في سبب الشبه للأبوين أو أحدهما وسبب الإذكار والإيناث وهل لهما علامة وقت الحمل أم لا
تقدم ذكر قوله تعالى هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء آل عمران 6
وثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم سليم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال صلى الله عليه وسلم إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل فقال أم سليم واستحيت من ذلك وهل يكون هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم فمن أين يكون الشبه ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه
وفي صحيح مسلم عن عائشة أن المرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم
هل تغتسل المرأة إذا حملت فأبصرت الماء فقال نعم فقالت لها عائشة تربت يداك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه
وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمي محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شبى إن حدثتك فقال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر فقال فمن أول الناس إجازة يوم القيامة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على إثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال عينا فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال أردت أن أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله تعالى فقال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله عز وجل به
وفي مسند الإمام أحمد من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله هو ابن مسعود قال مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقال رجل من قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد ممم يخلق الإنسان قال يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم فقام اليهودي فقال هكذا كان يقول
فتضمنت هذه الأحاديث أمورا أحدها أن الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة خلافا لمن يزعم من الطبائعيين أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده وقد قال تعالى فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب الطارق 75 قال الزجاج قال أهل اللغة التربية موضع القلادة من الصدر والجمع ترائب وقال أبو عبيدة الترائب معلق الحلي من الصدر وهو قول جميع أهل اللغة وقال عطاء عن ابن عباس يريد صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع قلادتها وهذا قول وسفيان وجمهور أهل التفسير وهو المطابق لهذه الأحاديث وبذلك أجرى الله العادة في أيجاد ما يوجده من بين أصلين كالحيوان والنبات وغيرهما من المخلوقات فالحيوان ينعقد من ماء الذكر وماء الأنثى كما ينعقد النبات من الماء والتراب والهواء ولهذا قال الله تعالى بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة الأنعام 1 : 1 فإن الولد لا يتكون إلا من بين الذكر وصاحبته و لا ينتقض هذا بآدم وحواء أبوينا ولا بالمسيح فإن الله سبحانه مزج تراب آدم بالماء حتى صار طينا ثم أرسل عليه الهواء والشمس حتى صار كالفخار ثم نفخ فيه الروح وكانت حواء مستلة منه وجزءا من أجزائه والمسيح خلق من ماء مريم ونفخة الملك وكانت النفخة له كالأب لغيره
فصل
الأمر الثاني إن سبق أحد المائين سبب لشبه السابق ماؤه وعلو أحدهما سبب لمجانسة الولد للعالي ماؤه فها هنا أمران سبق وعلو وقد يتفقان وقد يفترقان فإن سبق ماء الرجل ماء المرأة وعلاه كان الولد ذكرا والشبه للرجل وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل كانت أنثى والشبه للأم وإن سبق أحدهما وعلا الآخر كان الشبه للسابق ماؤه والإذكار والإيناث لمن علا ماؤه
