|
يمثل الفاتيكان المرجعية الدينية لمئات الملايين من النصارى الكاثوليك، ويعدّ أهم المؤسسات النصرانية على الإطلاق، ولا تضاهيه في هذه المكانة أي مؤسسة كنسية أخرى، وهو ما جعله هدفاً للاختراق اليهودي الذي حقق في العقود الأخيرة نجاحات كبيرة في هذا المجال.. ما حقيقة هذه الاختراقات للفاتيكان ؟ وما التسلسل التاريخي لها ؟ هذا ما يحاول الاستعراض التالي لتطور العلاقات بين اليهود والفاتيكان الإجابة عنه. بعد أن نجحت اليهودية في تحقيق إنجازات مهمة في تهويد الكنيسة البروتستانتية التي يرى أحد المتخصصين بشؤون العلاقات النصرانية ـ اليهودية أنها قادت تيار التهويد النصارى بغالبية فرقها وطوائفها التي تصل إلى نحو 4000، بدأ تركيز اليهود على الطائفة الكاثوليكية وعلى الفاتيكان بصورة أساسية، وكان نحو ربع مليون يهودي من يهود أوروبا الشرقية قد التحقوا بالنصرانية، كما تؤكد بعض مصادر التاريخ للعلاقات اليهودية ـ النصرانية المعاصرة.
أحد المحطات المهمة في العلاقة بين اليهود والفاتيكان كانت عام 1904م، حينما قابل الأب الروحي للصهيونية تيودور هرتزل البابا بيوس العاشر، وشرح له أهداف الحركة الصهيونية وطلب دعمه المعنوي، ولكن رد البابا لم يكن كما توقع هرتزل، حيث قال له: "اليهود لم يعترفوا بسيدنا المسيح، ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي". وفي عام 1922م وجه الفاتيكان مذكرة رسمية لعصبة الأمم المتحدة انتقد فيها فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي عام 1943م أرسل الفاتيكان مذكرة إلى الحكومة الأمريكية عبّر فيها عن معارضته لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وبعد ذلك بعام أرسل الفاتيكان مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة للتحذير من خضوع الغرب للمطالب الصهيونية. وخلال الفترة من 1947م وحتى 1949م طالب الفاتيكان في عدة مناسبات مطالب تصنف على أنها متعاطفة مع الموقف العربي، وظل الفاتيكان يرفض طوال عهد البابا بيوس الثاني الضغوط الدولية التي مارستها الدول الغربية لتغيير موقفه من الصهيونية والاعتراف بالكيان الصهيوني. ومع وفاة بيوس الثاني عشر عام 1958م الذي وجه اليهود له اتهامات تحمّله المسؤولية عما يسمى بالمذابح النازية ضد اليهود والتي وقعت في عهده، بدأ التحول والانقلاب الخطير في موقف الفاتيكان والكاثوليكية تجاه اليهود وإسرائيل. حيث خلفه البابا يوحنا الثالث والعشرون، ولكن تجدر الإشارة إلى أن البابا بيوس الثاني عشر، ورغم الاتهامات اليهودية الموجهة إليه، فإنه كان قد وجه رسالة عام 1944م للنصارى ، حثهم فيها على القراءة اليومية للكتاب المقدس، كما حثّ على مساعدة الجمعيات التي ترغب في نشر طبعات التوراة ! وفي ظل الانحراف والانقلاب الذي طرأ على موقف الكنيسة تجاه اليهود بعد عام 1958م، بدأت تظهر إلى حيز الوجود الدعوات للحوار بين النصرانية واليهودية، وصدرت كتب بهذا الخصوص، كما عقدت لذلك العديد من الندوات، وعاد التركيز على ضرورة التلاحم بين العهدين القديم والجديد. وثــيــقـــــــة التـبــــرئـــــــة
على أن الحدث الأخطر كان بعد دعوة البابا يوحنا الثالث والعشرين لعقد المجمع المسكوني الثاني خلال الفترة من 1962 ـ 1965م تحت عنوان "العلاقات بين الكنيسة وغير النصارى "، حيث تمكن أحد الكرادلة ـ وهو ألماني ـ من وضع فصل خاص باليهود على جدول الأعمال يتعلق بالمطالبة بإعفاء اليهود وتبرئتهم من مسؤولية صلب المسيح التي يعتقدها النصارى. وبعد الكثير من الضغوط والمناورات نجح اليهود في 28 نوفمبر 1965م في استصدار وثيقة التبرئة من الفاتيكان في ختام دورات المجمع، وأعلن قرار التبرئة البابا بولس السادس. وبعد صدور هذه الوثيقة التي تُعد الأخطر في انقلاب الموقف النصراني تجاه اليهود، تسارعت الانهيارات في موقف الكنيسة الكاثوليكية بشكل كبير. ففي عام 1969م أذاع رئيس أساقفة بالتيمور في نيويورك الكاردينال لورنس شيهان وثيقة أقرها الفاتيكان عن العلاقات اليهودية ـ الكاثوليكية نصت على أن الكاثوليك عليهم أن يعترفوا بالمعنى الديني لدولة "إسرائيل" بالنسبة لليهود، وأن يفهموا ويحترموا صلة اليهود بتلك الأرض. وبعد هذا الإعلان بيوم واحد دعا أساقفة الأبرشيات الثلاث في نيويورك في 12- 12- 1969م إلى تأسيس علاقات أوثق بين الكاثوليك واليهود. وفي عام 1973م أصدرت اللجنة الأسقفية الفرنسية للعلاقات مع اليهود ما أطلق عليه "وعد بلفور الكاثوليكي" والذي نص على أن "ضمير المجموعة العالمية لا يستطيع أن يرفض للشعب اليهودي الحق والوسائل من أجل وجود سياسي بين الأمم". وفي عام 1982م وفي عهد البابا الحالي يوحنا بولس الثاني أعلن الفاتيكان اعترافه بدولة إسرائيل كحق وليس كأمر واقع. وفي عام 1985م أصدر الفاتيكان كتاباً حمل عنوان "ملاحظات لتقديم أفضل لليهود واليهودية"، وأذيعت هذه الوثيقة عن طريق لجنة الفاتيكان للعلاقات مع اليهودية، وقد حثت النصارى على استئصال ما ادعته الوثيقة برواسب العداء للسامية القائم في نفوس النصارى النصرانية الكاثوليك، وتذكرهم بأن المسيح عبراني وسيكون كذلك دائماً، وتدعو كاثوليك العالم لفهم تمسك اليهود الديني بأرض أسلافهم. وفي عام 1986م زار البابا الحالي الكنيس اليهودي في روما كبادرة على صدق النوايا نحو اليهود. وفي 16- 10- 1991م صرّح البابا في البرازيل بأنـه يصلي كي يتمكن من وصفهم بـ"إخوتنا اليهود" من العيش بسلام في أرض آبائهم. وفي 30- 7- 1992م أعلن الفاتيكان تأليف لجنة عمل ثنائية دائمة تلتقي دورياً من أجل جعل العلاقات طبيعية بين إسرائيل والفاتيكان، ووصف وزير خارجية الفاتيكان في حينه هذه الخطوة بأنها تشكل نقلة نوعية في تاريخ العلاقات بين الجانبين. وفي نوفمبر 1992م منح البابا ميدالية بيوس الحادي عشر الذهبية، وهي أعلى وسام في مجال العلوم لعالم رياضيات إسرائىلي من معهد وايزمن للعلوم. وبعد توقيع اتفاقية أوسلو في شهر سبتمبر عام 1993م استغل الفاتيكان ذلك ووقع في 30- 12- 1993م وثيقة الاعتراف والتبادل الدبلوماسي مع إسرائيل. وفي شهر أبريل 1997م صرح البابا في حديثه أمام مجمع العقيدة للتوراة بأن النصراني يجب أن يعلم أنه بانتمائه إلى المسيح أصبح من أحفاد إبراهيم، واندمج في شعب إسرائيل، ويضيف أنه إذا أدرك النصارى أن المسيح كان ابناً حقيقياً لإسرائيل، فإنهم لن يقبلوا بعد ذلك أن يضطهد اليهود أو تُساء معاملتهم!! وآخر تطور في تسلسل العلاقة المتصاعدة بل والانقلاب في موقف الفاتيكان تجاه اليهود تمثل في وثيقة الاعتراف بالذنب، وطلب الصفح والمغفرة التي أصدرها الفاتيكان في شهر مارس الماضي واعتذر فيها لليهود عن موقفه أثناء المذابح النازية. ومن العرض السابق لمسلسل الانهيارات في موقف الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية تجاه اليهود وإسرائيل، يتضح حجم النجاح الكبير الذي حققه اليهود في تهويد الكنيسة الكاثوليكية التي يرى الكثير أنها تخلت عن معتقداتها ومفاهيمها الأساسية الدينية تجاه اليهود بفعل الخطط اليهودية والضغوط الغربية. أحد المختصين والمتابعين لموقف الكنيسة الكاثوليكية علَّقَ على الخطط اليهودية بقوله: "بعد أن ضمنت الصهيونية قطاع البروتستانت من العالم النصراني، عمدت إلى القطاع الكاثوليكي فوضعت الخطط لاختراقه، ومن ثم دفع مرجعيته الروحية "الفاتيكان" إلى الاعتراف بإسرائيل، نظراً لما يمثله هذا الاعتراف من قوة معنوية كبيرة لإسرائيل والصهيونية". الاعتذار وإدانة الذات وصلت حد التذلل والامتهان والاستخذاء
قـــراءة فـي وثيقـة اعتذار وتوبة الفاتيكان مـن المحرقة النازية وثيقة الاعتذار والندم التي أصدرها الفاتيكان في شهر مارس الماضي والتي امتلأت وعجَّت بعبارات التذلل والتزلف والتباكي على معاناة اليهود أثناء الحقبة النازية، مازالت تثير الكثير من الجدل وردود الفعل، البعض هاجمها واعتبرها خطوة جديدة نحو المزيد من تهويد الكنيسة وتقديم الدعم لإسرائيل، في حين حاول البعض من أتباع الكنيسة الكاثوليكية تبريرها ولكن دون جدوى. ومع أنه ربما يتبادر للذهن ـ فور السماع بالعنوان العريض للوثيقة "وثيقة الندم والاعتذار" ـ إحساس أنها تتضمن استخذاء ورضوخاً من الكنيسة لليهود، إلا أن هذا الإحساس يتزايد بصورة كبيرة عند قراءة الوثيقة التي قال أحد مهاجميها إنها طلب للصفح والمغفرة وإدانة للذات بصورة فيها الكثير من الإسفاف والامتهان. وكانت فكرة إصدار الوثيقة قد أخذت طريقها للتنفيذ خلال مؤتمر عقد في روما خلال الفترة من 30-10 إلى 2-11-1997م، حيث قدم البابا يوحنا بولس الثاني وثيقة بهذا الخصوص لتتم مناقشتها وإقرارها من قِبَلِ 60 خبيراً دينياً في اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي، وعلق أحد أعضاء لجنة العلاقات الدينية مع اليهود في حينه أن المؤتمر سيراجع ويعدل عدة نصوص دينية في العهد الجديد "الإنجيل" لتحاملها على اليهود، كما يتم تعديل إنجيلي متى وبولس وقصة التلاميذ برمتها!!، وهذا ما رأى فيه الكثير تحريفاً وتغييراً من الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان للنصوص الدينية النصرانية لترضي اليهود وتنسجم مع الأوضاع السياسية الراهنة !! وقد علق البابا يوحنا بولس الثاني في 12 مارس الماضي على الوثيقة التي أطلق عليها تسمية "نحن نتذكر" قائلاً: أملي كبير في أن وثيقة "نحن نتذكر" تشكل إعادة تفكير حول المحرقة، وتساعد حقاً على شفاء الجروح، وأضاف: إن الكنيسة تشجع أبناءها وبناتها على تطهير قلوبهم نادمين على أخطاء وكفر الماضي، الكنيسة تنادينا للوقوف بتواضع أمام الله ومراجعة مسؤولياتنا عن الشر الذي وقع في أيامنا... في عدة مناسبات خلال بابويتي تذكرت وبشعور عميق بالأسف معاناة الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية، الجريمة التي أصبحت معروفة باسم SHOAH "المحرقـة" تبقى بقعة لن تمحى من ذاكرة هذا القرن الذي شارف على الانتهاء !! وهذا التذلل والنفاق والاعتذار في تعليق البابا على الوثيقة، هو الروح التي تغلف الوثيقة في كل أجزائها، ولا تتورع عن وصف اليهود بأنهم الشقيق الأكبر، حيث تقول: "إن اليهود أعزاؤنا وأشقاؤنا المحببون، وهم بحق الشقيق الأكبر". وفي موضع آخر تقول الوثيقة: "الكنيسة الكاثوليكية ترغب بالتعبير عن عميق أسفها لتقصير أبنائها وبناتها في كل حقبة، وهذا يعني الندم، كأعضاء في الكنيسة تتقاسم فعلياً، سواء خطايا أو حسنات جميع أبنائها، الكنيسة تقف وباحترام عميق ورثاء كبير أمام تجربة الإبادة ـ المحرقة ـ التي عانى منها الشعب اليهودي خــلال الحـــرب العالمـيـــة". وتطالب الوثيقة أتباع الكنيسة الكاثوليكية بإبداء الأسف والندم على ما حصل لليهود "لنأسف بعمق على الأخطاء والذنوب التي ارتكبها أبناء وبنات الكنيسة، لنعمل ما يقوله لنا المجمع المسكوني الثاني، الذي أكد ـ ودون أدنى شك ـ أن الكنيسة تتذكر إرثها المشترك مع اليهود ومدفوعة بأسباب ليست سياسية ولكن دينية من وحي الإنجيل، نأسف للكراهية ومطاردة كل صور اللاسامية الموجهة ضد اليهود في كل زمان ومكان". وفي إدانة، بل وإساءة للذات تتهم الوثيقة النصارى بارتكاب خطايا وليس خطيئة، "نأمل أن يتحول اعترافنا بالخطايا التي وقعت في الماضي إلى موقف ثابت وعلاقة جديدة خالية من المشاعر المضادة لليهود". وفي تساؤل يتضمن الاتهام والإدانة تقول الوثيقة: "عندما طردت النازية من أراضيها جموع اليهود ووحشية الحركات العنيفة التي أصابت أناساً عُـزَّلا من السلاح، كل هذا كان يجب أن يحرّك الشك بما هو أسوأ، هل قدم النصارى كل مساعدة ممكنة للمطاردين وبخاصة اليهود ؟ لا نستطيع أن نعرف كم عدد النصارى في الدول التي احتلتها أو حكمتها القوى النازية أو حلفاؤها، احتجوا بغضب على فقدان جيرانهم اليهود ولم يكونوا شجعاناً بما فيه الكفاية لسماع أصواتهم المعارضة، وللنصارى أقول: إن هذا الحمل الثقيل الجاثم على ضمائرهم بخصوص إخوانهم وأخواتهم خلال الحرب العالمية الأخيرة يجب أن يكون مدعاة للندم". وفي مكان آخر من الوثيقة تتهم النصارى بأنهم كانوا "وللأسف مذنبين" وفي محاولة لتوضيح الأسباب تتساءل الوثيقة: هل الأفكار المسبقة الموجودة في عقول وقلوب بعض النصارى اليهود ساعدت وسهلت على النازيين مطاردة اليهود؟" وتجيب الوثيقة عن السؤال: "مشاعر اللاسامية أدت ربما إلى تخفيض حساسية النصارى أو حتى اللامبالاة عندما أطلقت القومية الاجتماعية بعد وصولها إلى السلطة إجراءات مطاردة اليهود. حكومات بعض الدول الغربية ذات التقاليد النصرانية بما في ذلك بعض دول شمال وجنوب أمريكا، كانوا أكثر من مرتبكين لفتح حدود بلادهم لليهود المطاردين، حتى وإن لم يتمكنوا من التنبؤ إلى أين سيصل عمداء النازية في نواياهم الإجرامية، وزعماء هذه الدول كانوا مطَّلعين على الصعوبات والأخطار التي ستواجه اليهود الذين يعيشون على أراضي الرايخ الثالث، وفي تلك الظروف إغلاق الحدود لهجرة اليهود، سواء بسبب معاداة اليهود أو الشك في اليهود أو بسبب الجبن والنذالة أو قصر النظر السياسي أو الأنانية الوطنية، كل هذا يشكل حملاً ثقيلاً على ضمير السلطات صاحبة العلاقة". لا يقتصر اعتذار الفاتيكان والكاثوليكية وإقرارهم بالذنب تجاه ما "اقترفوه" بحق اليهود على موقفهم تجاه المذابح النازية، بل يتعداها للاعتذار عن التاريخ السحيق، ولا يتورع الفاتيكان عن الاعتذار عن أحداث حصلت قبل مئات الأعوام، ويبرر ذلك أن فهم وتفسير موقف الكاثوليك من مذابح النازية لا يتأتى إلا من خلال فهم موقف النصرانية من اليهود عبر القرون. وتقول الوثيقة في استعراضها لتاريخ العلاقة بحثاً عن خلفيات ما حدث: "تاريخ العلاقة بين اليهود والنصارى تاريخ عذاب، وقد اعترف بذلك قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في خطبه المتكررة إلى الكاثوليك للتعبير عن موقفنا وعلاقاتنا مع الشعب اليهودي، ومحصلة هذه العلاقة خلال الألفي عام وعبر القرون كانت عملياً إلى حد كبير سلبية... في العالم النصراني تفسيرات خاطئة وظالمة للعهد الجديد تتعلق بالشعب اليهودي واحتمالية إدانته، هذه التفسيرات بقيت بيننا ولزمن طويل، وولَّدت مشاعر من الخصومة نحو الشعب اليهودي، تفاسير العهد الجديد هذه رفضها كلياً ونهائياً المجمع المسكوني الثاني.
جـذور.. التهـويد تمـتد إلى الحـروب الصليبيـة
عملية تهويد النصرانية ليست وليدة اليوم، وإنما يجرى تنفيذها من عدة قرون، وقد سلط الكاتب السوري ممدوح عدوان الضوء على هذه العملية في عدة مقالات صحفية نقتطف منها : وإن الاحتفال الهستيري الذي أقيم يوم دخول اللنبي إلى القدس في الحرب العالمية الأولى ليدل على عمق الاهتمام الذي لم يمت لدى الغرب في السيطرة على هذه الأماكن المقدسة، وكان اللنبي قد أبلغ قبل ذلك أن جلالة الملكة والغرب النصراني كله ينتظر منه مدينة القدس هدية لعيد الميلاد، وحتى حين دخل الجنرال غورو إلى دمشق بعيد تلك الحرب، لم ينس أن يتوجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي ليقول له جملته الشهيرة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". إن وراء التعاطف الغربي مع الصهيونية والتنسيق الكامل معها مصالح اقتصادية بالتأكيد يمكن فهمها وشرحها مطولاً، ولكن لا شك في أن هناك شيئاً آخر يجعل من السهل على العنصرية الصهيونية إقناع الغرب ليس بوجهات نظرها فقط، بل وبأنها البديل عنه في هذا الأمر، وهذا الإقناع لا يطول صانعي القرار السياسي الاقتصادي فقط، بل يتعمق ليصبح حالة شعبية، ولكن هناك علاقة عميقة ممتدة إلى الماضي بين التفكير النصراني الغربي، البيوريتاني بالتحديد "الذي يحتقر التفكير النصراني الشرقي" وبين الفكر الصهيوني. يقدم منير العكش في مقال افتتاحي طويل، في العدد المزدوج (7، 8) من مجلته التي يصدرها في الولايات المتحدة الأمريكية "جسور" معلومات موثقة ومثيرة عن هذه العلاقة بين التفكيرين اليهودي والصهيوني والنصراني والبيوريتاني، وأحب أن نبدأ باستعراض هذه المعلومات: "إن المستعمرين البيروريتانز، كما تقول عالمتا الأديان مونيكا سجو وبربارة مر في كتابهما "الأم الكونية العظمى"، قد صاغوا من أساطير مملكة إسرائيل فلسفة الأخلاق اللازمة للاستعمار والقتل والنهب والاستعمار... وعلى المستوى الأخلاقي لم يستسهل المستعمر البيروريتاني قتل الهندي الأحمر إلا لأنه كان يعتقد بأنه كان يقتل كنعانياً فلسطينياً. "كل تصورات الإسرائيليين القدامى ومفاهيمهم عن الحياة والتاريخ والمقدس زرعها المستعمرون "البيوريتانز" في أمريكا التي أطلقوا عليها اسم "أرض الميعاد" و"صهيون" و"إسرائيل الجديدة" و"أرض كنعان"، وغير ذلك من التسميات التي أطلقت على فلسطين في أسفار العهد القديم ـ التوراة، ولقد عبَّر جون كوتون ـ وهو الأب الروحي للبيوريتانية الأمريكية ـ عن هذه الحتمية القدرية في موعظة له قال فيها قبل أن يتوجه إلى العالم الجديد لتأسيس مستعمرة خليج ماساشوستس: "إن الله حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد "أمريكا" ومادمنا الآن في أرض جديدة، فلابد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل مجد "بني إسرائيل" هذا الشعب المختار المتميز. يقول اندرس ستيفنسون مفسراً معنى تأسيس الولايات المتحدة ذاتها: "من خلال تأسيس إسرائيل الجديدة (الولايات المتحدة) سيتمتع هذا الشعب المختار بحق مطلق وشامل ومقدس في هذه الأرض، وسيبدأ بإعادة صياغة العالم وتهيئته لحرب نهاية التاريخ، بذلك يتحقق العهد بين يهوه وشعبه.. إن كل مصير العالم مغلق على هذا العهد! وقد جاء البيوريتانز للتأكيد على هذا البعد في قضية اختيار الله لهم وعهده معهم. إن البيوريتانز يتحملون مسؤولية كبرى في خروجهم إلى إسرائيل الجديدة، فبهذا الخروج صارت رسالتهم على الأرض صورة حرفية لرسالة بين إسرائيل وصار العهد مع يهوه يشملهم أيضاً"، وهذا ينسجم مع ما كان بلاط جيمس الأول قد صاغه عام 1621م من حيث "عودة بني إسرائيل إلى أرض أجدادهم وتأسيس إمبراطوريتهم الموعودة" ". وحتى الدعوة إلى نظام عالمي جديد هي بالنسبة لبات روبرتسون، المستشار الروحي للرئيس السابق بوش أيام عاصفة الصحراء، في كتابه الذي يحمل عنوان "النظام العالمي الجديد"، ليست بعيدة عن التوراة، إذ يقول روبرتسون: "إن الكتاب المقدس هو الذي يعد بتلك الحكومة العالمية التي ستقضي على كل أعداء إسرائيل". وحتى ما يمكن أن يصل إلى أسماع الغرب عن أنباء المجازر فإنه لا يمكن أن يحدث الأثر الذي نتوقعه، إن مجازر أو مذابح كهذه جزء من التراث المطلوب والذي نفذ قسم كبير منه في تأسيس "إسرائيل" الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية، عند ذبح الهنود الحمر، إنها المواجهة ذاتها بين الشعب المختار و"الجنتيل" (غير اليهود)، وهي مواجهة أخذت تسميات مختلفة "شعب مختار في مواجهة كنعانيين" و"حضارة في مواجهة وحشية"، و"عِرْق أبيض في مواجهة عِرْق ملون". ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالعلاقة بين النصرانية واليهودية ليست متكافئة أو ليست على المساواة، فحتى بعد القبول البيوريتاني باليهودية، فإن الصهيونية تظل في مواقعها الهجومية على النصرانية، وهي تنتقل إلى الهجوم بطرق مختلفة سنحاول أن نستعرض بعضاً منها. منذ فترة ليست بالبعيدة صدر قرار عن الكنيست الإسرائيلي لمنع قراءة أو حيازة جميع النصوص النصرانية بما في ذلك الإنجيل، "وكل من توجد في حيازته نصوص نصرانية مهدد بالسجن عاماً كاملاً، ومن يطبع أو يوزع أو يستورد مطبوعات تشجع على اعتناق النصرانية يعاقب بالحبس". ويتفاخر شوميل غولدينغ مدير ومؤسس "معهد الجدل التوراتي" في القدس يتفاخر بالذي حققه في الكنيست بعد ستة عشر عاماً من "الكفاح ضد النصرانية"، ويقول إنه "لايثق بأحد ولا يقبل تفسير إمكانية التعايش مع النصارى أو من يسميهم الصهاينة المدسوسين، والموسويين". لقد كانت هناك هجمات يهودية معاصرة ومركزة على النصرانية لأجل أهداف محددة: تبرئة اليهود من دم السيد المسيح، ثم تصريح البابا بأن السيد المسيح يهودي، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالهجوم على النصرانية قديم، وهو هجوم منظم يتخذ من الثقافة ميدانه الأول، ويتمحور حول النقطة الأساسية التالية: هل كانت النصرانية ديناً جديداً فعلاً ؟ أم أنها طائفة متفرعة "خارجة" عن اليهودية ؟ ولماذا حدث ذلك الانشقاق بينهما؟ وللإجابة عن أسئلة كهذه صدر سيل من الكتب تعيد النظر في تفسيرات الكتاب المقدس لكي يتلاءم مع معطيات العصر الجديد "بما في ذلك جعل الشذوذ الجنسي مشروعاً حتى بين رجال الدين" ومجموعة من الكتب حول حياة الحواريين، ولعل أبرز هذه الكتب وأكثرها إثارة الكتاب الذي صدر حول يهوذا: هل هو خائن أم فدائي أم قديس؟ والكتاب حول "جيمس" شقيق المسيح والمتسبب في شق النصرانية عن اليهودية. حاخام يهودي: البابا يوحنا يأمل في زيارة القدس نهاية الألفية الثانية
