|
الاستاذ الربادي
نموذج للمثقف الايجابي الذي استطاع أن يستخدم آليته الثقافية النضالية
من أجل الوطن والمواطن حتى اصبح صاحب قضية ورجل أفكار ومبادئ بذل طوال
حياته الجهد لتحقيقها قدر استطاعته،ومثل كل الجهود البشرية فقد أصاب
وأخطأ ، وأثر وتأثر وحقق ايجابيات ووقع في سلبيات وفي كل الأحوال أصبح
واحدا من صناع الحياة ورواد التغيير ورجال النضال وقبل ذلك فقد كان
رحمه الله مثقفا كبيرا ووطنيا حكيما .
اعتمد الربادي على ثقافته المتنوعة وفكره الواسع ، فقد كان يقرأ في
دكان الحبوب مع زملائه تفسير - الضلال- للشهيد سيد قطب وكتاب - في
الشعر الجاهلي - للدكتور طه حسين ، وكان لذلك أثر في بناء ثقافته فقد
استفاد من سيد قطب أهمية التغيير الاجتماعي ، وقد تميز الاستاذ الربادي
عن بقية زملائه بالقراءة الموسوعية والثقافة الذاتية وربط ذلك بالعمل
الوطني والتحديث الاجتماعي وقد استغل دكانه كحناط يبيع البر والذرة
للقراءة والنقاش والثقافة حتى اصبح دكان الحبوب والحنطة منتدى فكريا
وصالونا أدبيا ويقول الاستاذ البردوني رحمه الله عن هذه الفترة من
حياة الربادي أنها تتكون من ثلاثة أركان معلما متعلما وحناطا مثقفا
وكاتبا يريد تغيير العالم بكله .
وعلى الرغم
من ثقافته الواسعة وأدبه الغزير فكانت الكتابة لديه نادرة وفي سنواته
الأخيرة مستعصية ، ولهذا فقد عرف الناس الأستاذ الربادي بأنه خطيب
لا كاتبا ومثقف أكثر منه سياسيا ، ومع أنه تقلد العديد من المناصب
التي منها نائب وزير التربية والتعليم ووكيل مصلحة الإذاعة ووكيل للمجالس
المحلية وأخيرا عضو في مجلس النواب حتى وفاته في الخامس من يوليو سنة
1993م ، إلا أنه خرج من كل هذه المناصب شريفا نظيفا فقد استطاع رحمه
الله أن يحافظ على توازنه كالطود الشامخ أمام الإغراءات المادية والتهافت
السياسي ، بعيدا عن الحزبية والمذهبية والطائفية مما زاده إشراقا في
طرح الفكرة ومضيا في العزيمة وتوقدا في الإرادة حتى اصبح الهاجس الوطني
والهم الإجتماعي في قضيته " المصيرية " وكان صاحب نظرة منهجية في تعامله
مع التراث الإسلامي من منطلق عقلاني متأثرا بأفكار المعنزلة ينظر إلى
الإسلام باعتباره دين الحرية والعدالة والمساواة ورسالة لمقاومة الظلم
والظالمين ودعوة إلى العدالة الإجتماعية ، ويرى الأستاذ الربادي ان
الإسلام ليس دين السلبية والمواعظ الباردة ، التي تحارب العقل والحرية
، وخلال الفترة التي كان فيها خطيبا للجامع الكبير بمدينة إب تميز
بنقده للظلم والظالمين والفساد والمفسدين ، والتعصب والمتعصبين والجمود
والجامدين ، ويرفض الوصاية السياسية والإستبداد الديني عند اولئك الذين
يزعمون أنهم يمتلكون الحقيقة ويحتكرون الصواب .. يقول رحمه الله :
تنبري جماعات لتتحدث عن الإيمان وكأنه مفصل على جماعة واحدة أو حزب
واحد يعتقدون أن قتل المسلم فرض واجب لأنه اختلف معه في الرأي مع أن
الدين واسع شامل لا يمكن لفرد أو جماعة أن تمتلك الحقيقة الأبدية وحدها..وكان
دائم الرفض للأفكار الضيقة والآراء المتشددة يفرق بين الدين والتدين
والإسلام والمسلمين والمثال والواقع .
