(الفصل الثاني عشر) لو لم يظهر محمد بن عبد الله لبطلت نبوة سائر الأنبياء، بنو إسرائيل قبل موسى وبعده
لو لم يظهر محمد بن عبد الله لبطلت نبوة سائر الأنبياء: فكأن مجيئه تصديقا لهم، إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا تنافي بين هذا، وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين شهادته بصدقهم، وإيمانه بهم، فإنه صدقهم بقوله: ومجيئه فشهد بصدقهم بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله. ومثل هذا قول المسيح:(ومصدقا لما بين يديه من التوارة، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) فإن التوراة لما بشرت به، وبنبوته، كان نفس ظهوره تصديقا لها، ثم بشر برسول يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقا له، كما كان ظهوره تصديقا للتوراة، فعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق. فلو لم يظهر محمد بن عبد الله، ولم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله، والله سبحانه لا يخلف وعده، ولا يكذب خبره، وقد كان بشر إبراهيم وهاجر بشارات بينات، ولم نرها تمت، ولا ظهرت، إلا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد بشرت هاجر من ذلك بما لم تبشر به امرأة من العالمين، غير مريم ابنة عمران بالمسيح، على أن مريم بشرت به مرة واحدة، وبشرت هاجر بإسماعيل مرتين، وبشر به إبراهيم مرارا، ثم ذكر الله سبحانه هاجر بعد وفاتها، كالمخاطب لها على ألسنة الأنبياء، ففي التوراة:((أن الله تعالى قال لإبراهيم: قد أجبت دعائك في إسماعيل، وباركت عليه، وكبرته، وعظمته)) هكذا في ترجمة بعض المترجمين. وأما في الترجمة التي ترجمها اثنان وسبعون حبرا من أحبار اليهود فإنه يقول:((وسيلد اثني عشر أمة من الأمم)). وفيها:((لما هربت هاجر من سارة ترائى لها ملك الله، وقال: يا هاجر أمة سارة من أين أقبلت وإلى أين تذهبين؟ ! قالت: هربت من سيدتي، فقال لها الملك: ارجعي إلى سيدتك، واخضعي لها، فإني سأكثر ذريتك، وزرعك، حتى لا يحصون كثرة، وها أنت تحبلين، وتلدين ابنا تسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع بذلك خشوعك، وهو يكون عين الناس، ويكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته)).
وفي موضع آخر قصة إسكانها وابنها إسماعيل في برية فاران. وفي التوراة أيضا بشارات أخرى بإسماعيل وولده، وأنهم أمة عظيمة جدا، وأن نجوم السماء تحصى ولا يحصون، وهذه البشارة إنما تمت بظهور محمد بن عبد الله وأمته. فإن ((بني إسحاق)) كانوا لم يزالوا مطرودين مشردين، خولا للفراعنة والقبط، حتى أنقذهم الله بنبيه، وكليمه موسى بن عمران، وأورثهم أرض الشام، فكانت كرسي مملكتهم ثم سلبهم ذلك، وقطعهم في الأرض أمما، مسلوبا عزهم وملكهم: قد أخذتهم سيوف السودان، وعلتهم إعلاج الحمران. حتى إذا ظهر النبي صلى الله عليه وسلم تمت تلك النبوات، وظهرت تلك البشارات بعد دهر طويل، وعلت بنو إسماعيل على من حولهم، فهشموهم هشما، وطحنوهم طحنا، وانتشروا في آفاق الدنيا، ومدت الأمم أيديهم إليهم بالذل والخضوع، وعلوهم علو الثريا، فيما بين الهند، والحبشة، والسوس الأقصى، وبلاد الترك، والصقالبة، والخزر. وملكوا ما بين الخافقين، وحيث ملتقى أمواج البحرين، وظهر ذكر إبراهيم على ألسنة الأمم، فليس صبي من بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ولا امرأة، ولا حر، ولا عبد، ولا ذكر، ولا أنثى، إلا وهو يعرف إبراهيم، وآل ابراهيم. وأما ((النصرانية)) وإن كانت قد ظهرت في أمم كثيرة جليلة، فإنه لم يكن لهم في محل إسماعيل وأمه هاجر سلطان ظاهر، ولا عز قاهر البتة، ولا صارت أيدي هذه الأمة فوق أيدي الجميع، ولا امتدت إليهم أيدي الأمم بالخضوع.
وكذلك سائر ما تقدم من البشارات التي تفيد بمجموعها العلم القطعي، بأن المراد بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأمته، فإنه لو لم يقع تأويلها
بظهوره صلى الله عليه وسلم لبطلت تلك النبوات؛ ولهذا لما علم الكفار من أهل الكتاب أنه لا يمكن الإيمان بالأنبياء المتقدمين، إلا بالإيمان بالنبي الذي
بشروا به، قالوا: ولما علم بعض الغلاة في كفره، وتكذيبه منهم أن هذا النبي في ولد إسماعيل، أنكروا أن يكون لإبراهيم ولد اسمه إسماعيل، وأن هذا لم يخلقه الله. ولا يكثر على اليهود مثل ذلك، كما لم يكثر على النصارى الذين سبوا رب العالمين أعظم مسبة أن يطعنوا في ديننا، وينتقصوا نبينا صلى الله عليه وسلم. ونحن نبين أنهم لا يمكنهم أن يثبتوا للمسيح فضيلة، ولا نبوة، ولا آية، ولا معجزة، إلا بإقرارهم أن محمدا رسول الله؛ وإلا فمع تكذيبه لا يمكن أن يثبت للمسيح شيء من ذلك البتة.... لا يمكنهم أن يثبتوا للمسيح فضيلة ولا نبوة إذا كفروا بمحمد، اليهود أساتذة النصارى في قصة الصلب وأخبار المسيح فنقول: إذا كفرتم معاشر النصارى بالقرآن، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن أين لكم أن تثبتوا لعيسى فضيلة، أو معجزة، ومن نقل إليكم عنه آية، أو معجزة؟ ! فإنكم إنما تبعتم من بعده بنيف على مائتين وعشرات من السنين، أخبرتم عن منام رؤى فأسرعتم إلى تصديقه، وكان الأولى لمن كفر بالقرآن أن ينكر وجود عيسى في العالم لأنه لا يقبل قول اليهود فيه، ولا سيما وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم. فأخبار المسيح والصليب إنما شيوخكم فيها اليهود، وهم فيما بينهم مختلفون في أمره أعظم اختلاف، وأنتم مختلفون معهم في أمره، فاليهود تزعم أنهم حين أخذوه حبسوه في السجن أربعين يوما، و قالوا ما كان لك أن تحبسوه أكثر من ثلاثة أيام ثم تقتلوه، إلا أنه كان يعضده أحد قواد الروم، لأنه كان يداخله في صناعة الطب عندهم. وفي الأناجيل التي بأيديكم ((أنه أخذ صبح يوم الجمعة، وصلب في الساعة التاسعة من اليوم بعينه)) فمتى تتوافقون مع اليهود في خبره، واليهود مجمعون أنه لم يظهر له معجزة، ولا بدت منه لهم آية، غير أنه طار يوما، وقد هموا بأخذه فطار على أثره آخر منهم، فعلاه في طيرانه، فسقط إلى الأرض بزعمهم. وفي الإنجيل الذي بأيديكم في غير موضع ما يشهد أنه لا معجزة له، ولا آية!! فمن ذلك أن فيه منصوصا ((أن اليهود قالوا له يوما: ماذا تفعل حتى تنتهي به إلى أمر الله تعالى؟ فقال: أمر الله إن تؤمنوا بمن بعثه، فقالوا له: وما آيتك التي ترينا، ونؤمن بك، وأنت تعلم أن آبائنا قد أكلوا المن والسلوى بالمفاوز؟ قال: إن كان أطعمكم موسى خبزا، فأنا أطعمكم خبزا سماويا)) يريد نعيم الآخرة، فلو عرفوا له معجزة ما قالوا ذلك... وفي الإنجيل الذي بأيديكم أن اليهود قالت له: ((ما آيتك التي نصدقك بها؟)) قال: ((اهدموا البيت أبنيه لكم في ثلاثة أيام)). فلو كانت اليهود تعرف له آية لم تقل هذا، ولو كان قد أظهر لهم معجزة لذكرهم بها حينئذ... وفي الإنجيل الذي بأيديكم أيضا ((أنهم جاؤا يسألونه آية فقذفهم، وقال: إن القبيلة الفاجرة الخبيثة تطلب آية، فلا تعطى ذلك))... وفيه أيضا ((أنهم كانوا يقولون له وهو على الخشبة بظنكم إن كنت المسيح فأنزل نفسك فنؤمن بك، يطلبون بذلك آية، فلم يفعل)). فإذا كفرتم معاشر النصارى بالقرآن، لم يتحقق لعيسى بن مريم آية، ولا فضيلة؛ فإن أخباركم عنه، وأخبار اليهود، لا يلتفت إليها لاختلافكم في شأنه أشد الاختلاف، وعدم تيقنكم لجميع أمره. وكذلك اجتمعت اليهود على أنه لم يدع شيئا من الإلهية التي نسبتم إليه أنه ادعاها، وكان أقصى مرادهم أن يدعي، فيكون أبلغ في تسلطهم عليه، وقد ذكر السبب في استفاضة ذلك عنه، وهو أن أحبارهم، وعلماءهم، لما مضى وبقي ذكره، خافوا أن تصير عامتهم إليه، إذ كان على سنن تقبله قلوب الذي لا غرض لهم، فشنعوا عليه أمورا كثيرة، ونسبوا إليه دعوى الإلهية تزهيدا للناس في أمره.
أخبار اليهود والنصارى عن عيسى ونسبه لا يوثق بها... ويزعمون أن زوجها يوسف بن يهودا، وجد البنديرا عند على فراشها، وشعر بذلك فهجرها، وأنكر ابنها، ومن اليهود من رغب عن هذا القول، وقال: إنما أبوه يوسف بن يهودا، الذي كان زوجا لمريم. ويذكرون أن السبب في استفاضة اسم الزنا عليه أنه: بينا هو يوما مع معلمه بهشوع بن برخيا، وسائر التلاميذ في سفر فنزلوا موضعا فجاءت امرأة من أهله، وجعلت تبالغ في كرامتهم، فقال بهشوع: ما أحسن هذه المرأة؟ ! يريد أفعالها، فقال عيسى بزعمهم: لولا عور في عينها، فصاح بهشوع وقال له: يا ممزار - ترجمته: يا زنيم - أتزني بالنظر، وغضب غضبا شديدا، وعاد إلى بيت المقدس، وحرم اسمه، ولعنه في أربعمائة قرن، فحينئذ لحق ببعض قواد الروم، وداخله بصناعة الطب، فقوي بذلك على اليهود، وهم يومئذ في ذمة قيصر بتاريوش، وجعل يخالف حكم التوراة، ويستدرك عليها، ويعرض عن بعضها، إلى أن كان من أمره ما كان. وطوائف من اليهود يقولون غير هذا: أنه كان يلاعب الصبيان بالكرة، فوقعت منهم بين جماعة من مشايخ اليهود، فضعف الصبيان عن استخراجها من بينهم حياء من المشايخ، فقوي عيسى، وتخطى رقابهم، وأخذها، فقالوا له: ما نظنك إلا زنيما.
ومن اختلاف اليهود في أمره أنهم يسمون أباه بزعمهم الذي كان خطب مريم يوسف بن يهودا النجار.
والنصارى تزعم أنها كانت ذات بعل، وإن زوجها يوسف بن يعقوب. وهم يختلفون أيضا في آبائه، وعددهم إلى إبراهيم، فمن مقل، ومن مكثر.
فهذا ما عند اليهود، وهم شيوخكم في نقل الصلب، وأمره، وإلا فمن المعلوم أنه لم يحضره أحد من النصارى، وإنما حضره اليهود، وقالوا: النصارى أشد الأمم افتراقا في دينهم، ما اتفقت عليه فرقهم المشهورة وأما خبر ما عندكم أنتم فلا نعلم أمة أشد اختلافا في معبودها، ونبيها، ودينها منكم، فلو سألت الرجل، وامرأته، وابنته، وأمه، وأباه عن دينهم لأجابك كل منهم بغير جواب الآخر. ولو اجتمع عشرة منهم يتذاكرون الدين لتفرقوا عن أحد عشر مذهبا مع اتفاق فرقهم المشهورة اليوم على القول بالتثليث وعبادة الصليب، وأن المسيح ابن مريم ليس بعبد صالح، ولا نبي، ولا رسول، وأنه إله في الحقيقة، وأنه هو خالق السموات، والأرض، والملائكة، والنبيين، وأنه هو الذي أرسل الرسل، وأظهر على أيديهم المعجزات، والآيات. وأن للعالم إلها هو أب والد لم يزل، وأن ابنه نزل من السماء، وتجسم من روح القدس، ومن مريم، وصار هو وابنها الناسوتي إلها واحدا، ومسيحا واحدا، وخالقا واحدا، ورازقا واحدا، وحبلت به مريم وولدته، وأخذ وصلب، وألم ومات، ودفن، وقام بعد ثلاثة أيام، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، قالوا: والذي ولدته مريم، وعاينه الناس، وكان بينهم، هو الله، وهو ابن الله، وهو كلمة الله، فالقديم الأزلي، خالق السموات والأرض هو الذي حبلت به مريم، وأقام هناك تسعة أشهر، وهو الذي ولد، ورضع، وفطم، وأكل، وشرب، وتغوط، وأخذ، وصلب، وشد بالحبال، وسمّرت يداه.
اختلاف فرقهم المشهورة في شخصية المسيح وقالوا: إن مريم ولدت الله، وإن الله سبحانه قبض عليه، وصلب، وسمر، ومات، ودفن، ثم عاش بعد ذلك. وقالت ((الملكية)) - وهم الروم نسبة إلى دين الملك، لا إلى رجل يدعى ملكانيا، هو صاحب مقالتهم كما يقوله بعض من لا علم له بذلك - إن الابن الأزلي الذي هو الكلمة، تجسدت من مريم تجسدا كاملا، كسائر أجساد الناس، وركبت في ذلك الجسد نفسا كاملة بالعقل، والمعرفة، والعلم، كسائر أنفس الناس. وأنه صار إنسانا بالجسد، والنفس الذين هما من جوهر الناس إلها بجوهر اللاهوت كمثل أبيه لم يزل، وهو إنسان بجوهر الناس مثل: إبراهيم، وموسى، وداود، وهو شخص واحد، لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللاهوت، كما لم يزل، وصح له جوهر الناسوت الذي لبسه ابن مريم، وهو شخص واحد لم يزد عدده، وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة، فله بلاهوته مشيئة مثل الأب، وله بناسوته مشيئة كمشيئة إبراهيم، وداود. وقالوا: إن مريم ولدت ((المسيح)) وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت، وقالوا: إن الذي مات، هو الذي ولدته مريم، وهو الذي وقع عليه الصلب، والتسمير، والصفع، والربط بالحبال، واللاهوت لم يمت، ولم يألم، ولم يدفن.
قالوا: وهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله المشيئتان:
مشيئة اللاهوت. فأتوا بمثل ما أتى به اليعقوبية من أن مريم ولدت الإله، إلا أنهم بزعمهم نزهوا الإله عن الموت. وإذا تدبرت قولهم وجدته في الحقيقة هو قول اليعقوبية، مع تنازعهم، وتناقضهم فيه، فاليعقوبية أطرد لكفرهم لفظا ومعنى... وأما ((النسطورية)) فذهبوا إلى القول بأن المسيح شخصان، وطبيعتان، لهما مشيئة واحدة، وأن طبيعة اللاهوت، لما وجدت بالناسوت، صار لهما إرادة واحدة، واللاهوت لا يقبل زيادة، ولا نقصان، ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان، فكان المسيح بذلك إلها وإنسانا، فهو الإله بجوهر اللاهوت الذي لا يقبل الزيادة والنقصان، وهو إنسان بجوهر الناسوت الذي يقبل الزيادة والنقصان. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط. وكل هذه الفرق استنكفت أن يكون المسيح عبد الله، وهو لم يستنكف من ذلك، ورغبت به عن عبودية الله، وهو لم يرغب عنها؛ بل أعلى منازل العبودية، عبودية الله، ومحمد وإبراهيم خير منه، وأعلى منازلهما تكميل مراتب العبودية، فالله رضيه أن يكون له عبدا، فلم ترض المثلثة بذلك....وقالت ((الأريوسية)) منهم وهم أتباع أريوس: أن المسيح عبد الله كسائر الأنبياء والرسل، وهو مربوب، مخلوق، مصنوع)) وكان النجاشي على هذا المذهب. وإذا ظفرت المثلثة بواحد من هؤلاء قتلته شر قتلة، وفعلوا به ما يفعل بمن سب المسيح، وشتمه أعظم سب. والكل من تلك الفرق الثلاث، عوامهم لا تفهم مقالة خواصهم على حقيقتها؛ بل يقولون: إن الله تخطى مريم، كما يتخطى الرجل المرأة، وأحبلها، فولدت له ابنا، ولا يعرفون تلك الهذيانات التي وضعها خواصهم. فهم يقولون الذي تدندنون حوله، نحن نعتقده بغير حاجة منا إلى معرفة الأقانيم الثلاثة من الطبيعتين والمشيئتين، وذلك للتهويل والتطويل، وهم يصرحون بأن مريم والدة الإله، والله أبوه، وهو الابن. فهذا الزوج، والزوجة، والولد (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا، إن دعوا للرحمن ولدا، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا، إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيمة فردا). محمد برأ المسيح وأمه من افتراء أعدائهما وأنزله المنزلة العالية ونزه الله عن افتراء المثلثة عليه فهذه أقوال أعداء المسيح من اليهود، والغالين فيه من النصارى، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وبما أزال الشبهة في أمره، وكشف الغمة، وبرأ المسيح وأمه من افتراء اليهود وبهتهم، وكذبهم عليهما، ونزه رب العالمين، وخالق المسيح وأمه، مما افتراه عليه النصارى الذين سبوه أعظم السب. فأنزل المسيح أخاه بالمنزلة التي أنزله الله بها، وهي أشرف منازله، فآمن به، وصدقه، وشهد له بأنه عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، العذراء، البتول، الطاهرة، الصديقة، سيدة نساء العالمين، في زمانها، وقرر معجزات المسيح، وآياته، وأخبر عن ربه تعالى بتخليد من كفر بالمسيح في النار، وأن ربه تعالى أكرم عبده ورسوله، ونزهه وصانه أن ينال النصارى منه ما زعمته النصارى، أنهم نالوه منه.بل رفعه إليه مؤيدا منصورا، لم يشكه أعداؤه بشوكة، ولا نالته أيديهم بأذى، فرفعه إليه، وأسكنه سماءه، وسيعيده إلى الأرض، ينتقم به من مسيح الضلال، وأتباعه، ثم يكسر به الصليب، ويقتل به الخنزير، ويعلي به الإسلام، وينصر به ملة أخيه، وأولى الناس به محمد عليهما أفضل الصلاة والسلام. فإذا وضع هذا القول في المسيح في كفة، وقول النصارى، تبين لكل من له أدنى مسكة من عقل، ما بينهما من التفاوت، وأن تفاوتهما كتفاوت ما بينه، وبين قول اليهود فيه، وبالله التوفيق... فلولا محمد صلى الله عليه وسلم، لما عرفنا أن المسيح ابن مريم الذي هو رسول الله، وعبده، وكلمته، وروحه موجود أصلا؛ فإنّ هذا المسيح الذي أثبته اليهود، من شرار خلق الله، ليس بمسيح الهدى، والمسيح الذي أثبته النصارى، من أبطل الباطل، لا يمكن وجوده في عقل، ولا فطرة، ويستحيل أن يدخل في الوجود أعظم استحالة. ولو صح وجوده، لبطلت أدلة العقول، ولم يبق لأحد ثقة، بمعقول أصلا؛ فإن استحالة وجوده، فوق استحالة جميع المحالات، ولو صح ما يقول لبطل العالم، واضمحلت السموات والأرض، وعدمت الملائكة، والعرش، والكرسي، ولم يكن بعث ولا نشور، ولا جنة، ولا نار.
ولا يستعجب من إطباق أمة الضلال، الذين شهد الله أنهم أضل من الأنعام على ذلك، فكل باطل في الوجود ينسب إلى أمة من الأمم فإنها مطبقة عليه، وقد
تقدم ذكر إطباق الأمم العظيمة، التي لا يحصيها إلا الله، على الكفر والضلال، معاينة الآيات البينات، فللنصارى أسوة بإخوانهم من أهل الشرك،
والضلال!
استنادهم في دينهم إلى أصحاب المجامع:
كان الله سبحانه قد بشر بالمسيح على ألسنة أنبيائه من لدن موسى إلى زمن داود، ومن بعده من الأنبياء، وأكثر الأنبياء تبشيرا به داود، وكانت اليهود
تنتظره، وتصدق به قبل مبعثه، فلما بعث كفروا به بغيا، وحسدا، وشردوه في البلاد، وطردوه، وحبسوه، وهموا بقتله مرارا إلى أن أجمعوا على القبض
عليه، وعلى قتله، فصانه الله، وأنقذه من أيديهم، ولم يهنه بأيديهم، وشبه لهم بأنهم صلبوه، ولم يصلبوه، كما قال تعالى: وقد اختلف في معنى قوله:(ولكن شبه لهم) فقيل: المعنى، ولكن شبه للذين صلبوه، بأن ألقى شبهه على غيره، فصلبوا الشبه، وقيل: المعنى: ولكن شبه النصارى، أي حصلت لهم الشبهة في أمره، وليس لهم علم، بأنه ما قتل، وما صلب. ولكن لما قال أعداؤه: أنهم قتلوه، وصلبوه، واتفق رفعه من الأرض، وقعت الشبهة في أمره، وصدقهم النصارى في صلبه لتتم الشناعة عليهم، وكيف ما كان فالمسيح صلوات الله وسلامه عليه، لم يقتل، ولم يصلب يقينا لا شك فيه. ثم تفرق الحواريون في البلاد بعد رفعه على دينه، ومنهاجه يدعون الأمم إلى توحيد الله، ودينه، والإيمان بعبده ورسوله، ومسيحه، فدخل كثير من الناس في دينه، ما بين ظاهر مشهور، ومختف مستور، وأعداء الله اليهود في غاية الشدة والأذى لأصحابه وأتباعه، ولقي تلاميذ المسيح، وأتباعه من اليهود، ومن الروم شدة شديدة من قتل، وعذاب، وتشريد، وحبس، وغير ذلك. وكان اليهود في زمن المسيح في ذمة الروم، وكانوا ملوكا عليهم، وكتب نائب الملك ببيت المقدس إلى الملك يعلمه بأمر المسيح، وتلاميذه، وما يفعل من العجائب الكثيرة، من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، فهمّ إن يؤمن به، ويتبع دينه، فلم يتابعه أصحابه، ثم هلك وولى بعده ملك آخر، فكان شديدا على تلامذة المسيح. ثم مات وولي بعده آخر، وفي زمنه كتب ((مرقس)) إنجيله بالعبرانية، وفي زمانه صار إلى الإسكندرية، فدعا إلى الإيمان بالمسيح، وهو أول شخص جعل بتركا على الإسكندرية، وصير معه اثني عشر قسيسا على عدة نقباء بني إسرائيل في زمن موسى، وأمرهم إذا مات البترك أن يختاروا من الاثني عشر واحدا يجعلونه مكانه، ويضع الاثني عشر أيديهم على رأسه، ويبركونه. ثم يختارون رجلا فاضلا قسيسا يصيرونه تمام العدة، ولم يزل أمر القوم كذلك إلى زمن قسطنطين. ثم انقطع هذا الرسم، واصطلحوا على أن ينصبوا البترك من أي بلد كان من أولئك القسيسين، أو من غيرهم، ثم سموه ((بابا)) ومعناه: أبو الآباء، وخرج ((مرقس)) إلى برقة يدعو الناس إلى دين المسيح. ثم ملك آخر، فأهاج على أتباع المسيح الشر والبلاء، وأخذهم بأنواع العذاب، وفي عصره كتب ((بطرس)) رئيس الحواريين إنجيل مرقس عنه بالرومية، ونسبه إلى ((مرقس)).
