كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد

الإمام محمد بن عبد الوهاب

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب التوحيد، وقول الله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}" وقوله: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} وقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}وقوله تعالى {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا..} قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا..} الآية.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: "يا معاذ‍! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا." قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا." أخرجاه في الصحيحين.

باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

وقول الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل." أخرجاه.

ولهما من حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله."

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا غله إلا الله. قال يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال يا موسى، لو أن السموات السبع و عامرهن غيري والأرضين السبع في كِفة ولا إله إلا الله في كِفة مالت بهن لا إله إلا الله." رواه ابن حبان والحاكم وصححه.

وللترمذي وحسنه عن أنس رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة."

باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

وقول الله تعالى {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} وقوله {والذين هم بربهم لا يشركون}

عن حصين بن عبد الرحمن قال كنت عند سعيد بن جبير فقال أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة قلت أنا ثم قلت أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت قال فماذا صنعت قلت استرقيت قال فما حملك على ذلك قلت حديث حدثناه الشعبي فقال وما حدثكم الشَّعبي قلت حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال لا رقية إلا من عين أو حُمَة فقال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى صلى الله عليه وسلم وقومه فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى اللهم عليه وسلم فأخبروه فقال هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة.

باب الخوف من الشرك

وقول الله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال الخليل عليه السلام {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}

وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسئل عنه، فقال: "الرياء."

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار." أخرجه البخاري.

ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار."

باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله

وقول الله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَن قَالَ له إِنَّكَ تأتي قَوما من أَهْل الكِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شهادة أن لا إله إلا الله ـ وفي رواية إلى أن يوحدوا الله ـ فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أَنَّ اللَّهَ افتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كل يَوْمِ وَلَيْلَة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أَنَّ اللَّهَ افتَرَضَ عَلَيْهِمْ صدقة تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فإن هم أَطَاعُوك لذلك فإياك وكرائم أَمْوَالِهِمْ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب." أخرجاه.

ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه." فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟" فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه فأُتي به في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، وأعطاه الراية فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم." يدوكون، أي: يخوضون.

باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

وقوله تعالى {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} وقوله تعالى {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين . وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} وقوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيحَ بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} الآية.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال لا إله إلا الله زكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل."

وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب.

باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه

وقول الله تعالى: {قل افرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره}

عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم راى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: "ما هذه؟" قال: من الواهنة. فقال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا؟" رواه أحمد بسند لا بأس به. وله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له." وفي رواية "من تعلق تميمة فقد أشرك."

ولبن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قول الله تعالى:{وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}.

باب ما جاء في الرقى والتمائم

في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت."

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الرقى والتمائم والتولة شرك." رواه أحمد وأبو داود.

وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: "من تعلق شيئا وكل إليه." رواه أحمد والترمذي.

التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلمق من القران فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.

والرقى: هي التي تسمى العزائم. وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة.

والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.

وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه."

وعن سعيد ابن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. رواه وكيع، وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القران وغير القران.

باب من تبرك بشجرة أو حجر أو نحوهما

وقول الله تعالى {أفرأيتم اللات والعزى}

عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسو ل الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اجعل لنا إله كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) لتركبن سنن من كان قبلكم." رواه الترمذي وصححه.

باب ما جاء في الذبح لغير الله

وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) وقوله (فصل لربك وانحر).

عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض." رواه مسلم.

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قربن فقال: ما كنت أقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة" رواه أحمد.

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله