|
هناك مقولة شائعة بأن الثورة الفرنسية عام 1789م وضعت حداً للسلطة الزمنية للكنيسة وأن الفاتيكان قد اقتصرت سلطته منذ ذلك الحين على السلطة الروحية. دراسة جديدة تؤكد أن هذا الافتراض غير صحيح، والدليل الواضح موقف الفاتيكان من القضية الفلسطينية. وتثبت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "الفاتيكان والصراع العربي ـ الصهيوني" وأعدها نافذ أبو حسنة ـ الباحث في مركز فلسطين للدراسات والبحوث بغزة ـ أن مجمل نواحي الحياة الأوروبية تأثرت بالسلطة المطلقة وغير المحدودة للكنيسة، إذ إن التطورات الأوروبية اللاحقة تبدو وثيقة الارتباط بمدى قوة الكنيسة وضعفها في إطار عملية صراعية مع القوى المناهضة لسيطرتها، وأشارت الدراسة إلى أن الاستخدام السياسي لهذه القوة كان ولا يزال حقيقة قائمة، تشهد تطوراً مستمراً وتعتمد أشكالاً معقدة في الأداء، معتبراً أن قضايا الصراع العربي ـ الصهيوني، تشكل ميداناً رحباً لتتبع هذا الدور، وعلى الدرجة نفسها من أهمية الموقف من لاهوت التحرير، وطبيعة التحرك باتجاه إفريقيا. وخلصت الدراسة إلى أن الممارسة السياسية جزء أساسي من عمل الفاتيكان، وتملك هذه الدولة الدينية الصغيرة، بالغة التأثير، مدرسة لإعداد الدبلوماسيين من الكهنة الذين يتعلمون كيفية فهم الدبلوماسية الكنسية، فطريقة التفكير والتصرف في هذه الدبلوماسية، تختلف عما هي عليه، في الدبلوماسية المدنية، لأن الدبلوماسيين هم كهنة قبل كل شيء. ويقول الباحث: "ذات يوم تساءل الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين ساخراً: كم فرقة يملك هذا البابا "في إشارة إلى بابا روما"؟. وعندما انهارت دول أوروبا الشرقية الشيوعية، قيل إن بابا روما لعب الدور الأساسي في هذا الانهيار الذي بدأ في بلده الأصلي بولندا". واستعرضت الدراسة النشاط الذي دبَّ في جسد الكنيسة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وإدراكها أنها يمكن أن تكون طرفاً في رسم السياسات أو شريكاً في تنفيذها فقط، بقدر ما تريد السلطات السياسية، وليس العكس، ورأت انطلاقاً من هنا ضرورة تنظيم دورها بما يلائم المرحلة الجديدة، التي بدأت تظهر فيها عوامل استقطاب مختلفة عن السابق. وفي 11 فبراير 1929م، تم التوقيع في روما على معاهدة تاريخية بين موسوليني "الزعيم الإيطالي" وأمين سر الدولة من قِبَلِ البابا بيوس الحادي عشر، ويقضي هذا الاتفاق بتنظيم العلاقة بين روما والفاتيكان، وإنشاء دولة الفاتيكان، ذات المساحة البالغة 44 هكتاراً، والتي تخضع فقط للسلطة البابوية، ليتيح هذا الاتفاق فرصة انطلاقة جديدة أمام الفاتيكان سعى عقبها إلى عقد اتفاقات ومعاهدات مع الدول الأوروبية للحفاظ على أوضاع الكاثوليك، وتأمين إشرافه الرعوي عليها، ونجح البابا بيوس الحادي عشر، في توقيع اتفاقات مع تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا، ورومانيا، والبرتغال، ودول البلطيق، كما سعى إلى ترميم أوضاع الكنيسة الكاثوليكية، واستعادة دورها في حدود ما تسمح به المعطيات القائمة في الساحة الدولية آنذاك، لكن ما سهَّل مهمة البابا في حينه، حصول نوع من التلاقي بين عدد من الدول الغربية والبابا، في النظرة إلى الخطر الذي تشكله الأيديولوجيا الصاعدة في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي، فوجه البابا رسالة إلى جميع الكنائس الكاثوليكية والكنائس الأخرى في أوروبا عام 1931م، حدد فيها موقفه الشاجب والمناهض للشيوعية، إلا أن رسالته لم تخل من انتقادات ملطفة للنظام الرأسمالي. واعتبرت الدراسة موقف الفاتيكان من قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الأكثر تمثيلاً لتشابكات السياسة الفاتيكانية، في العلاقة باليهود، وبالعرب، وبالإسلام، وبسياسات الدول الكبرى، وبالأراضي المقدسة "القدس أساساً"، مشيرة إلى أنه لا يمكن التوفر على معالجة موقفه من الصراع العربي ـ الإسرائيلي دون الإطلال على هذه التشابكات جميعاً، موضحة أنه منذ بداية هذا الصراع، وسياسة الفاتيكان تسير في اتجاهين: الأول يهدف إلى توطيد العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم العربي، حتى يتسنى للفاتيكان حماية مصالح النصارى في الشرق أولاً، ثم بناء جبهة واحدة مع المسلمين ضد تيارات الكفر والإلحاد "والمقصود بها الشيوعيـة"، والثاني اتجاه يوازي الأول، ويهدف إلى إيجاد صيغة للتفاهم بين النصارى واليهود. ومنذ قيام إسرائيل برز موقف تطوري تجاهها، تميز بالمزج بين الأحكام الدينية المسبقة، والبراجماتية السياسية، وعقب حرب 1967م، آثر الفاتيكان إجراء محادثات غير رسمية مع الحكومة الإسرائيلية، بهدف تحديد وضع المصالح الكاثوليكية في فلسطين. وانتهى الأمر إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل والتنازل عن مواقف الفاتيكان التقليدية بشأن القدس.
نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية (1387) .
|