وفي عصره كتب ((لوقا)) إنجيله بالرومية لرجل شريف من عظماء الروم، وكتب له الأبركسيس الذي فيه أخبار التلاميذ. ثم قتل بالإسكندرية، وأحرق جسده بالنار، ثم استمرت القياصرة ملوك الروم على هذه السيرة إلى أن ملك مصر قيصر يسمى ((طيطس)) فخرب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة بعد أن حاصرها، وأصاب أهلها جوع عظيم، وقتل من كان بها من ذكر وأنثى، حتى كانوا يشقون بطون الحبالى، ويضربون بأطفالهن الصخور، وخرب المدينة، وأضرم فيها النار، وأحصى القتلى على يده، فبلغوا ثلاثة آلاف ألف.
ثم ملك ملوك آخرون فكان منهم واحد شديد على اليهود جدا، فبلغوه أن النصارى يقولون: أن المسيح ملكهم، وأن ملكه يدوم إلى آخر الدهر، فاشتد غضبه،
وأمر بقتل النصارى، وأن لا يبقى في ملكه نصراني، وكان ((يوحنا)) صاحب الإنجيل هناك، فهرب، ثم أمر الملك بإكرامهم، وترك الاعتراض عليهم. ثم ملك بعده آخر، وأخذ الناس بعبادة الأصنام، وقتل من النصارى خلقا كثيرا، ثم ملك بعده ابنه، وفي زمانه قتل اليهود ببيت المقدس قتلا ذريعا، وخرب بيت المقدس، وهرب اليهود إلى مصر، وإلى الشام، والجبال، والأغوار، وتقطّعوا في الأرض. وأمر الملك أن لا يسكن بالمدينة يهودي، وأن يقتل اليهود ويستأصلوا، وأن يكن المدينة اليونانيون، وامتلأت بيت المقدس من اليونانيين، والنصارى ذمة تحت أيديهم، فرأوهم يأتون إلى مزبله هناك فيصلون فيها، فمنعوهم من ذلك، وبنوا على المزبلة هيكلا باسم ((الزهرة)) فلم يمكن النصارى بعد ذلك قربان ذلك الموضع. ثم هلك هذا الملك، وقام بعده آخر، فنصب يهودا أسقفا على بيت المقدس، قال ابن البطريق: فمن يعقوب أسقف بيت المقدس الأول إلى يهودا أسقفه، هكذا كانت الأساقفة الذين على بيت المقدس كلهم مختونين. ثم ولي بعده آخر، وأثار على النصارى بلاء شديدا، وحربا طويلا، ووقع في أيامه قحط شديد، كاد الناس أن يهلكوا، فسألوا النصارى أن يبتهلوا إلى إلههم فدعوا، وابتهلوا إلى الله، فمطروا، وارتفع عنهم القحط، والوباء. قال ابن البطريق: وفي زمانه كتب بترك الإسكندرية إلى أسقف بيت المقدس، وبترك أنطاكية، وبترك رومية، في كتاب فصح النصارى وصومهم، وكيف يستخرج من فصح اليهود، فوضعوا فيها كتبا على ما هي اليوم، قال: وذلك أن النصارى كانوا بعد صعود المسيح إذا عيدوا عيد الغطاس من الغد صومون أربعين يوما، ويفطرون كما فعل المسيح، لأنه لما اعتمد بالأردن، خرج إلى البرية. فأقام بها أربعين يوما، وكان النصارى إذا أفصح اليهود، عيدوا هم الفصح، فوضع هؤلاء البتاركة حسابا للفصح، ليكون فطرهم يوم الفصح، وكان المسيح يعيد مع اليهود في عيدهم، واستمر على ذلك أصحابه إلى أن ابتدعوا تغيير الصوم، فلم يصوموا عقيب الغطاس، بل نقلوا الصوم إلى وقت لا يكون عيدهم مع اليهود.
ثم مات ذلك الملك، وقام بعده آخر، وفي زمنه كان ((جالينوس)) وفي زمنه ظهرت الفرس، وغلبت على بابل، وآمد، وفارس. وفي أيام هذا ظهر ((ماني)) الكذاب، وزعم أنه نبي، وكان كثير الحيل والمخاريق، فأخذه بهرام ملك الفرس، فشقه نصفين، وأخذ من أتباعه مائتي رجل، فغرس رؤوسهم في الطين منكسين حتى ماتوا. ثم قام من بعده ((فيلبس)) فآمن بالمسيح، فوثب عليه بعض قواده، فقتله. ثم قام بعده ((دانقيوس)) ويسمى: دقيانوس، فلقي النصارى منه بلاء عظيما، وقتل منهم ما لا يحصى، وقتل بترك رومية، وبنى هيكلا عظيما، وجعل فيه الأصنام، وأمر أن يسجد لها، ويذبح لها، ومن لم يفعل قتل، فقتل خلقا كثيرا من النصارى، وصلبوا على الهيكل، واتخذ من أولاد عظماء المدينة سبعة غلمان، فجعلهم خاصته، وقدّمهم على جميع من عنده، وكانوا لا يسجدون للأصنام، فأعلم الملك بخبرهم، فحبسهم. ثم أطلقهم، وخرج إلى مخرج له، فأخذ الفتية كل مالهم، فتصدقوا به، ثم خرجوا إلى جبل فيه كهف كبير، فاختفوا فيه، وصب الله عليهم النعاس، فناموا كالأموات، وأمر الملك أن يبنى عليهم باب الكهف ليموتوا، فأخذ قائد من قواده صفيحة من نحاس، فكتب فيها أسماءهم، وقصتهم مع دقيانوس، وصيّرها في صندوف من نحاس، ودفنه داخل الكهف وسده. ثم مات الملك. بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن المسيح ثم قام بعده قيصر آخر، وفي زمنه جعل في أنطاكية بتركا مسمى ((بولس الشمشاطي)) وهو أول من ابتدع في شأن المسيح اللاهوت والناسوت، وكانت النصارى قبله كلمتهم واحدة، أنه عبد، رسول، مخلوق، مصنوع، مربوب، لا يختلف فيه اثنان منهم، فقال بولس هذا - وهو أول من أفسد دين النصارى -: أن سيدنا المسيح خلق من اللاهوت إنسانا كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء الابن من مريم، وأنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر، الإنسي صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمى ابن الله، وقال: أن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد.
