ظل العلماء يذكرون بني شَكْر بهذا الاسم على أنها قبيلة موجودة في ديارها إلى نهاية القرن السّابع الهجري تقريباً، ولم يرد في مصدر أن قبيلة شَكْر نزحت من ديارها، وحل محلها قبيلة أخرى؛ لحصانة بلادهم ومنعتها ووفرة خيراتها، وكذلك جميع قبائل الأزد التي استوطنت السّراة لم تغادر أماكنها التي نزلت بها منذ هجرتها من اليمن . ولهذا قلت إن بني عُمَر في العصر الحاضر إنما هم امتداد لقبيلة شَكْر، لأن ديارهم اليوم هي ديار قبيلة شَكْر قديماً، باستثناء بعض الجهات الشّرقية التي أصبحت اليوم من ديار غامد .ومن الأماكن التي ذكرت لشَكْر ، وهي في ديار بني عُمَر اليوم أو هي قريبة منها :
- الحال، وقد امتد إليها عمران مدينة بلجرشيّ، وأهلها بنو الجرشيّ ، وهو عبد الله بن الأحمر الجرشيّ ، وهو من جُرَش، وهي اليوم بلدة مندثرة في خميس مشيط، ولاه الخليفة العباسيّ هارون الرّشيد بلاد غامد وزهران وشَكْر ، فاتخذ من ديار شَكْر قاعدة له، فبنوه اليوم يدعون بالجرشيّ، وهو اختصار على غير القياس لبني الجرشيّ، كقولهم بالحكم، وبالشّهم، وبلحارث . وكانت بلدتهم تسمّى دار السوق ، ولما نقلت الإمارة إليها عام 1371 هـ غلب اسم القبيلة على البلدة . وكانت سوقاً عامرة يقصدها النّاس من جهات شتى ؛ لذلك استوطنها أٍسر من قبائل مختلفة غير بني الجرشي من غامد، وزهران ، وبجيلة، وبني شهر ، وغيرهم ؛ فسكانها خليط من قبائل عدة، ومن هنا كان من أسمائها أيضاً الدار المخلطة . وفي بلجرشيّ اليوم أسر لا تزال تحتفظ بنسبها إلى شَكْر ، ومنهم آل مجدول، وكانت فيهم مشيخة بلجرشيّ، بل لا يزال إلى أقصى الشرق من بلجرشي بلدة تدعى جناب شَكْر، وأهلها بادية يقال لهم: شَكْر، وقد دخلوا بالحلف في بدنة آل جابر إحدى بطـون بني كبير . وبالقرب من الحال جبل يقال له : شكران ، ولعله نسبة إلى شَكْر ، على غير القياس، كقولهم في المنطقة : عَيْشان وزَرْبان وحَبّان ، نسبة إلى العيش والزرب والحب.
- حزنة : ذكر نصر والحازمي وياقوت أنه جبل في ديار شَكْر .
- شدوان ، وحزنة، والطهيان ، والشَّرى، ومشيع ، وأبيان، وأملح ( الملح ) ، ومرّان، وماوان ( ناوان ) جميعها مواضع ذكرها الشاعر يعلى الأحول الشَكْري في قصيدته التي يحن فيها إلى أرض قومه، وهو محبوس بمكة ، وهذه المواضع لا تزال معروفة بأسمائها إلى اليوم في ديار بني عُمَر، أو في حدودها .
والسؤال الذي يرد هنا ، هو : متى وكيف تحول اسم القبيلة من شَكْر إلى بني عُمَر ؟
أقول: أسماء عدد من القبائل العربية تحولت في العصر الحاضر عما كانت عليه قديما، ولا يعني تحول الاسم القديم لقبيلة ما إلى اسم جديد أنها درجت وانقرضت، فهناك أسباب كثيرة تدعو إلى تحوّل القبائل عن أسمائها الأصليّة إلى أسماء جديدة ، ذكر منها العلماء بالنّسب :
1- تباعد الأنساب وصيرورة الأفخاذ بطوناً، والبطون قبائل ، والقبائل شعوباً .
2- صعوبة الوقوف على التسلسل الصّحيح للأنساب لقدم العهد وعدم وجود المدوّنات.