ويشكل على هذا أمران أحدهما أن الإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي وإنما هو مستند إلى وسلموا الخالق سبحانه ولهذا قال في الحديث الصحيح فيقول الملك يا رب أذكر أم أنثى فما الرزق فما الأجل شقي أم سعيد فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك فكون الولد ذكر أو أنثى مستند إلى تقدير الخلاق العليم كالشقاوة والسعادة والرزق والأجل وأما حديث ثوبان فانفرد به مسلم وحده والذي في صحيح البخاري إنما هو الشبه وسببه علو ماء أحدهما أو سبقه ولهذا قال فمن أيهما علاأو سبق يكون الشبه له
الأمر الثاني أن القافة مبناها على شبه الواطئ لا على شبه الأم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة انظروها فإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو لشريك بن السمحاء يعني الذي رميت به وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو لهلال بن أمية فاعتبر شبه الواطئ ولم يعتبر شبه الأم ويجاب عن هذين الإشكالين
أما الأول فإن الله سبحانه قدر ما قدره من أمر النطفة من حين وضعها في الرحم إلى آخر أحوالها بأسباب قدرها حتى الشقاوة والسعادة والرزق والأجل والمصيبة كل ذلك بأسباب قدرها أن يكون للإذكار والإيناث أسباب كما للشبه أسباب لكون السبب غير موجب لمسببه بل إذا شاء الله جعل فيه اقتضاءه وإذا شاء سلبه اقتضاءه وإذا شاء رتب عليه ضد ما هو سبب له وهو سبحانه يفعل هذا تارة وهذا تارة وهذا تارة فالموجب وسلموا الله وحده فالسبب متصرف فيه لا متصرف محكوم عليه لا حاكم مدبر ولا مدبر فلا تضاد بين قيام سبب الإذكار والإيناث وسؤال الملك ربه تعالى أي الأمرين يحدثه في الجنين ولهذا أخبر سبحانه أن الإذكار والإيناث وجمعهما هبة محضه منه سبحانه راجع إلى مشيئه وعلمه وقدرته
فإن قيل فقول الملك يا رب أذكر أم أنثى مثل قوله ما الرزق وما الأجل وهذا لا يستند إلى سبب من الواطئ وإن كان يحصل بأسباب غير ذلك قيل نعم لا يستند الإذكار والإيناث إلى سبب موجب من الوطء وغاية ما هناك أن ينعقد جزء من أجزاء السبب تمام السبب من عن الزوجين ويكفي في ذلك أنه إن لم يأذن الله باقتضاء السبب لمسببه لم يترتب عليه فاستناد الإذكار والإيناث إلى مشيئته سبحانه لا ينافي حصول السبب وكونهما بسبب لا ينافي استنادهما إلى ولو ولا يوجب الاكتفاء بالسبب وحده
وأما تفرد مسلم بحديث ثوبان فهو كذلك والحديث صحيح لا مطعن فيه ولكن في القلب من ذكر الإيناث والإذكار فيه شيء
هل حفظت هذه اللفظة أو هي غير محفوظة والمذكور إنما هو الشبه كما ذكر في سائر الأحاديث المتفق على صحتها فهذا موضع نظر كما ترى والله أعلم
فصل
وأما الأمر الثالث وهو اعتبار القائف لشبه الأب دون الأم فذلك لأن كون الولد من الأم أمر محقق لا يعرض فيه اشتباه سواء أشبهها أو لم يشبهها وإنما يحتاج إلى القافة في دعوى الآباء ولهذا يلحق بأبوين عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر فقهاء الحديث ولا يلحق بأمين فإذا ادعاه أبوان أري القافة فألحق بمن كان الشبه له إذا لم يكن ثم فراش فإن كان هناك فراش لم يلتفت إلى مخالفة الشبه له فالشبه دليل عند عدم معارضة ما هو أقوى منه من الفراش والبينة نعم لو ادعاه امرأتان أري القافة فألحق بمن كان أشبه بها منهما فعملنا بالشبه في الموضعين
ونص الأمام أحمد على اعتبار القافة في حق المرأتين فسئل عن يهودية ومسلمة ولدتا فادعت اليهودية ولد المسلمة فقيل له يكون في هذه القافة قال ما أحسنه وهذا أصح الوجهين للشافعية
وقالوا في الوجه الآخر لا تعتبر القافة ها هنا لإمكان معرفة الأم يقينا بخلاف الاب والصحيح اعتبار القافة في حق المرأتين لأنه اعتبار لشبه الأم والولد يأخذ الشبه من الأم تارة ومن الأب تارة بدليل ما ذكرنا من حديث عائشة وأم سلمة وعبد الله بن سلام وأنس بن مالك وثوبان رضي الله عنهم وإمكان معرفة الأم يقينا لا يمنع اعتبار القافة عند عدم اليقين كما نتعبرها بالشبه إلى الرجلين عند عدم الفراش
وقد روى سليمان بن حرب عن حماد عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين قال حج بنا الوليد ونحن سبعة ولد سيرين فمر بنا إلى المدينة فلما دخلنا على زيد بن ثابت رضي الله عنه قيل له هؤلاء بنو سيرين قال فقال زيد هذان لأم وهذان لأم وهذان لأم فما أخطأ
وقد قال بقراط في كتاب الأجنة وإذا كان مني الرجل أكثر من مني المرأة أشبه الطفل أباه وإذا كان مني المرأة أكثر من مني الرجل أشبه الطفل أمه وقال المني ينزل من أعضاء البدن كلها ويجري من الصحيحة صحيحا ومن السقيمة سقيما وقال إن الصلع يلدون صلعا والشهل يلدون شهلا والحول حولا وقال أما اللحم فإنه يربو ويزداد مع اللحم ويخلق فيه مفاصل ويكون كل شيء من الجنين شبيها بما يخرج منه وقال قد يتولد مرارا كثيرة من العميان ومن به شامة أو أثر ومن به علامات أخر ممن به علامة مثلها وكثيرا ما يولد أبناء يشبهون أجدادهم أو يشبهون آباءهم وقال الذكور في الأكثر يشبهون آباءهم والإناث يشبهن أمهاتهن
فصل
وقد يكون قبح المولود وحسنه من أسباب أخر منها أن أفكار الوالدين وخاصة الوالدة إذا جالت عند المباضعة وبعدها إلى وقت خلق الجنين في الأشخاص التي تشاهدها وتعاينها وتتذكرها وتشتاقها لأنها تحبها و تودها فإذا دامت الفكرة فيه والأشتياق إليه أشبه الجنين وتصور بصورته فإن الطبيعة نقالة واستعدادها وقبولها أمر يعرفه كل أحد
وحدثني رئيس الأطباء بالقاهرة قال أجلست ابن أخي يكحل الناس فما مكث إلا يسيرا حتى جاء وبه رمد فلما برأ منه عاد فعاوده الرمد فعلمت أنه من فتح عينيه في أعين الرمد والطبيعة نقالة
وقد ذكر الأطباء أن إدمان الحامل على أكل السفرجل والتفاح مما يحسن وجه المولود ويصفي لونه وكرهوا للحامل رؤية الصور الشنيعة والألوان الكمدة والبيوت الوحشة الضيقة وأن ذلك كله يؤثر في الجنين
فصل
وقال بقراط في كتاب الأجنة إذا حصل مني الرجل داخل الرحم عند الجماع ولم يسل إلى خارج ولكنه مكث في فم الرحم وانضم فمه علقت المرأة وإذا انضم فم الرحم اختلط المنيان في جوفه وتم الحبل فإذا توافق إنزال الرجل وإنزال المرأة في وقت واحد واختلط الماءان وثبتا في الرحم واشتمل عليهما وانضم علقت المرأة وتدبير ذلك يكون في ثلاثة أوقات قبل المباضعة ومعها وبعدها بإعداد الرحم لقبول النطفة ومعها بإيصال النطفة إلى مستقرها في الرحم واتفاق الإنزالين وبعدها بثبات النطفة في الرحم وإمساكه عليها وحفظها من الخروج والفساد قلت السبب المذكور غير موجب وإنما الموجب وسلموا الله وحده كما بينا والله أعلم
فصل