المجمع الأول
ثم قام قيصر آخر، فكانت النصارى في زمنه يصلون في المطامير، والبيوت، فزعا من الروم، ولم يكن بترك الإسكندرية يظهر خوفا أن يقتل، فقام بارون
بتركا، فلم يزل يداري الورم، حتى بنى بالإسكندرية كنيسة. وملك معهما ((قسطنطين)) أبو قسطنطين، وكان دينا يبغض الأصنام، محبا للنصارى، فخرج إلى ناحية الجزيرة، والرها، فنزل في قرية من قرى الرها، فرأى امرأة جميلة، يقال لها: ((هيلانة)) وكانت قد تنصرت على يدي أسقف الرها، وتعلمت قراءة الكتب، فخطبها قسطنطين من أبيها، فزوجه إياها، فحبلت منه، وولدت قسطنطين، فتربى بالرها، وتعلم حكمة اليونان، وكان جميل الوجه، قليل الشر، محبا للحكمة. وكان ((عليانوس)) ملك الروم حينئذ، رجلا فاجرا، شديد البأس، مبغضا للنصارى جدا، كثير القتل فيهم، محبا للنساء، لم يترك للنصارى بنتا جميلة، إلا أفسدها، وكذلك أصحابه. وكان النصارى في جهد جهيد معه، فبلغه خبر قسطنطين، وأنه غلام هاد، قليل الشر، كثير العلم، وأخبره المنجمون، والكهنة، أنه سيملك ملكا عظيما، فهمّ بقتله، فهرب قسطنطين من الرها، ووصل إلى أبيه، فسلم إليه الملك. ثم مات أبوه، وصب الله على ((عليانوس)) أنواعا من البلاء، حتى تعجب الناس مما ناله، ورحمه أعداؤه مما حلّ به، فرجع إلى نفسه، وقال: لعل هذا بسبب ظلم النصارى، فكتب إلى جميع عماله، أن يطلقوا النصارى من الحبوس، وأن يكرموهم، ويسألوهم أن يدعوا له في صلواتهم. فوهب الله له العافية، ورجع إلى أفضل ما كان عليه من الصحة، والقوة، فلما صح وقوي، رجع إلى شر مما كان عليه، وكتب إلى عماله أن يقتلوا النصارى، ولا يدعوا في مملكته نصرانيا، ولا يسكنوا له مدينة، ولا قرية، فكان القتلى يحملون على العجل، ويرمى بهم في البحر، والصحارى. وأما ((قيصر الأخر)) الذي كان معه، فكان شديدا على النصارى، واستعبد من كان برومية من النصارى، ونهب أموالهم، وقتل رجالهم، ونساءهم، وصبيانهم.
أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين قال سعيد بن البطريق: فظهر له على ما يزعم النصارى، نصف النهار في السماء ((صليب)) من كوكب مكتوبا حوله: ((بهذا تغلب)) فقال لأصحابه: رأيتم ما رأيت؟ قالوا: نعم، فآمن حينئذ بالنصرانية، فتجهز لمحاربة قيصر المذكور، وصنع صليبا كبيرا من ذهب، وصيّره على رأس البند، وخرج بأصحابه، فأعطي النصر على قيصر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة. وهرب الملك ومن بقي من أصحابه، فخرج أهل رومية إلى قسطنطين بالأكليل الذهب، وبكل أنواع اللهو، واللعب، فتلقوه، وفرحوا به فرحا عظيما، فلما دخل المدينة أكرم النصارى، وردهم إلى بلادهم بعد النفي، والتشريد، وأقام أهل رومية سبعة أيام، يعيّدون للملك، وللصليب. فلما سمع عليانوس جمع جموعه، وتجهز للقتال مع قسطنطين، فلما وقعت العين في العين، انهزموا، وأخذتهم السيوف، وأفلت عليانوس، فلم يزل من قرية إلى قرية، حتى وصل إلى بلده، فجمع السحرة، والكهنة، والعرافين الذين كان يحبهم، ويقبل منهم، فضرب أعناقهم لئلا يقعوا في يد قسطنطين، وأمر ببناء الكنائس. وأقام في كل بلد من بيت المال الخراج فيما تعمل به أبنية الكنائس، وقام بدين النصرانية، حتى ضرب بجرانه في زمانه، فلما تم له خمس عشر سنة من ملكه، حاج النصارى في أمر المسيح، واضطربوا. فأمر بالمجمع في مدينة نيقية، وهي التي رتبت فيها ((الأمانة)) بعد هذا المجمع، كما سيأتي، فأراد أريوس أن يدخل معهم، فمنعه بترك الإسكندرية، وقال: على أن بطرسا، قال لهم: أن الله لعن أريوس فلا تقبلوه، ولا تدخلوه الكنيسة، وكان على مدينة أسيوط، من عمل مصر أسقف يقول: بقول أريوس، فلعنه أيضا، وكان بالإسكندرية هيكل عظيم، على اسم زحل، وكان فيه صنم من نحاس: يسمى ميكائيل. وكان أهل مصر، والإسكندرية، في اثني عشر يوما من شهر هتور، وهو تشرين الثاني، يعيدون لذلك الصنم عيدا عظيما، ويذبحون له الذبائح الكثيرة، فلما ظهرت النصرانية بالإسكندرية، أراد بتركها أن يكسر الصنم، ويبطل الذبائح له، فامتنع عليه أهلها، فاحتال عليهم بحيلة وقال: لو جعلتم هذا العيد لميكائيل، ملك الله، لكان أولى، فإن هذا الصنم، لا ينفع، ولا يضر)) فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم، وجعل منه صليبا، وسمى الهيكل: كنيسة ميكائيل، فلما منع بترك الإسكندرية أريوس من دخول الكنيسة، ولعنه خرج أريوس مستعديا عليه، ومعه أسقفان فاستغاثوا إلى قسطنطين، وقال أريوس: أنه تعدى علي، وأخرجني من الكنيسة ظلما، وسئل الملك أن يشخص بترك الإسكندرية، يناظره قدام الملك، فوجه قسطنطين برسول إلى الإسكندرية، فأشخص البترك، وجمع بينه وبين أريوس ليناظره. فقال قسطنطين لأريوس: اشرح ((مقالتك)) قال أريوس: أقول أن الأب كان إذا لم يكن الابن، ثم إنه أحدث الابن فكان كلمة له، إلا أنه محدث مخلوق، ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة، فكان هو خالق السموات، والأرض، وما بينهما، كما قال في إنجيله أن يقول: ((وهب لي سلطانا على السماء، والأرض)) فكان هو الخالق لهما بما أعطي من ذلك، ثم إن الكلمة تجسدت من مريم العذراء، ومن روح القدس، فصار ذلك مسيحا واحدا، فالمسيح الآن معنيان: كلمة، وجسد، إلا أنهما جميعا مخلوقان. فأجابه: عند ذلك بترك الإسكندرية، وقال: تخبرنا الآن، أيما أوجب علينا عندك عبادة من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟ قال أريوس: بل عبادة من خلقنا، فقال له البترك: فإن كان خالقنا الابن كما وصفت، وكان الابن مخلوقا، فعادة الابن المخلوق، أوجب من عبادة الأب، الذي ليس بخالق بل تصير عبادة الأب، الذي خلق الابن كفرا، وعبادة الابن المخلوق إيمانا، وذلك من أقبح الأقاويل فاستحسن الملك، وكل من حضر مقالة البترك، وشنع عندهم مقالة أريوس، ودارت بينهما أيضاً مسائل كثيرة، فأمر قسطنطين البترك أن يكفر أريوس، وكل من قال بمقالته، فقال له: بل يوجه الملك بشخص للبتاركة، والأساقفة، حتى يكون لنا مجمع، ونصنع فيه قضية، ويكفر أريوس ويشرح الدين، ويوضحه للناس.
المجمع الثاني: وفيه وضعوا الأمانة قال ابن البطريق: ولما سمع قسطنطين الملك مقالتهم، عجب من ذلك، وأخلى لهم دارا، وتقدم لهم بالإكرام، والضيافة، وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم، لينظر من معه الحق، فيتبعه، فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على دين واحد، ورأى واحد، وناظروا بقية الأساقفة المختلفين، ففلجوا عليهم في المناظرة، وكان باقي الأساقفة مختلفي الآراء، والأديان، فصنع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا مجلسا عظيما، وجلس في وسطه، وأخذ خاتمه، وسيفه، وقضيبه. فدفع ذلك إليهم، وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على المملكة، فاصنعوا ما بدا لكم، وما ينبغي لكم، أن تضيعوا ما فيه قوام الدين، وصلاح الأمة، فباركوا على الملك، وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية، وذب عنه، ووضعوا له أربعين كتابا، فيها السنن، والشرائع، وفيها ما يصلح أن يعمل به الأساقفة، وما يصلح للملك، أن يعمل بما فيها، وكان رئيس القوم، والمجمع، والمقدم فيه بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وأسقف بيت المقدس، ووجه بترك رومية من عنده رجلين، فاتفق الكل على لعن أريوس وأصحابه، ولعنوه، وكل من قال بمقالته. ووضعوا ((الأمانة)) وقالوا: إن الابن مولود من الأب، قبل كون الخلائق، وأن الابن من طبيعة الأب غير مخلوق واتفقوا على أن يكون فصح النصارى يوم الأحد، ليكون بعد فصح اليهود، وأن لا يكون فصح اليهود مع فصحهم، في يوم واحد، ومنعوا أن يكون للأسقف زوجة. وذلك أن الأساقفة منذ وقت الحواريين إلى مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر كان لهم نساء؛ لأنهم كانوا إذا صيروا واحدا أسقفا، وكانت له زوجة ثبتت معه، ولم تتنح عنه ما خلا البتاركة، فإنهم لم يكن لهم نساء، ولا كانوا أيضاً يصيرون أحدا له زوجة بتركا، قال: وانصرفوا مكرمين، محظوظين، وذلك في سبعة عشر سنة من ملك قسطنطين الملك، ومكث بعد ذلك ثلاث سنين.
((أحداها)): كسر الأصنام، وقتل من يعبدها.
ثم اجتمعوا بعد هذا مجمعا عظيما ببيت المقدس، وكان معهم رجل دسه بترك القسطنطينية، وجماعة معه، ليسألوا بترك الإسكندرية، وكان هذا الرجل لما
رجع إلى الملك، أظهر أنه مخالف لأريوس، وكان يرى رأيه، ويقول بمقالته، فقام الرجل، وقال: إن ((أريوس))لم يقل إن المسيح خلق الإنسان، ولكن قال
به خلقت الأشياء، لأنه كلمة الله التي بها خلقت السموات، والأرض، وإنما خلق الله الأشياء بكلمته، ولم تخلق الأشياء كلمته، كما قال المسيح في
الإنجيل: ((كل بيده كان ومن دونه لم يكن شيء)).
قال ابن البطريق: فهذه كانت مقالة أريوس، ولكن الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، تعدوا عليه، وحرفوه ظلما، وعدوانا، فرد عليه بترك الإسكندرية، وقال:
وفي ذلك تكذيب قوله: ((الأب يخلق، وأنا أخلق)).
قالوا: فدل على أنه يحيي، ويخلق، وفي هذا تكذيب لمن زعم أنه ليس بخالق، وإنما خلقت الأشياء به، دون أن يكون خالقا. قال: وأما قول من قال من أصحاب أريوس: أن الأب يريد الشيء فيكونه الابن، والإرادة للأب، والتكوين للابن، فإن ذلك يفسد أيضاّ، إذا كان الابن عنده مخلوقا، فقد صار حظ المخلوق في الخلق أوفى من حظ الخالق فيه، وذلك أن هذا أراد، وفعل، وذلك أراد، ولم يفعل، فهذا أوفر حظا في فعله من ذلك، ولابد لهذا أن يكون في فعله لما يريد ذلك، بمنزلة كل فاعل من الخلق لما يريد الخالق منه، ويكون حكمه كحكمه في الخير والاختيار، فإن كان مجبورا فلا شيء له في الفعل، وإن كان مختارا، فجائز أن يطاع، وجائز أن يعصى، وجائز أن يثاب، وجائز أن يعاقب. وهذا أشنع في القول، ورد عليه أيضاّ وقال: إن كان الخالق إنما خلق خلقه بمخلوق، والمخلوق غير الخالق بلا شك، فقد زعمتم أن الخالق يفعل بغيره، والفاعل بغيره محتاج إلى متمم ليفعل به، إذ كان لا يتم له الفعل إلّا به، والمحتاج إلى غيره منقوص، والخالق متعال عن هذا كله. قال: فلما دحض بترك الإسكندرية، حجج أولئك المخالفين، وظهر لمن حضر بطلان قولهم، وتحيروا، وخجلوا، فوثبوا على بترك الإسكندرية، فضربوه حتى كاد يموت، فخلصه من أيديهم ابن أخت قسطنطين، وهرب بترك الإسكندرية، وصار إلى بيت المقدس، من غير حضور أحد من الأساقفة ثم أصلح دهن الميرون، وقدس الكنائس، ومسحها بدهن الميرون، وسار إلى الملك، فأعلمه الخبر، فصرفه إلى الإسكندرية. قال ابن البطريق: وأمر الملك أن لا يسكن يهودي ببيت المقدس، ولا يجوز بها، ومن لم يتنصر قتل، فظهر دين النصرانية، وتنصر من اليهود خلق، فقيل للملك: إن اليهود يتنصرون من خوف القتل، وهم على دينهم، فقال: كيف لنا أن نعلم ذلك منهم؟ فقال له بولس البترك: إن الخنزير في التوراة حرام، واليهود لا يأكلون لحم الخنزير، فأمر أن تذبح الخنازير، ويطبخ لحومها، ويطعم منها، فمن لم يأكل منه، علم أنه مقيم على دين اليهودية، فقال الملك: إذا كان الخنزير في التوراة حراما، فكيف يحل لنا أن نأكله، ونطعمه الناس؟ فقال له بولس: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة، وجاء بنواميس أخر، وبتوراة جديدة، وهو الإنجيل، وفي إنجيله: أن كل ما يدخل البطن فليس بحرام، ولا نجس، وإنما ينجس الإنسان ما يخرج من فيه. وقال يونس: أن بطرس رئيس الحواريين، بينما هو يصلي في ست ساعات من النهار، وقع عليه سبات، فنظر إلى السماء قد تفتحت، وإذا زاد قد نزل من السماء، حتى بلغ الأرض، وفيه كل ذي أربع قوائم على الأرض، من السباع، والدواب، وغير ذلك من طير السماء، وسمع صوتا يقول له: يا بطرس قم، فاذبح، وكل، فقال بطرس: يا رب ما أكلت شيئا نجسا قط، ولا دنسا قط، فجاء صوت ثان، كل ما طهره الله فليس بنجس. وفي نسخة أخرى: ما طهره الله فلا تنجسه أنت، ثم جاءه الصوت بهذا ثلاث مرات، ثم إن الزاد ارتفع إلى السماء، فتعجب بطرس، وتحير فيما بينه وبين نفسه، فأمر الملك أن تذبح الخنازير، وتطبخ لحومها، وتقطع صغارا، وتصير على أبواب الكنائس، في كل مملكته يوم أحد الفصح، وكل من خرج من الكنيسة، يلقم لقمة من لحم الخنازير، فمن لم يأكل منه، يقتل فقتل لأجل ذلك خلق كثير، ثم هلك قسطنطين. وقام بعده أكبر أولاده، واسمه قسطنطين، وفي أيامه اجتمع أصحاب أريوس، ومن قال بمقالته إليه، فحسنوا لهم دينهم، ومقالتهم، وقالوا: إن الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، الذين كانوا اجتمعوا بنيقية، قد أخطأوا، وحادوا عن الحق، في قولهم: إن الابن متفق مع الأب في الجوهر. فأمر أن لا يقال هذا: فإنه خطأ، فعزم الملك على فعله، فكتب إليه أسقف بيت المقدس: أن لا يقبل قول أصحاب أريوس، فإنهم حائدون عن الحق، وكفار، وقد لعنهم الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، ولعنوا كل من يقول بمقالتهم، فقبل قوله. قال ابن البطريق: وفي ذلك الوقت، أعلنت مقالة أريوس على قسطنطينية، وأنطاكية، والإسكندرية، وفي ثاني سنة من ملك قسطنطين هذا، صار على أنطاكية بترك أريوسي، ثم بعده آخر مثله، قال: وأما أهل مصر، والإسكندرية، وكان أكثرهم أريوسيين، ومانيين، فغلبوا على كنائس مصر، فأخذوها، ووثبوا على بترك الإسكندرية، ليقتلوه، فهرب منهم، واستخفى، ثم ذكر جماعة من البتاركة، والأساقفة من طوائف النصارى، وما جرى لهم مع بعضهم بعضا، وما تعصبت به كل طائقة لبتركها، حتى قتل بعضهم بعضا. واختلف النصارى أشد الاختلاف، وكثرت مقالاتهم، واجتمعوا عدة مجامع، كل مجمع يلعن فيه بعضهم بعضا، ونحن نذكر بعض مجامعهم بعد هذين المجمعين.
المجمع الثالث فإذا قلنا: أن روح الله مخلوق، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة، وإذا قلنا: أن حياته مخلوقة، فقد جعلناه غير حي، وذلك كفر به. فلعنوا جميعهم من يقول بهذه المقالة، ولعنوا جماعة من أساقفتهم، وبتاركتهم، كانوا يقولون بمقالات أخر لم يرتضوها، وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حق، من إله حق، من طبيعة الأب والابن ((ونؤمن بروح القدس، الرب، المحيي، الذي من الأب منبثق، الذي مع الأب، والابن وهو مسجود، وممجد)). وكان في تلك الأمانة، ((وبروح القدس)) فقط، وبينوا أن الابن والأب، وروح القدس، ثلاثة أقانيم، وثلاث وجوه، وثلاث خواص، وأنها وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة، وبينوا أن جسد المسيح بنفس ناطقة عقلية، فأنفض هذا الجمع، وقد لعنوا فيه كثيرا من أساقفتهم، وأشياعهم...
المجمع الرابع فبلغ ذلك بتاركة سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلات، واتفقوا على تخطئته. واجتمع منهم مائتا أسقف في مدينة أفسيس، وأرسلوا إليه للمناظرة، فامتنع ثلاثا مرات، فأجمعوا على لعنه فلعنوه، ونفوه، وبينوا أن مريم ولدت إلها، وأن المسيح إله حق، من إله حق، وهو إنسان، وله طبيعتان، فلما لعنوا نسطورس، تعصب له بترك أنطاكية، فجمع الأساقفة، فلم يزل الملك حتى الذين قدموا معه، وناظرهم، وقطعهم، فتقاتلوا، وتلاعنوا، وجرى بينهم شر، فتفاقم أمرهم. ثم أصلح بينهم، فكتب أولئك صحيفة أن مريم القديسة، ولدت إلها، وهو ربنا يسوع المسيح، الذي هو مع الله في الطبيعة، ومع الناس في الناسوت، وأقروا بطبيعتين، وبوجه واحد، وأقنوم واحد، وأنفذوا لعن نسطورس، فلما لعنوه ونفى، سار إلى مصر، وأقام في أخميم سبع سنين، ومات ودفن بها، وماتت مقالته إلى أن أحياها ابن صرما، مطران نصيبين، وبثها في بلاد المشرق، فأكثر نصارى المشرق، والعراق، ونسطورية، فانفض ذلك المجمع الرابع أيضاً، وقد أطبقوا على لعن نسطوري، وأشياعه، ومن قال بمقالته.
المجمع الخامس فرحل إليه بعض الأساقفة، فناظره، وقطعه، ودحض حجته، ثم صار إلى قسطنطينية، فأخبر بتركها بالمناظرة، وبانقطاعه، فأرسل بترك القسطنطينية إليه فاستحضره، وجمع جمعا عظيماً، وناظره، فقال أوطيسوس: إن قلنا أن المسيح طبيعتين، فقد قلنا: بقول نسطورس، ولكنا نقول: إن المسيح طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد، فلما قبل التجسد زالت عنه، وصار طبيعة وأقنوما واحدا، فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيح طبيعة واحدة، فالطبيعة القديمة، هي الطبيعة المحدثة، وإن كان القديم هو المحدث، فالذي لم يزل، هو الذي لم يكن، ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث، لكان القائم هو القاعد، والحار هو البارد، فأبي أن يرجع عن مقالته، فلعنوه، فاستعدي إلى الملك، وزعم أنهم ظلموه، وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة، للمناظرة، فاستحضر الملك البتاركة، والأساقفة من سائر البلاد، إلى مدينة أفسيس. فثبت بترك الإسكندرية مقالة أوطيسوس، وقطع بتارك القسطنطينية، وأنطاكية، وبيت المقدس، وسائر البتاركة والأساقفة، وكتب إلى بترك رومية، وإلى جماعة الكهنة، فحرمهم ومنعهم من القربان، إن لم يقبلوا مقالة أوطيسوس، ففسدت الأمانة، وصارت مقالة أوطيسوس خاصة بمصر، والإسكندرية، وهو مذهب اليعقوبية، فافترق هذا المجمع الخامس، وكل فريق يلعن الآخر، ويحرمه، ويبرأ من مقالته...
المجمع السادس فأمر الملك باستحضار سائر البتاركة، والمطارنة، والأساقفة، إلى مدينة حلقدون، فاجتمع فيها ستمائة وثلاثون أسقفاً، فنظروا في مقالة أوطيسوس، وبترك الإسكندرية، الذي قطع جميع البتاركة، فأفسد الجميع مقالتهما، ولعنوهما، وأثبتوا: أن المسيح إله، وإنسان في المكان مع الله، باللاهوت، وفي المكان معنا بالناسوت، يعرف بطبيعتين، تام باللاهوت، وتام بالناسوت، ومسيح واحد، وثبتوا أقوال الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، وقبلوا قولهم، بأن الابن مع الله في المكان نور، من نور إله حق، من إله حق، ولعنوا أريوس، وقالوا: إن روح القدس إله، وأن الأب والابن وروح القدس واحد، بطبيعة واحدة، وأقانيم ثلاثة، وثبتوا قول المجمع الثالث في مدينة أفسيس، أعني المائتي أسقف على نسطورس، وقالوا: إن مريم العذراء ولدت إلها، ربنا اليسوع المسيح، الذي هو مع الله بالطبيعة، ومع الناسوت بالطبيعة، وشهدوا أن للمسيح طبيعتين، وأقنوما واحدا، ولعنوا نسطورس، وبترك الإسكندرية، ولعنوا المجمع الثاني، الذي كان بأفسيس، ثم المجمع الثالث، المائتي أسقف بمدينة أفسيس أول مرة. ولعنوا نسطورس، وبين نسطورس إلى مجمع حلقدون أحد وعشرون سنة، فانفض هذا المجمع، وقد لعنوا من مقدميهم، وأساقفتهم، من ذكرنا، وكفروهم، وتبرؤا منهم، ومن قال مقالاتهم..