لندن ـ قدس برس: صرَّح رجل دين يهودي بأن البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان ينوي زيارة مدينة القدس المحتلة نهاية الألفية الحالية، وهو ينظر إليها كانعطافة مهمة في العلاقات المتسامحة بين الأديان الثلاثة، وأضاف الحاخام مارك وينر ـ الذي استلم منصبه الجديد كرئيس لكنيس غرب لندن خلفاً للحاخام الإصلاحي هيوجو غرين ـ: إن البابا ينظر كذلك إلى رحلته للقدس على أنها مهمة لتحقيق حلمه وتتويج لرحلاته الدينية في العالم. ويعد الحاخام وينر أحد المهتمين بتطوير العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل، حيث قاد في شهر مايو الماضي وفداً مكوناً من حاخامات وقساوسة من إسرائيل وروما من أجل لقاء البابا، وتصادف وصول الوفد مع نشر اعتذار من الفاتيكان عن فشل كنيسة الروم الكاثوليك في منع حدوث الهولوكوست "المحرقة النازية" بحق اليهود أو على حد تعبير المجلة الرسمية الصادرة عن الفاتيكان عدم قيام الكنيسة بعمل اللازم لمنع الحرب التي شنها هتلر ضد اليهود. وقال الحاخام وينر الذي يرأس المجلس الوطني للكنيس اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية إنه أصيب بالدهشة حين سمع من كاتب الاعتذار الكاردينال الأسترالي إدوارد كاسيدي ومن البابا يوحنا بولس نفسه قولهما: إن الاعتذار لم يكن "قوياً بما فيه الكفاية". ويعتبر البابا يوحنا بولس الثاني أول مسؤول نصراني يؤدي الصلاة في كنيس يهودي. وقال يوري مور ـ رئيس دائرة الشؤون الدينية الإسرائيلية ـ : "لدي بعض التوقعات أنه سيحضر لزيارة القدس"، وتابع "الرحلة إلى القدس تظل واحدة من طموحاته "البابا" الباقية والتي ستتوج رحلاته العالمية منذ أن انتخب البابا يوحنا بولس الثاني في عام 1978م".
رئيس الطائفة الإنجيلية لـ المجتمع :
لن أزور إسرائيل.. لكني لا أستطيع إلزام شعب الكنيسة بذلك القاهـرة : داود حسـن أكد الدكتور صفوت البياض ـ رئيس الطائفة الإنجيلية لمصر والشرق الأوسط الجديد ـ أنه لن يزور الكيان الصهيوني، ولا يؤيد زيارة أحد من أبناء طائفته لها، مؤكداً ضرورة اتخاذ مواقف أكثر صرامة ضدها بسبب تعنتها وغطرستها بالمنطقة. وقال البياض والذي تسلَّم مقاليد رئاسة الطائفة منذ عدة أشهر بعد وفاة الدكتور صمويل حبيب ـ رئيس الطائفة السابق ـ الذي وافته المنية في أكتوبر الماضي بالولايات المتحدة: إن لنا في القدس مطراناً يشرف على كنيستنا الإنجيلية، وعندما نريد أن نقابله نجتمع به في مكان آخر غير إسرائيل مثل مصر أو قبرص، فيما يعرف بتجمع كنائس الشرق الأوسط . ورداً على سؤال عما إذا كان رأيه مُلزماً لشعب الكنيسة الإنجيلية قال: إن الكنيسة الإنجيلية فيها ديمقراطية وحرية، ولا أستطيع أن ألزم شعب الكنيسة بموقفي كرئيس كنيسة للطائفة، وأعتقد أنه حتى من يذهبون إلى هناك لا يذهبون لزيارة إسرائيل كدولة، وإنما يتجهون إلى زيارة الأماكن المقدسة في القدس والعودة خلال ثلاثة أيام. وحول مدى تأثير الكنيسة بما يقال عن اختراقها بواسطة الصهيونية، قال: إن الطائفة الإنجيلية تتكون من 16 كنيسة، وهي متنوعة وفيها مساحة كبيرة من الاختلاف في الجزئيات، مثل اعتناق كنيسة أو اثنين فقط، لما يسمى بالملك الألفي، أو أن المسيح عليه السلام سيعود إلى الأرض بعد انتهاء الألفية الأولى ليقيم العدل في الأرض لمدة ألف عام أخرى، بشرط أن يتجمع اليهود في مكان ما لإقامة هيكلهم الذي سيهبط عليه السيد المسيح، وخص اليهود بذلك لأنهم الوحيدون في عصر المسيح الذين لم يؤمنوا به.
وحجم المتأثرين بهذا المذهب لا يزيدون على كنيستين أو بعض الأفراد فقط في مصر، وتفسير هذا المذهب تختلف فيه الكنائس، فمنهم من يرى أن الاختلاف روحي، ومنهم من يراه مادي. كما أكدت سابقاً فإن كل من زار إسرائيل لم يزرها من أجل دعم سياسي لها، وإنما هم أفراد تجاوزوا سن الستين عاماً، ويريدون أن يزوروا قبر المسيح والتبرك به قبل الموت، مثل ما يفعله المسلمون من زيارتهم للأراضي المقدسة لأداء الحج أو العمرة مع اختلاف الظروف، وهذا شخص لا أستطيع أن أمنعـه !! وما رأيكم في تأثر النصرانية بالصهيونية ووجود مصطلح جديد سميَّ بالصهيونية النصرانية، أو النصرانية الصهيونية؟
هناك لبس في هذا المصطلح، حيث يجب التفريق بين كلمة "الصهيونية" كمصطلح سياسي، وكلمة "Zion” بالإنجليزية والتي تعني "أورشليم"
أو "القدس"، حيث يعتبرها النصارى أنها "القبلة" التي يجب أن يحجوا إليها، وهي بذلك مصطلح روحي، وهو يرتبط في ذهن النصارى أيضاً
بمنطق فكرة الألفية وعودة المسيح، فالقبطي الصهيوني يتأمل عودة المسيح الذي سيأتي مرة أخرى لهذا المكان، وهو ما يقابل القرآن الكريم وجيها
في الدنيا والآخرة !!.
جورج حداد.. الكاتب الصحفي الأردني والنصراني الخبير بالشؤون النصرانية لـ المجتمع :
اليهود يخططون لتدمير النصرانية وتهويدها من الداخل جورج حداد.. كاتب صحفي أردني ومن الشخصيات السياسية البارزة، وهو نصراني معروف بمواقفه المعادية لإسرائيل واليهودية الحالية التي يؤكد أنها ليست ديناً سماوياً، وهو يرفض التمييز بين اليهودية والصهيونية ويعتبرهما شيئاً واحداً، كما أنه لا يتردد عن مهاجمة أي مواقف نصرانية متواطئة مع اليهود وإسرائيل. المجتمع التقت حداد وحاورته حول المساعي اليهودية الحثيثة لاختراق وتهويد الطوائف النصرانية، وحول مواقف الفاتيكان الجديدة من اليهودية، والتي كان آخرها وثيقة الاعتذار، وحول قضية الحوار بين الأديان الثلاثة، وموقف الطوائف النصرانية في الأردن وفلسطين من بيع الأراضي لليهود. أثير الكثير من اللغط مؤخراً حول موقف النصارى في الأردن وفلسطين، وبخاصة الطائفة الأرثوذوكسية من بيع الأراضي لليهود، ما حقيقة الأمر؟ الطوائف النصرانية تعارض أشد المعارضة التعامل مع اليهود في بيع الأراضي، ونحن هناـ الطوائف النصرانية في الأردن ـ نعتبر مسألة بيع الأرض لليهود مرفوضة، إلا أن هناك شواذاً، لكن كطائفة ليس هناك طائفة نصرانية تقبل على نفسها أن يسجّل عليها أنها باعت أراضٍ لليهود، وليس هناك طائفة نصرانية إلا وتحارب بيع الأراضي لليهود، باستثناء رئيس الكنيسة الأرثوذوكسية في فلسطين وشرق الأردن البطريرك اليوناني ثيودوروس، فقد قام ببيع الأراضي في فلسطين لليهود، وقبل أسبوعين حضر إلى الأردن مواطنون من الأراضي لمحتلة عام 1948م وأكدوا أن ثيدوروس باع مقبرة النصارى وأرضاً للوقف النصرانية في يافا. ولكن بماذا يبرر ثيودوروس رئيس الطائفة الأرثوذوكسية موقفه هذا؟