3- إمكان اشتهار قبيلة من القبائل باسم فرد مشهور منها يغلب اسمه الاسم الأصلي للقبيلة ، وربما انضم إلى النّسبة إليه غير أعقابه من عشيرته كأخوته، وبني عمومته .
4- تشابه أسماء القبائل بالرغم من تباعد أصولها واختلاف أنسابها .
5- اشتهار القبيلة باسم جديد لسبب من الأسباب ؛ لذلك تجد كثيراً من القبائل التي تغيرت أسماؤها اليوم لا يستطيع أبناؤها في الغالب تفسير متي حدث ذلك التغيير ، أو تعليل حدوثه .
وقد ذكر النسابة هشام بن محمد الكلبي أن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر الذي ينتهي نسبه إلى مازن بن الأزد كان له من الأبناء : سعد، وعمرو، وعمران ، وشهرتهم بارق . قيل : سموا بذلك لجبل نزلوه بالسراة اسمه بارق، وقيل : لأنهم تبعوا البرق فسموا بارقاً ، ثم غلبت هذه الشّهرة على سعد بن عدي الذي استوطن تهامة ، ولا يزال في تهامة بني شهر عدد من القبائل تدعى بارق ، وهي تنتسب إليه .
وولد عمران بن عدي عَمْرا، وولد عمرو والان، وهو الملقب بشَكْر، الذي تنتسب إليه القبيلة . ويظهر - والله أعلم - أن بني عمرو بن عدي، وبني الأسد بن عمران بن عمرو ، وكانوا - كما ذكر الهمداني - في تهامة شكر ( بني عُمَر اليوم ) قد اختلطوا بشكر في وقت ما من العصور المتأخرة، ، وكلهم في الأصل إخوة وأبناء عمومة، فسموا جميعاً (( بني عمرو )) تغليباً أو رجوعاً إلى الأصل ، وجمعهم اليوم على ألسنة العامّة (( العمارية )) فهل هو جمع عُمَر أو عمرو أو عمران، أو هو جمع للثلاثة ؟ كل ذلك محتمل . ويسند ما ذهبت إليه إن من أبناء عمرو بن عدي الرَّبَعَة، والأشابيب، وهم أبناء شبيب بن عمرو ( وفي الفصوص 3/284 ): (( شبيب بن عُمَر )) . وما زال في بني عمر في قرية حزنة موضع يعرف بالرَّبَعة، وفيهم الربعان، ولعله نسبة إلى الرَّبَعَة على طريقتهم في النسب بالألف والنون، كما تقدم، وفيهم الأشاعيب، ولعلّه محرّف من الأشابيب . كما أن تحرّف عمرو إلى عُمَر أو العكس سهل لفظاً وكتابة، كما يعرفه علماء الحديث، والمشتغلون بتحقيق المخطوطات. والعمريّ نسبة كثيرة جداً في عدد من القبائل العربية، لذلك كان من الصّعب ضبط هذه النّسبة! والتّمييز بين العُمَريّ والعَمْريّ ، وبخاصة إذا كان الأمر متروكاً للروايات الشفهية التي سرعان ما تتبدل عن قريب ، فكيف إذا مر عليها مئات السّـنين .
ومن أمثلة التّحريف الذي طرأ على أسماء بعض القبائل العربية، ما نجده من اختلاف في نطق بني كبير ، وهم من أشهر بطون غامد، فهو في جميع ما اطلعت عليه من مصادر النسب : كثير ( بالثاء ) بن الدول بن سعد بن غامد . فهل الصّواب بنو كبير بالباء، كما ننطقه اليوم، أم بنو كثير، كما جاء في المصادر ؟ .
وأخيراً فإن البحث في النّسب من الأمور المعقدة التي لا يستطيع أي إنسان مهما بلغ علمه أن يبتّ فيه بقول فصل، ومعظم ما كتب عن الأنساب قديماً أو حديثا إنما هو مجرد اجتهادات عرضة للخطأ والصّواب ؛ لأن الإنسان في هذه الأرض قد مر عليه آلاف السّنين، ومن ذا الذي يستطيع أن يعيد نسبه موصولاً بنسب قبيلته بلا انقطاع إلى عدنان أو قحطان، فضـلا عن سام أو آدم عليه السّلام ! يبقى الأمر - كما قلت - مجرد اجتهادات ومحاولات ، ولكل مجتهد نصيب .