المجمع السابع فلما بلغ ذلك إيليا بترك بيت المقدس، جمع الرهبان، ولعنوا أنسطاس الملك، وسورس، ومن يقول بمقالتهما، فبلغ ذلك أنسطاس، ونفاه إلى أيلة، وبعث يوحنا، بتركا على بيت المقدس، لأن يوحنا كان قد ضمن له أن يلعن المجمع الحلقدوني الستمائة وثلاثين. فلما قدم إلى بيت المقدس، اجتمع بالرهبان، وقالوا: إياك أن تقبل من سورس، ولكن قاتل عن المجمع الحلقدوني، ونحن معك، فضمن لهم ذلك، وخالف أمر الملك، فبلغ ذلك الملك، فأرسل قائدا، وأمره أن يأخذ يوحنا بطرح المجمع الحلقدوني، فإن يفعل ينفيه عن الكرسي. فقدم القائد، وطرح يوحنا في الحبس، فصار إليه الرهبان في الحبس، وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك، فإذا حضر فليقر بلعنة من لعنة الرهبان، ففعل ذلك، واجتمع الرهبان، وكانوا عشرة آلاف راهب، ومعهم مدرس، وسابا، ورؤساء الديرات، فلعنوا أوطسيوس، وسورس، ومن لا يقبل المجمع الحلقدوني. وفزع رسول الملك من الرهبان، وبلغ ذلك الملك، فهم بنفي يوحنا، فاجتمع الرهبان، والأساقفة، فكتبوا إلى أنسطاس الملك، أنهم لا يقبلون مقالة سورس، ولا أحد من المخالفين، ولو أهريقت دماؤهم، وسألوه أن يكف أذاه عنهم، وكتب بترك رومية إلى الملك، يقبح فعله، ويلعنه، فانفض هذا المجمع أيضاً، وقد تلاعنت فيه هذه الجموع، على ما وصفنا!! وكان لسورس تلميذ، يقال له: يعقوب، يقول بمقالة سورس، وكان يسمى البرادعي، وإليه تنسب ((اليعاقبة)) فأفسد أمانة النصارى ثم مات أنسطاس، وولي قسطنطين، فرد كل من نفاه أنسطاس الملك إلى موضعه، واجتمع الرهبان، وأظهروا كتاب الملك، وعيدوا عيدا حسنا، بزعمهم، وأثبتوا المجمع الحلقدوني بالستمائة وثلاثين أسقفاً، ثم ولي ملك آخر، وكانت اليعقوبية قد غلبوا على الإسكندرية، وقتلوا بتركا لهم، يقال له بولس، كان ملكيا، فأرسل القائد ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية، فدخل الكنيسة في ثياب البترك، وتقدم، وقدس، فرموه بالحجارة، حتى كادوا يقتلونه، فانصرف. ثم أظهر لهم من بعد ثلاثة أيام، أنه قد أتاه كتاب الملك، وضرب الجرس، ليجتمع الناس يوم الأحد في الكنيسة، فلم يبق أحد بالإسكندرية، حتى حضر لسماع كتاب الملك، وقد جعل بينه وبين جنده علامة، إذا رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة، وإلا لن تأمنوا أن يرسل إليكم الملك من يسفك دمائكم. فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه أن يقتل، فأظهر العلامة، فوضعوا السيف على كل من في الكنيسة، فقتل داخلها وخارجها أمم لا تحصى كثرة، حتى خاض الجند في الدماء،. وهرب منهم خلق كثير، وظهرت ((مقالة الملكية)).
المجمع الثامن وقال في ((إنجيله)): لن تأتي الساعة حتى إن كل من في القبور إذا سمعوا قول ابن الله، يجيبوا، فكيف تقولون ليس قيامة؟ ! فأوجب عليهم الخزي، واللعن، وأمر الملك أن يكون لهم مجمع، يلعنون فيه، واستحضر بتاركة البلاد، فاجتمع في هذا المجمع مائة وأربعة وستون أسقف، فلعنوا أسقف منبج، وأسقف المصيصة، وثبتوا على قول أسقف الرها: أن جسد المسيح حقيقة، لا خيال، وإنه إله تام، وإنسان تام، معروف بطبيعتين، ومشيئتين، وفعلين، وأقنوم واحد، وثبتوا المجامع الأربعة، التي قبلهم بعد المجمع الحلقدوني، وإن الدنيا زائلة، وإن القيامة كائنة، وأن المسيح يأتي بمجد عظيم، فيدين الأحياء والأموات، كما قال الثلاثمائة والثمانية عشر..
المجمع التاسع فأرسل إليه يوجه إليه من أفاضل الأساقفة، ليعلم وجه هذه الحجة، ومن الذي كان ابتدأها، لكيما يطرح جميع الآباء القديسين، كل من استحق اللعنة، فبعث إليه مائة وأربعين أسقفا، وثلاث شمامسة، فلما وصلوا إلى قسطنطينية، جمع الملك مائة وثمانية وستين أسقفا، فصاروا ثلاثمائة وثمانية، وأسقطوا الشمامسة في البر طحة. وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية، وبترك أنطاكية، ولم يكن لبيت المقدس، والإسكندرية، بترك فلعنوا من تقدم من القديسين، الذين خالفوهم، وسموهم واحداً واحداً، وهم جماعة، ولعنو أصحاب المشيئة الواحدة، ولما لعنوا هؤلاء، جلسوا فلخصوا الأمانة المستقيمة، بزعمهم فقالوا: ((نؤمن بأن الواحد من اللاهوت، الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية، الدائم المستوي، مع الأب الإله في الجوهر، الذي هو ربنا اليسوع، المسيح، بطبيعتين تامتين، وفعلين، ومشيئتين، في أقنوم واحد، ووجه واحد، يعرف تاما بلاهوته، تاما بناسوته، وشهدت كما شهد مجمع الحلقدونية، على ما سبق أن الإله الابن، في آخر الأيام اتحدا مع العذراء، السيدة مريم القديسة، جسدا إنسانا بنفسين، وذلك برحمة الله تعالى، محب البشر، ولم يلحقه اختلاط، ولا فساد، ولا فرقة، ولا فصل، ولكن هو واحد، يعمل بما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، وما يشبه الإله أن يعمل في طبيعته، الذي هو الابن الوحيد، والكلمة الأزلية، المتجسدة إلى أن صارت في الحقيقة لحما. كما يقول الإنجيل المقدس، من غير أن تنتقل عن محلها الأزلي، وليست يمتغيرة، لكنها بفعلين، ومشيئتين، وطبيعتين، إلهي وأنسي، الذي بهما يكون القول الحق، وكل واحدة من الطبيعتين، تعمل مع شركة صاحبتها، مشيئتين غير متضادتين، ولا متضارعتين، ولكن مع المشيئة الأنسية، في المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء)). هذه شهادتهم، وأمانة المجمع السادس من المجمع الحلقدوني، وثبتوا ما ثبته الخمس مجامع التي كانت قبلهم، ولعنوا من لعنوه، وبين المجمع الخامس إلى هذا المجمع مائة سنة.
المجمع العاشر وقد اشتملت هذه المجامع العشرة المشهورة، على زهاء أربعة عشر ألفا من الأساقفة، والبتاركة، والرهبان، كلهم يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضاً، فدينهم إنما قام على اللعنة، بشهادة بعضهم على بعض، وكل منهم لاعن ملعون. ((لو عرض دين النصرانية، على قوم لم يعرفوا لهم إلها، لا متنعوا من قبوله)) فإذا كانت هذه حال المتقدمين، مع قرب زمنهم، من أيام المسيح، وبقاء أخيارهم فيهم، والدولة دولتهم، والكلمة لهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا، واحتفالهم بأمر دينهم واهتمامهم به كما ترى، ثم هم مع ذلك تائهون، حائرون بين لاعن، وملعون، لا يثبت لهم قدم، ولا يتحصل لهم قول في معرفة معبودهم.
بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه وباح باللعن، والبراءة ممن اتبع سواه، فما الظن بحثالة الماضين، ونفاية الغابرين، وزبالة الحائرين، وذرية
الضالين، وقد طال عليهم الأمد، وبعد العهد، وصار دينهم ما يتلقونه عن الرهبان، وقوم إذا كشفت عنهم، وجدتهم أشبه شيء بالأنعام، وإن كانوا في صور
الأنام.
و هؤلاء هم الذين عناهم الله سبحانه بقوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن
سواء السبيل) ومن أمة الضلال، بشهادة الله ورسوله عليهم، وأمة اللعن بشهادتهم على نفوسهم، بلعن بعضهم بعضا، وقد لعنهم الله سبحانه على لسان
رسوله، في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله اليهود، والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوه))هذا والكتاب واحد، والرب واحد، والنبي
واحد، والدعوى واحدة، وكلهم يتمسك بالمسيح، وإنجيله، وتلاميذه، ثم يختلفون فيه هذا الاختلاف المتباين.
ومنهم من يقول: ابن الله.
فوازن بين هذا، وبين ما جاء به خاتم الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليه وسلامه، تعلم علما يضارع المحسوسات، أو يزيد عليها: إن الدين عند الله
الإسلام.
|