يعلل ذلك بأنه يتم رغماً عنه. يتحدث الكثير عن محاولات يهودية لاختراق النصرانية وتهويدها، هل ترون خطراً في ذلك ؟ موقف النصرانية من اليهود واليهودية معروف، وهو الرفض المطلق، فالرسالة النصرانية تتناقض مع التحجر اليهودي، وفي العقود الأخيرة اختار اليهود ألا يواجهوا النصرانية وجهاً لوجه، وأن يلتفوا عليها من خلال التظاهر بالنصرانية، وتدميرها وتهويدها من الداخل، وهذا ما يحصل الآن، حتى إن الفاتيكان منذ 17 قرناً كان له موقف واضح من اليهود واليهودية، ولكنه في العقود الثلاثة الأخيرة انحرف 180 درجة. وهل تعتقد أن اليهود حققوا نجاحات في جهودهم لتهويد النصرانية، وبخاصة بالنسبة للطائفة الكاثوليكية؟ حققوا نجاحات كاسحة وليست قليلة، وبخاصة في العقود الأخيرة ـ كما أشرت ـ منذ أن برأ الفاتيكان اليهود من جريمة صلب المسيح ـ حسب اعتقاد النصرانية ـ ويوماً بعد يوم ربطوا بين مصير الأرض والمفهوم الديني، مع أن هذا يتناقض مع المفهوم النصراني الديني، بأن الدين يختص بأرض معينة، واستطاع المتهودون المندسون المتسللون في المؤسسة الكنسية الغربية أن يصدروا الأوامر والتعليمات، إلى أن وصل ذلك إلى البابا الحالي نفسه، والذي وصل به الأمر إلى القول: إن قراءة الإنجيل بشكله الحالي تعلّم الناس اللاسامية، وهذا الكلام يعني أن المسيح لم يأت برسالة حب، وأن رسالته لم يكن فيها من الحب ما يستأصل نوازع الشر من الإنسان!!. ولماذا هذا التغير في موقف البابا الحالي يوحنا ؟ كيف يمكن تفسير موقفه هذا ؟ البابا يوحنا جاء بعد بابا مقتول (يوحنا بولس الأول) والذي لم ينصّب سوى ثلاثين يوماً، حيث دسّ السم له، ومات، وبعد ذلك جاءوا بالبابا الحالي من بولندا، ويبدو أنه كانت له ارتباطات سابقة مع دوائر الاستخبارات الأمريكية، لقد حدث تصعيد وانحراف تدريجي في موقف الفاتيكان تجاه اليهود، إلى أن صدر عام 1986م كتاب تعليمات فظيع جاء فيه: "أن المسيح يهودي وسيبقى يهودياً، ويطلب من النصارى أن يتخلوا عن النزعة ضد اليهود،وأن يتعاملوا معهم ويحبونهم بحجة أنهم شعب المسيح. ووصل الأمر إلى درجة غير معقولة، فقد عقد مؤتمر وطالب بتصحيح بعض الصياغات الإنجيلية، فمثلاً كان المسيح يقول لليهود في الإنجيل: أيها الشعب الغليظ الرقبة، يا أولاد الأفاعي، يا أبناء الشيطان، أنتم لستم من أبناء إبراهيم، أنتم أبناء الشيطان، لكن الفاتيكان جاء وغيَّر ذلك وأصبح هذا الكلام حسب مفاهيم الفاتيكان الجديدة يُعلِّم الناس اللاسامية، وكأنهم الآن يريدون أن يعلِّموا المسيح ماذا يقول!! فالانحراف كبير جداً، وأكثر من ذلك أن بعض المفاهيم أصبحت تترجم لدعم إسرائيل. وماذا عن الأرثوذوكس، هل حقق اليهود معهم نجاحات مماثلة في الاختراق والتهويد كتلك التي حققوها مع الكاثوليك؟ لا، لا يزالون بعيدين جداً عن تحقيق نسبة النجاح التي حققوها مع الكاثوليك. وهل يقتصر ذلك على الأرثوذوكس في المنطقة أم بصورة عامة؟ على الأرثوذوكس بشكل عام، ولكن هناك بدايات اختراق، وإن كان الأرثوذوكس لهم موقفهم الواضح تجاه اليهود وهو الرفض والمعارضة المطلقة، لأنه بالفعل يوجد تناقض كبير جداً، ولا يمكن التوفيق بين الموقف الديني اليهودي والنصراني. ماذا تقصد ببدايات الاختراق؟ هل هناك أمثلة معينة؟
يبدو أن اليهود حققوا في السنوات الأخيرة بعض النجاح، فبطريرك الاتحاد السوفييتي السابق إليكسي منع الأمريكان والكنائس الغربية من حرية التبشير في روسيا، وهو تبشير ببدع التهويد، وقد حضر هذا البطريرك إلى الأردن، وفلسطين، وهو يصرخ ويؤكد أن ضغوطاً يهودية كبيرة تمارس عليهم في روسيا، وطلب منا المساعدة، لكننا لم نستطع أن نفعل له شيئاً فوضْعنا أسوأ منه، وللضغط على بطريرك موسكو اتصلوا ببطريرك اسطنبول، وهو بطريرك ضعيف، وأخذوه إلى أمريكا في خريف العام الماضي واحتفوا به ومنحوه جوائز في البيت الأبيض والكونجرس، وهذا كله من قبيل المحاولات اليهودية لاختراق الأرثوذوكس. [ نقلاُ عن مجلة المجتمع ] |