في أول انتخابات لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنين عقب قيام الوحدة
فاز الربادي برئاسة الإتحاد وخلال فترة قصيرة حاول عمل شيء ايجابي
لكنه أخفق بسبب الفساد المالي والإداري الذي كان يسيطر على الإتحاد
، ولأنه حر وشريف وواضح فقد قدم الربادي استقالته من رئاسة الإتحاد
وفي أول انتخابات برلمانية عقب الوحدة رشح نفسه لعضوية البرلمان وحقق
فوزا كبيرا دون أموال أو أنساب أو أسرة أو عشيرة ، فقد كان الناصح
الأمين والرائد الذي لا يكذب قومه ففي آخر كلمة له وقبل وفاته بفترة
بسيطة نقل للأخ رئيس الجمهورية هموم وتطلعات الناس ففي هذه الكلمة
القوية والصادقة - والتي يسميها البعض خطبة الوداع .. اختزل الربادي
المعاني الكبيرة في كلمات قليلة مركزة وواضحة .
استهل حديثه أمام الأخ رئيس الجمهورية في المركز الثقافي بمدينة إب
بذكر الإيجابيات والإنجازات دون كذب أو نفاق أو زيف قائلا : الأخ الرئيس
إننا نعلق عليك الآمال ببناء الدولة اليمنية الحديثة .. ولا نريد أن
نكون مزايدين ولا كذابين وإذا قلنا شيئا فالصدق هو الذي يدفعنا لأن
الإسلام يحثنا عليه .. ويضيف الربادي : مر علينا بناء سد مأرب ومر
علينا الوعد باستخراج البترول فخرج البترول وتحققت منجزات كثيرة آخرها
قيام الوحدة اليمنية وإعلان التعددية والدعوة للديمقراطية ، ثم ينقل
هموم الناس ويعبر عن معاناتهم والرئيس يستمع إليه بإنصات وإنشراح يقول
الربادي مخاطبا الأخ رئيس الجمهورية : أنت تعلم أن المظالم سحقت الناس
وأنهم يئنون من الفقر والمظالم والجوع ومن المؤسف أن هناك من لا يقدر
المسئولية ونقول لهم السلطة تريد من يشرفها تريد من يحترمها .. ونريد
أن نقول لا نريد أن نحمل الحكومة كل شيء ولكن بالإمكان أن نخفف عن
الناس المآسي .. الأخ الرئيس أملنا كبير وأننا سنتجه جميعا لبناء دولة
اليمن نعتز بها وبسيادتها وبكرامتها.. وهكذا نجد الربادي ينطلق من
فهم اسلامي لدور المعارضة الحقة بعيدا عن الهدم والتخريب ودون اساءة
أو تجريح فهو يتحدث عن الإيجابيات قبل السلبيات يختار ألفاظه بوضوح
دون تعميم أو اسراف في المدح والقدح فالسلطة ليست دائما على خطأ ،
والمعارضة ليست دائما على صواب ، فالربادي يشخص المعاناة ويقدم النصيحة
، أمام رئيس الجمهورية دون عقدة النقص أو حاجز الخوف الذي تسيطر على
بعض المثقفين والمفكرين وحتى المناضلين وكان الربادي اثناء إلقاء الكلمة
أمام رئيس الجمهورية في حالة صحية صعبة وأوضاع مادية سيئة ، ومع ذلك
لم يصرح أو يلمح بل عرض طموحات وآمال الناس ونقلها إلى السلطة متجردا
عن رغباته الذاتية ، رحم الله الأستاذ الكبير والمثقف الحكيم والمناضل
المنصف الذي جعل الوطن والمواطن همه الأول والأخير وجعل التجرد مسلكه
والإنصاف طريقه حتى استحق هذه المكانة في عقول وقلوب الناس حيا وميتا
.
نقلا عن ملحق الثورة الثقافي
للكاتب/عبد الفتاح البتول
|