
وهناك كثيرون من المستقلين عن
المذاهب قالوا بإجازة التوسل، منهم الإمام
الشوكانى- وهو سلفى معروف- فى كتابه (تحفة
الذاكرين) شرح (الحصن الحصين). وهناك غيره من
القدامى والمحدثين. ومنهم من أجاز التوسل
بالنبى وحده، ولم يجز التوسل بغيره من
الانبياء والصالحين، كما هو رأى الإمام عز
الدين بن عبد السلام.
والخلاف فى المسألة ظاهر. يمكنك أن
تراجعه فى بحث (التوسل) فى الموسوعة الفقهية
الكويتية فى الجزء الرابع عشر. وبهذا يتضح لنا
سلامة ما قاله الشيخ البنا بميزان العلم
والتحقيق.
وأنا شخصيا أميل إلى ترجيح عدم
التوسل بذات النبى وبالصالحين.
وأتبنى رأى شيخ الإسلام إبن تيمية
فى ذلك، لعدة أمور:
الا ول: أن أدلة المنع- أعني منع
التوسل بذات النبى وذوات الصالحين- أرجح فى
الميزان العلمى. وخصوصا أن باب الله تعالى
مفتوح لكل خلقه، وليس ، عليه حاجب ولا بواب،
مثل أبواب الملوك والامراء. حتى العصاة فتح
الله تعالى لهم أبواب رحمته، ونسبهم إلى
ذاته، فقال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا
على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الزمر: 53،.
والثانى: أن إجازة التوسل قد تكون
ذريعة إلى دعاء غير اللة تعالى، والاستغاثة
به، وكثير من الناس يخلط بين الأ مرين، فسد
الذريعة بالنظرإلى العوام أولى.
والثالث: أن المنهج الذى أخذته
وسرت عليه فى التعليم والدعوة والفتوى:
أننا إذا استطعنا أن نتعبد الله
تعالى بالا مر المتفق عليه فلا داعى لان ندخل
فى الأمر - المختلف فيه.
وعلى هذا الأساس لا أفضل التعبد
بصلاة التسابيح، لأن فى الصلوات
الاخرى
المتفق عليها، والتى تواتر عن رسول الله
التعبد بها ما يغنى عنها.
ولكني لا أوثم من أداه اجتهاده إلى
جواز التوسل، أو جواز التعبد بصلاة التسابيح
ونحوها. ولا أنكر عليه إلا من باب الإرشاد إلى
الأرجح و الأصح، إذ لا إنكار فى المسائل
الخلافية، كما هو معلوم.
وشيخ
الإسلام ابن تيمية ان أنكر التوسل بالذات، لم
يشتد في نكيره إلى حد التكفير أو التأثيم، كما
يفعل بعض من يدعون الانتساب إلى مدرسته. وقد
قال فى (فتاويه) بعد أن ذكر الخلاف فى المسألة:
"ولم يقل أحد: إن من قال بالقول الاول فقد
كفر. ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية
ليست أدلتها جلية ظاهرة، والكفر إنما يكون
بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بانكار
الأحكام المتواترة والمجمع عليها ونحو ذلك..
بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من تغليظ
العقوبة والتعزير ما يستحق أمثاله من
المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبى: ((أيما
رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما)).
مجموع فتاوى شيخ الإسلام (1/ 106) والحديث متفق
عليه عن ابن عمر.
يرى الكثيرون: أن هذا الحديث يدل
على جواز التوسل فى الدعاء بجاه النبى صلى
الله عليه و سلم أو غيره من الصالحين، إذ فيه
أن النبى صلى الله عليه و سلم علم الأعمى أن
يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى فعاد بصيرا.
أما الشيخ الألبانى فقال:
وأما نحن فنرى أن هذا الحديت لا
حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو
التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع
الثالث من أنواع التوسل المشروع الذى
أسلفناه، لان توسل الاعمى إنما كان بدعائه.
والأدلة على ما نقول من الحديث
نفسه كثيرة، وقد فصلها فى كتابه (التوسل
وأنواعه وأحكامه) فليرجع إليه.
وأما قضية الولاء والبراء،
فالإخوان كانوا أسبق الجماعات إلى تقريرها يم
فهم يوالون كل من والى اللة ورسوله وجماعة
المؤمنين، كما قال تعالى: (إنما وليكمالله و
رسوله و الذين آمنوا يقيمون الصلاة و يؤتون
الزكاة و هم راكعون و من يتول الله و رسوله و
الذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون)
المائدة.
وهم يعادون كل من عادى الله ورسوله
والمؤمنين: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
عدوي وعدوكم أولياء)
الممتحنة.