وإذا تكون الجنين وصوره الخالق البارىء المصور خلق ورأسه إلى فوق ورجلاه إلى أسفل فعندما يأذن الله بخروجه ينقلب ويصير رأسه إلى أسفل فيتقدم رأسه سائر بدنه هذا باتفاق من الأطباء والمشرحين وهذا من تمام العناية الإلهية بالجنين وأمه لأن رأسه إذا خرج أولا كان خروج سائر بدنه أسهل من غير أن يحتاج شيء منها إلى أن ينثني فإن الجنين لو خرجت رجلاه أولا لم يؤمن أن ينشب في الرحم عند يديه وإن خرجت رجله الواحدة لم يؤمن أن يعلق وينشب في الرحم عند إدراكه وإن خرجت اليدان لم يؤمن أن ينشب عند رأسه إما أنه يلتوي إلى خلف وإمالأن السرة تلتوي إلى عنقه أو كتفه لأن الجنين إذا انحدر فصار إلى موضع فيه السرة ممتدة التوت هناك على عنقه وكتفه فيعرض من ذلك إما أن يجاذب السرة فتألم الأم غاية الألم ثم إن الجنين إما أن يموت وإما أن يصعب خروجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت ولاكمل أحكم الحاكمين أن ينقلب في البطن فيخرج رأسه أولا ثم يتبع الرأس باقي البدن
فصل
في السبب الذي لأجله لا يعيش الولد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتسعة وعشرة إذا أتم الجنين سبعة أشهر عرض له حركة قوية يتحركها بالطبع للانقلاب والخروج فإن كان الجنين قويا من الأطفال الذين لهم بالطبع قوة شديدة في تركيبهم وجبلتهم حتى يقدر بحركته على أن يهتك ما يحيط به من الأغشية المحيطة به المتصلة بالرحم حتى ينفذ ويخرج منها خرج في الشهر السابع وهو قوي صحيح سليم لم تؤلمه الحركة ولم يمرضه الانقلاب وإن كان ضعيقا عن ذلك فهو إما أن يعطب بسب ما يناله من الضرر والألم الجزري للانقلاب فيخرج ميتا وإما أن يبقى في البطن فيمرض ويلبث في مرضه نحوا من أربعين يوما حتى يبرأ وينتعش ويقوى فإذا ولد في حدود الشهر الثامن ولد وهو مريض لم يتخلص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى وإن لبث في الرحم حتى يجوز هذه الأربعين يوما إلى الشهر التاسع وقوي وصح وانتعش وبعد عهده بالمرض كان حريا أن يسلم وأولاهم بأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرحم وهم المولودون في الشهر العاشر وأما من ولد بين العاشر والتاسع فحالهم في ذلك بحسب القرب والبعد
وقال غيره العلة في أنه لا يمكن أن يعيش المولود لثمانية أشهر أنه يتوالى عليه ضربان من الضرر أحدهما انقلابه في الشهر السابع في جوف الرحم للولادة والثاني تغير الحال عليه بين مكانه في الرحم وبين مكانه في الهواء وإن كان قد يعرض ذلك التغيير لجميع الأجنة لكن المولود لسبعة أشهر ينجو من الرحم قبل أن يناله الضرر الذي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض التي تعرض في جوف الرحم فالمولود لسبعة أشهر وعشرة أشهر يلبث في الرحم حتى يبرأ وينجو من تلك الأمراض فليس يتوالى عليه الضرران معا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عليه الضرران معا وكذلك لا يمكن أن يعيش وجميع الأجنة في الشهر الثامن يعرض لهم المرض
ويدلك على ذلك أنك تجد جميع الحوامل والحبالى في الشهر الثامن أسوأ حالا وأثقل منهن في مدة الشهور التي قبل هذا الشهر وبعده وأحوال الأمهات متصلة بأحوال الأجنة
فصل
وبكاء الطفل ساعة ولادته يدل على صحته وقوته وشدته وإذا وضع الطفل يده أو إبهامه أو إصبعه على عضو من أعضائه فهو دليل على ألم ذلك العضو وكل الحيوان بالطبع يشير إلى ما يؤلمه من بدنه إما بيده أو بفمه أو برأسه أو بذنبه فلما كان الطفل عادما للنطق أشار بأصبعه أو يده إلى موضع ألمه كالحيوان البهيم
فصل
في أن الأطفال وهم حمل في الرحم أقوى منهم بعد ولادهم وأصبر وأشد احتمالا لما يعرض لهم وكذلك تكون العناية بهم بعد ولادهم آكد والحذر عليهم أشد فإن أغصان قولان وفروعها ما دامت لاصقة بالشجرة ومتصلة بها لا تكاد الرياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فإذا فصلت عنها وغرست في مواضع أخر نالتها الآفة ووصلت إليها بأدنى ريح تهب حتى تقتلعها
وكذلك الجنين ما دام في الرحم فهو يقوى ويصبر على ما يعرض له ويناله من سوء التدبير والأذى على ما لا يصبر على اليسير منه بعد ولادته وانفصاله عن الرحم وكذلك الثمرة على قولان أقوى منها وأثبت بعد قطعها منها
ولما كان مفارقة كل معتاد ومألوف بالانتقال عنه شديدا على من رامه ولا سيما إذا كان الانتقال دفعة واحدة فالجنين عند مفارقته للرحم ينتقل عما قد ألفه واعتاده في جميع أحواله دفعة واحدة وشدة ذلك الانتقال عليه أكثر من شدة الانتقال بالتدريج
ولذلك قال بقراط قد يعلم بأهون سعي وأيسره أن التدبير الرديء من المطعم والمشرب إذا كان يجري مع رداءته على أمر واحد يشبه بعضه بعضا دائما فهو أوثق وأحرز وأبعد عن الخطر في التماس الصحة للأبدان من أن ينقل الرجل تدبيره دفعة واحدة إلى غذاء أفضل منه فالجنين ينتقل عما ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحدة
وهذه أول شدة يلقاها في الدنيا ثم تتوافر عليها الشدائد حتى يكون آخرها الشدة العظمى التي لا شدة فوقها أو الراحة العظمى التي لا تعب دونها ولذلك لا يبكي عند ورود هذه الشدة عليه مع ما يلقاه من وكز الشيطان وطعنه في خاصرته
فصل
والجنين في الرحم كان يغتذي بما يلائمه وكان يجتذب بالطبع المقدار الذي يلائمه من دم أمه وبعد خروجه يجتذب من اللبن ما يلائمه أيضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مقدار ما يحتاج إليه مع كون اللبن يكون رديئا ومعلولا كما يكون صحيحا وكذلك يعرض له القيء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض له الآلام والأوجاع والآفات التي لم تعرض له في البطن وقد كان عليه من الأغشية والحجب ما يمنع وصول الأذى اليه فلما ولد هيىء له أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها وربما صحى للحر والبرد والهواء وكان يجتذبه من سرته وهو ألطف شيء معتدل صحيح قد يصح قلب الأم وعروقها الضوارب فهو شبيه بما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهواء اللطيف المعتدل ثم يخرج منه وهلة واحدة عريانا إلى الهواء العاصف المؤذي
وبالجملة فقد انتقل عن مألوفه وما اعتاده وهلة واحدة إلى ما هو أشد عليه منه وأصعب وهذا من تمام ولاكمل الخلاق العليم ليمرن عبده على مفارقة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل منها وأنفع وأوفق له وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله لتر كبن طبقا عن طبق الانشقاق 19 أي حالا بعد حال فأول أطباقة كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم مولودا ثم رضيعا ثم فطميا ثم صحيحا أو مريضا غنيا أو فقيرا معافى أو مبتلى إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت ثم يبعث ثم يوقف بين يدي الله تعالى ثم يصير إلى الجنة أو النار فالمعنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر
قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى
وقال عطاء شدة بعد شدة والطبق والطبقة الحال ولهذا يقال كان فلان على طبقات شتى قال عمرو بن العاص لقد كنت على طبقات ثلاث أي أحوال ثلاث
قال ابن الأعرابي الطبق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجنين في البطن من حين كونه نطفة إلى وقت ولاده ثم نذكر أطباقه بعد ولادته إلى آخرها فنقول
الجنين في الرحم بمنزلة الثمرة على قولان في اتصالها بمحلها اتصالا قويا فإذا بلغت الغاية لم يبق إلا انفصالها لثقلها وكمالها وانقطاع العروق الممسكة لها فكذا الجنين تنهك عنه تلك الأغشية وتنفصل العروق التي تمسكه بين المشيمة والرحم وتصير تلك الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العروق على الخروج فينفتح الرحم انفتاحا عظيما جدا ولا بد من انفصال بعض المفاصل العظيمة ثم تلتئم في أسرع زمان وقد اعترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالوا لا نص ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول الناس عن إدراك كيفيته فتبارك الله أحسن الخالقين
فإذا انفصل الجنين بكى ساعة انفصاله لسبب طبيعي وهو مفارقة إلفه ومكانه الذي كان فيه وسبب منفصل عنه وهو طعن الشيطان في خاصرته فإذا انفصل وتم انفصاله مد يده إلى فيه فإذا تم له أربعون يوما تجد له أمر آخر على نحو ما كان يتجدد له وهو في الرحم فيضحك عند الأربعين وذلك أول ما يعقل نفسه فإذا تم له شهران رأى المنامات ثم ينشأ معه التمييز والعقل على التدريج شيئا فشيئا إلى سن التمييز وليس له سن معين بل من الناس ما يميز لخمس كما قال محمود بن الربيع عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو في بئرهم وأنا ابن خمس سنين ولذلك جعلت الخمس سنين حدا لحدة سماع الصبي وبعضهم يميز لأقل منها ويذكر أمورا جرت له وهو دون الخمس سنين وقد ذكرنا عن إياس بن معاوية أنه قال اذكر يوم ولدتني أمي فإني خرجت من ظلمة إلى ضوء ثم صرت إلى ظلمة فسئلت أمه عن ذلك فقالت صدق لما انفصل مني لم يكن عندي ما ألفه به فوضعت عليه قصعة وهذا من أعجب الإشياء وأندرها فإذا صار له سبع سنين دخل في سن التمييز وأمر بالصلاة
كما في المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين وأضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع
وقد خير النبي صلى الله عليه وسلم ابنة فطيما بين أبويها كما روى أبو داود في سننه من حديث عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري قال أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم فأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال نافع ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال ادعواها فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها و لا أحسن من هذا الحكم ولا أقرب إلى النظر والعدل
وعند النسائي في رواية عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن أبيه أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن له صغير ولم يبلغ فأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم ها هنا ثم خيره وقال اللهم اهده فذهب إلى أبيه
وفي المسند من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه
وأما تقيد وقت التخيير بسبع فليس في الأحاديث المرفوعة اعتباره وإنما ذكر فيه أثر وأبي هريرة قال عمارة الجرمي بين أمي وعمي وكنت ابن سبع سنين أو ثمان سنين وهذا لا يدل على أن من دون ذلك لا يخير بل اتفق أن ذلك الغلام المخير كان سنه ذلك
وفي السنن من حديث أبي هريرة جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيدأيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به ولم يسأل عن سنه وظاهر أمره أن غاية ما وصل إليه أنه سقاها من البئر فليس في أحاديث التخيير مرفوعها وموقوفها تقييد بالسبع والذي دلت عليه أنه متى ميز بين أبيه وأمه خير بينهما والله أعلم
وكذلك صحة إسلامه لا تتوقف على السبع بل متى عقل الإسلام ووصفه علمني إسلامه واشترط الخرقي أن يكون ابن عشر سنين وقد نص أحمد على ذلك في الوصية فإنه قال في رواية وعبد الله وعمه أبي طالب وإسحاق بن ابراهيم وأبي داود وابن منصور على اشتراط العشر سنين لصحة وصيته وقال له أبو طالب فإن كان دون العشرة قال لا واحتج في رواية إسحاق بن ابراهيم بأنه يضرب على الصلاة لعشر وأما إسلامه فقال في المغنى أكثر المصححين لإسلامه لم يشترطوا العشر ولم يحدوا له حدا وحكاه ابن المنذر عن أحمد لأن المقصود حصل لا حاجة الى زيادة عليه
وروي عن أحمد إذا كان ابن سبع سنين فإسلامه إسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مروهم بالصلاة لسبع فدل على أن ذلك حد لأمرهم وصحة عباداتهم فيكون حدا لصحة إسلامهم
وقال ابن أبي شيبة إذا أسلم وهو ابن خمس سنين جعل إسلامه إسلاما لأن عليا أسلم وهو ابن خمس سنين وقال أبو أيوب أجيز إسلام ابن ثلاث سنين من أصاب الحق من صغيرأو كبير أجزناه وهذا لايكاد يعقل الإسلام ولا يدري ما يقول ولا يثبت لقوله حكم فإن وجد ذلك منه ودلت أقواله وأفعاله على معرفة الإسلام وعقاله إياه علمني منه كغيره انتهى كلامه فقد صرح الشيخ بصحة إسلام ابن ثلاث سنين إذا عقل الإسلام
وقد قال الميموني قلت لأبي عبد الله الغلام يسلم وهو ابن عشر سنين ولم يبلغ الحنث قال أقبل إسلامه قلت بأي شيء تحتج فيه قال أنا أضربه على الصلاة ابن عشر وأفرق بينهم في المضاجع وقال الفضل بن زيادة سألت أحمد عن الصبي النصراني يسلم كيف تصنع به قال عشرا أجبرته على الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر فهذه رواية وعنه رواية أخرى يصح إسلام ابن سبع سنين
قال أبو الحارث قيل لأبي عبد الله إن غلاما صغيرا أقر بالإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى وهو صغير لم يدرك ثم رجع عن الإسلام يجوز إسلامه وهو صغير قال نعم إذا أتى له سبع سنين ثم أسلم أجبر على الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال علموهم الصلاة لسبع فكان حكم الصلاة قد وجب إذ أمر أن يعلموهم الصلاة لسبع قال أبي اليهودي والنصراني سبع سنين ثم أسلم أجبر على الإسلام لأنه سبعا أمر بالصلاة قلت وإن كان ابن ست قال لا
فصل
فإذا صار ابن عشر ازداد قوة وعقلا واحتمالا للعبادات فيضرب على ترك الصلاة كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ضرب تأديب وتمرين وعند بلوغ العشر يتجدد له حال أخرى يقوى فيها تمييزه ومعرفته ولذلك ذهب كثير من الفقهاء إلى وجوب الإيمان عليه في هذا الحال وأنه يعاقب على تركه وهذا اختيار أبي الخطاب وغيره وهو قول قوي جدا وإن رفع عنه قلم التكليف بالفروع فإنه قد أعطي آلة معرفة الصانع والإقرار بتوحيده وصدق رسله وتمكن من نظر مثله واستدلاله كما هو متمكن من فهم العلوم والصنائع ومصالح دنياه فلا عذر له في الكفر بالله ورسوله مع أن أدلة الإيمان بالله ورسوله أظهر من كل علم وصناعة يتعلمها
وقد قال تعالى وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به الأنعام 19 أي ومن بلغه القرآن فكل من بلغه القرآن وتمكن من فهمه فهو منذر به والأحاديث التي رويت في امتحان الأطفال والمعتوهين والهالك في الفترة إنما تدل على امتحان من لم يعقل الإسلام فهؤلاء يدلون بحجتهم أنهم لم تبلغهم الدعوة ولم يعقلوا الاسلام ومن فهم دقائق الصناعات والعلوم لا يمكنه أن يدلي على الله بهذه الحجة وعدم ترتيب الأحكام عليهم في الدنيا قبل البلوغ لا يدل على عدم ترتيبها عليهم في الآخرة وهذا القول هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وهو في غاية القوة