و يؤكد الاستاذ البنا فى رسائله
على هذه القضية، فأوثق عرى الإيمان: الحب فى
الله، والبغض فى الله. وهل الإيمان إلا الحب
والبغض ؟
وفى رسالة التعاليم فى ركن (التجرد)
يقول: أريد بالتجرد: أن تتخلص لفكرتك مما
سواها من المبادئ والأشخاص، لانها أسمى الفكر
و!جمعها و
أعلاها: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)
البقرة. (قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم و
الذين معه اذ قالوا لقومهم انا برآء منكم و
مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا
و بينكم العداوة و البغضاء أبدا حتى تؤمنوا
بالله و حده) الممتحنة.
والناس عند ال!خ الصادق واحد من
ستة أصناف: مسلم مجاهد أو مسلم قاعد، أو مسلم
آثم، أو ذمى معاهد، أو محايد، أو محارب. و لكل
حكمه فى ميزان الإسلأم. وفى حدود هذه الاقسام
نوزن الاشخاص و الهيئات، ويكون الولاء
والعداء) رسالة
التعاليم، مجموع الرسائل ص 363.
لا أحسب
عالما أو منصفا يتهم صاحب هذا الكلام بأنه لا
يعرف الولاء و البراء، أو الموالاة والمعاداة
فى الله، بل لقد ربى جيلأ يحب فى اللة، ويبغض
فى الله، يوالى فى الله، ويعادى فى الله.
والإخوان كانوا أشد الناس على
المستعمرين والصهاينة، الذين احتلوا ديار
المسلمين وهم الذين قادوا الجهاد وحركوه فى
ديار الإسلام لمقاومة هؤلاء، فلا يتصور أن
يتهموا بدعوى الولاء لهم.
أخوة
المواطنين من غير المسلمين:
و لكن الإخوان يفرقون بين هؤلاء
وبين مواطنيهم، الذين يعيشودن فى دار
الإسلام، وهم من أهل البلاد الأصليين، وقد
دخل الإسلام عليهم وهم فيها، و أعطاهم الذمة
والامان أن يعيشوا مع المسلمين وفى ظل حكمهم،
لهم ما لهم، و عليهم ما عليهم، إلا ما اقتضاه
التميز الدينى.
فهؤلاء
لم ينه الله تعالى عن برهم والإقساط إليهم،
كما فى قوله تعالى:(لا ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن
تبروهم و تقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين)
الممتحنة.
فهؤلاء لهم حق البر والقسط،
والقسط هو العدل، والبر فوف العدل، وهو
لإحسان.
القسط: أن تعطيهم حقهم، والبر: أن
تزيد على ما هو حق لهم
القسط: أن يأخذ منهم الحق الذى
عليهم، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك عليهم.
فهؤلاء- إذا كانوا من أهل وطنك- لك
أن تقول: هم إخواننا، أى إخواننا فى الوطن،
كما أن المسلمين- حيثما كانوا- هم إخواننا فى
الدين. (والفقهاء يقولون عن أهل الذمة: هم من
أهل الدار، أى دار الإسلام). فالاخوة ليست دينية
فقط كالتي بين أهل الإيمان بعضهم وبعض، وهى
التى جاء فيها قول الله تعالى: (إنما المؤمنون
إخوة)الحجرات. بل هناك أخوة قومية، وأخوة
وطنية، وأخوة بشرية.
والقرآن
الكريم يحدثنا فى قصص الرسل مع أقوامهم الذين
كذبوهم وكفروا بهم، فيقول: (كذبت قوم نوح
المرسلين إذ قال لهم
آخوهم نوح ألا تتقون) الشعراء. (كذبت عاد
المرسلين إذ قال لهم
آخوهم هود ألا تتفون )الشعراء. (كذبت ثمود
المرسلين إذ قال لهم
أخوهم صالح ) الشعراء. (كذبت قوم لوط المرسلين
إذ قال لهم آخوهم لوط) الشعراء.
كيف
أثبت الله الأخوة لهؤلاء الرسل مع أقوامهم مع
تكذيبهم لهم وكفرهم بهم؟ لأنهم كانوا منهم،
فهم إخوتهم من هذه الناحية، فهى أخوة قومية،
ولذا قال عن شعيب في نفس السورة: كذب أصحاب
الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون) الشعراء. وذلك أنه لم يكن منهم،
وإنما كان من مدين، ولذا قال فى سورة أخرى:(و
إلى مدين آخاهم شعيبا) هود.
و اذ أثبت القرآن. هذه الاخوة
القومية بين الرسل وأقوامهم، فلا حرج أن نثبت
أخوة وطنية بين المسلمين ومواطنيهم من
الأقباط فى مصر، أو أمئالهم فى البلاد
الاسلامية الأخرى
ولا يكون ذلك سببا للطعن فى عقيدة
الإخوان، وأنهم لا يعرفون الولاء والبراء فى
عقيدتهم، بل يكون هذا من حسن فقه الإخوان،
وفهمهم عن الله ورسوله ما لا يفهم الآخرون.
|
عن كتاب الإخوان المسلمون |
|
سبعون عاما من الدعوة و التربية و الجهاد |
|
لفضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله |