(الفصل الخامس) النصارى آمنوا بمسيح لا وجود له واليهود ينتظرون المسيح وفي قول المسيح في هذه البشارة:((وليس لي من الأمر شيء)) إشارة إلى التوحيد وأن الأمر كله لله، فتضمنت هذه البشارة أصلي الدين: إثبات التوحيد، وإثبات النبوة، وهذا الذي قاله المسيح مطابق لما جاء به أخوه محمد بن عبد الله عن ربه من قوله له :(ليس لك من الأمر شيء) فمن تأمل حال الرسولين الكريمين ودعوتهما وجدهما متوافقين متطابقين حذو القذة بالقذة، وإنه لا يمكن التصديق بأحدهما مع التكذيب بالآخر البتة، وإن المكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد تكذيبا للمسيح الذي هو المسيح ابن مريم، عبد الله ورسوله؛وإن آمن بمسيح لا حقيقة له ولا وجود وهو أبطل الباطل. وقد قال يوحنا في كتاب أخبار الحواريين وهو يسمونه إقراكيس: (أحبابي إياكم أن تؤمنوا بكل روح، لكن ميزوا الأرواح التي من عند الله من غيرها، واعلموا أن كل روح تؤمن بأن يسوع المسيح قد جاء وكان جسدانيا فهي من عند الله، وكل روح لا تؤمن بأن المسيح قد جاء وكان جسدانيا فليست من عند الله، بل من المسيح الكذاب الذي هو الآن في العالم)). فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق، الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، والنصارى إنما تؤمن بمسيح دعى إلى عبادة نفسه وأمه وأنه ثالث ثلاثة وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذاب لو كان له وجود، فإن المسيح الكذاب يزعم أنه الله. والنصارى في الحقيقة أتباع هذا المسيح كما أن اليهود إنما ينتظرون خروجه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي بشروا به، فعوضهم الشيطان بعد مجيئه من الإيمان به انتظارا للمسيح الدجال، وهكذا كل من أعرض عن الحق يعوض عنه بالباطل. ما عوض به إبليس والنصارى وكل مستكبر عن حق وأصل هذا أن إبليس لما أعرض عن السجود لآدم كبرا أن يخضع له تعوض بذلك ذل القيادة لكل فاسق ومجرم من بنيه، فلا بتلك النخوة ولا بهذه الحرفة، والنصارى لما أنفوا أن يكون المسيح عبدا لله تعوضوا من هذه الأنفة بأن رضوا بجعله مصفعة اليهود ومصلوبهم الذي يسخرون منه ويهزؤن به، ثم عقدوا له تاجا من الشوك بدل تاج الملك، وساقوه في حبل إلى خشبة الصلب، يصفقون حوله ويرقصون. فلا بتلك الأنفة له من عبودية الله، ولا بهذه النسبة له إلى أعظم الذل والضيق والقهر، وكذلك أنفوا أن يكون للبترك والراهب زوجة أو ولد، وجعلوا لله رب العالمين الولد، وكذلك أنفوا أن يعبدوا الله وحده لا شريك له ويطيعوا عبده ورسوله. ثم رضوا بعبادة الصليب والصور المصنوعة بالأيدي في الحيطان، وطاعة كل من يحرم عليهم ما شاء، ويحلل لهم ما شاء، ويشرع لهم من الدين ما شاء من تلقاء نفسه. ونظير هذا التعويض أنفة الجهمية أن يكون الله سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائنا من خلقه، حتى لا يكون محصورا بزعمهم في جهة معينة، ثم قالوا: هو في مكان بذاته. فحصروه في الآبار والسجون والأنجاس والأخباث، وعوضوه بهذه الأمكنة عن عرشه المجيد. فليتأمل العاقل لعب الشيطان بعقول هذا الخلق، وضحكه عليهم واستهزاءه بهم!!!
قول المسيح:((إذا انطلقت أرسلته إليكم)) معناه: أني أرسله بدعاء ربي وطلبي منه أن يرسله، كما يطلب الطالب من ولي الأمر أن يرسل رسولا أو أن يولي نائبا أو يعطي أحدا، فيقول: أنا أرسلت هذا ووليته وأعطيته. يعني أني كنت سببا في ذلك؛ فإن الله سبحانه إذا قضى أن يكون الشيء فإنه يقدر له أسبابا يكون بها، ومن تلك الأسباب دعاء بعض عباده بأن يفعل ذلك، فيكون في ذلك من النعمة إجابة دعائه مضافا إلى نعمته بإيجاد ما قضى كونه، ومحمد صلى الله عليه وسلم قد دعا به الخليل أبوه، فقال: مع أن الله سبحانه قد قضى بإرساله، وأعلن باسمه قبل ذلك، كما قيل له: يا رسول الله، متى كنت نبياً؟ فقال: ((وآدم بين الروح والجسد))، وقال: ((إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته)). وهذا كما قضى الله سبحانه نصره يوم بدر، ومن أسباب ذلك استعانته بربه ودعاؤه وابتهاله بالنصر، وكذلك ما يقضيه من إنزال الغيث قد يجعله بسبب ابتهال عباده ودعائهم وتضرعهم إليه، وكذلك ما يقضيه من مغفرة ورحمة وهداية ونصر قد يسبب له أدعية يحصل بها ممن ينال ذلك، أو من غيره، فلا يمتنع أن يكون المسيح سأل ربه بعد صعوده أن يرسل أخاه محمداً إلى العالم، ويكون ذلك من أسباب الرسالة المضافة إلى دعوة أبيه إبراهيم، لكن إبراهيم سأل ربه أن يرسله في الدنيا فلذلك ذكره الله سبحانه، وأما المسيح فإنما سأله بعد رفعه وصعوده إلى السماء. وتأمل قول المسيح: ((إني لست أدعكم أيتاماً لأني سآتيكم عن قريب)) كيف هو مطابق لقول أخيه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليهما، ((ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلا، وإماما مقسطا، فيقتل الخنـزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية)) وأوصى أمته بأن ((يقرئه السلام منه من لقيه منهم)) وفي حديث آخر:((كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. أدلة من التوراة على نبوة محمد
وقد تقدم نص التوراة: ((تجلى الله من طور سينا وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران)) قال علماء الإسلام - وهذا لفظ أبي محمد بن قتيبية - ليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض، لأن مجيء الله من طور سينا إنزاله التوراة على موسى من طور سينا، كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا. قال علماء الإسلام ((وساعير)) جبال بالشام منه ظهور نبوة المسيح، وإلى جانبه قرية بيت لحم، القرية التي ولد فيها المسيح، تسمى اليوم ((ساعير)) ولها جبال تسمى:ساعير، وفي التوراة أن نسل العيص كانوا سكانا بساعير، وأمر الله موسى أن لا يؤذيهم. قال شيخ الإسلام: وعلى هذا فيكون قد ذكر الجبال الثلاثة ((حراء)) الذي ليس حول مكة أعلى منه، وفيه ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه، وحوله جبال كثيرة وذلك المكان يسمى: فاران إلى هذا اليوم. والبرية التي بين مكة وطور سينا تسمى برية فاران، ولا يمكن أحدا أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي، فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على ترتيب الزمان، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل، ثم القرآن، وهذه الكتب نور الله وهداه.
وقال في الأول: ((جاء وظهر)).
فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها، أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين، كما يظهر نور الشمس في مشارق الأرض ومغاربها، إذا استعلنت وتوسطت السماء؛ ولهذا سماه الله (سراجاً منيراً) وسمى الشمس: وقد ذكر الله تعالى هذه الأماكن الثلاثة في قوله: (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين) فالتين والزيتون: هو في الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح، وأنزل عليه فيها الإنجيل. (وطور سنين): وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما، وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة التي فيه، وأقسم بـ (البلد الأمين)وهو مكة التي أسكن إبراهيم وإسماعيل وأمه فيه، وهو فاران كما تقدم. ولما كان ما في التوراة خبرا عن ذلك أخبر به على الترتيب الزماني، فقدم الأسبق، ثم الذي يليه، وأما القرآن فإنه أقسم بها تعظيما لشأنها، وإظهارا لقدرته، وآياته وكتبه ورسله، فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، فبدأ بالعالي ثم انتقل إلى أعلا منه، ثم أعلا منهما فإن أشرف الكتب القرآن، ثم التوراة، ثم الإنجيل، وكذلك الأنبياء. نطق التوراة صراحة بنبوة محمد وهذا الذي ذكره ابن قتيبية وغيره من علماء المسلمين.
من تأمل التوراة وجدها ناطقة به، صريحة فيه، فإن فيها ((وعد إبراهيم فأخذ الغلام، وأخذ خبزا وسقاء من ماء، ودفعه إلى هاجر، وحمله عليها، وقال لها: وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما ربي بمكة، وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت، فعلم قطعا أن ((فاران)) هي أرض مكة. أمثلة من التوراة على صحة نبوة محمد ومثل هذه البشارة من كلام شمعون فيما قبلوه ورضوا ترجمته ((جاء الله من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته)). ولم يخرج أحد من جبال فاران التي امتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته سوى محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن المسيح لم يكن بأرض فاران البتة وموسى، إنما كلم من الطور، والطور ليس من أرض فاران، وإن كانت البرية التي بين مكة الطور تسمى: برية فاران، فلم ينزل الله فيها التوراة، وبشارة التوارة قد تقدمت بجبل الطور، وبشارة الإنجيل بجبل ساعير. ما ذكر في نبوة حتقوق ونظير هذا ما نقلوه ورضوا ترجمته في نبوة حتقوق:((جاء الله من التين، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأنارت الأرض لنوره، وحملت خيله في البحر)). قال ابن قتيبية وزاد فيه بعض أهل الكتاب ((وستنزع في قسيك أعراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء)) وهذا إفصاح باسمه وصفاته، فإن ادعوا أنه غيره، فمن أحمد هذا الذي امتلأت من تحميده، الذي جاء من جبال فاران فملك رقاب الأمم؟ !!.
الوجه السادس : قال المستخرجون لهذه البشارة: معلوم أن يد بني إسماعيل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن فوق أيدي بني إسحاق؛ بل كان في أيدي بني إسحاق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد. ثم خرجوا منها لما بعث موسى وكانوا مع موسى من أعز أهل الأرض، ولم يكن لأحد عليهم يد؛ ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود، وملك سليمان الملك الذي لم يؤت أحدا مثله فلم يكن يد بني إسماعيل عليهم. ثم بعث الله المسيح فكفروا به، وكذبوه، فدمر عليهم تكذيبهم إياه، وزال ملكهم، ولم يقم لهم بعده قائمة، وقطعهم الله في الأرض أمما، وكانوا تحت حكم الروم والفرس وقهرهم، ولم يكن يد ولد إسماعيل عليهم في هذا الحال، ولا كانت فوق يد الجميع. إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم برسالته، وأكرمه الله بنبوته فصارت بمبعثه يد بني إسماعيل فوق يد الجميع، فلم يبق في الأرض سلطان أعز من سلطانهم، بحيث قهروا سلطان فارس والروم والترك والديلم، وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وعباد الأصنام، فظهر بذلك تأويل قوله في التوارة: ((ويكون يده فوق يد الجميع، ويد الكل)) وهذا أمر مستمر إلى آخر الدهر. قالت اليهود: نحن لا ننكر هذا؛ ولكن إن هذه بشارة بملكه وظهوره وقهره لا برسالته ونبوته.
قال المسلمون: الملك ملكان: ملك ليس معه نبوة، بل ملك جبار متسلط، وملك نفسه نبوة؛ والبشارة لم تقع بالملك الأول؛ ولا سيما إن ادعى صاحبه النبوة والرسالة، وهو كاذب مفتر على الله فهو من شر الخلق وأفجرهم وأكفرهم، فهذا لا تقع البشارة بملكه وإنما يقع التحذير من فتنته كما وقع التحذير من فتنة الدجال، بل هذا شر من سنجاريب، وبخت نصر، والملوك الظلمة الفجرة الذين يكذبون على الله. فالأخبار لا تكون بشارة، ولا تفرح به هاجر وإبراهيم، ولا بشر أحد بذلك، ولا يكون ذلك إثابة لها من خضوعها وذلها، وأن الله قد سمع ذلك ويعظم هذا المولود ويجعله لأمة عظيمة، وهذا عند الجاحدين بمنزلة أن يقال: أنك ستلدين جبارا ظالما طاغيا يقهر الناس بالباطل، ويقتل أولياء الله، ويسبي حريمهم، ويأخذ أموالهم بالباطل، ويبدل أديان الأنبياء، ويكذب على الله، ونحو ذلك. فمن حمل هذه البشارة على هذا فهو من أعظم الخلق بهتانا وفرية على الله؛ وليس هذا بمستنكر لأمة اليهود.
الوجه السابع وهذه الصفات إنما تنطبق على سيدنا محمد وأمته، فهم الذين يكبرون الله بأصواتهم مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس، وعلى الأماكن العالية. قال جابر:((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك)) وهم يكبرون الله بأصوات عالية مرتفعة في الأذان، وفي عيد الفطر، وعيد النحر، وفي عشر ذي الحجة، وعقيب الصلوات في أيام منى. وذكر البخاري عن عمر بن الخطاب أنه كان يكبر بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون بتكبيره، فيسمعهم أهل الأسواق فيكبرون، حتى ترتج منى تكبيرا. وكان أبو هريرة وابن عمر يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويكبرون أيضا على قرابينهم وضحاياهم، وعند رمي الجمار، وعلى الصفا والمروة، وعند محاذاة الحجر الأسود، وفي أدبار الصلوات الخمس؛وليس هذا لأحد من الأمم لا أهل الكتاب ولا غيرهم سواهم؛ فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق، والنصارى بالناقوس. وأما تكبير الله بأصوات مرتفعة فشعار محمد بن عبد الله وأمته وقوله:((بأيديهم سيوف ذات شفرتين)) فهي السيوف العربية التي فتح الصحابة بها البلاد، وهي إلى اليوم معروفة لهم، وقوله ((يسبحون على مضاجعهم)) هو نعت للمؤمنين (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم). ومعلوم قطعا أن هذه البشارة لا تنطبق على النصارى ولا تناسبهم؛ فإنهم لا يكبرون الله بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين ينتقم الله بهم من الأمم، والنصارى تعيب من يقاتل الكفار بالسيف؛وفيهم من يجعل هذا من أسباب التنفير عن محمد صلى الله عليه وسلم، ولجهلهم وضلالهم لا يعلمون أن موسى قاتل الكفار، وبعده يوشع بن نون، وبعده داود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، وقبلهم إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الوجه الثامن وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)) وقد أخبر داود أن له ناموسا وشرائع، وخاطبه بلفظ الجبار إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله؛بخلاف المستضعف المقهور، وهو صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، ونبي الملحمة، وأمته أشداء على الكفار رحماء بينهم، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، بخلاف الأذلاء المقهورين المستكبرين، الذين يذلون لأعداء الله، ويتكبرون عن قبول الحق.
الوجه التاسع ولا شك عاقل تدبر أمور الممالك والنبوات وعرف سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة أمته من بعده أن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا عليه، وعلى أمته، لا على المسيح ولا على نبي غيره، فإنه حاز من البحر الرومي إلى البحر الفارسي، ومن لدن الأنهار جيحون وسيحون والفرات إلى منقطع الأرض بالغرب، وهذا مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم:((زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها)). وهو الذي يصلى عليه ويبارك في كل حين، وفي كل صلاة من الصلوات الخمس وغيرها، وهو الذي خرت أهل الجزائر بين يديه: أهل جزيرة العرب، وأهل الجزيرة التي بين الفرات ودجلة، وأهل جزيرة الأندلس، وأهل جزيرة قبرص، وخضعت له ملوك الفرس فلم يبق فيهم إلا من أسلم أو أدى الجزية عن يد وهم صاغرون؛بخلاف ملوك الروم فإن فيهم من لم يسلم ولم يؤد الجزية؛ فلهذا ذكر في البشارة ملوك الفرس خاصة، ودانت له الأمم التي سمعت به وبأمته، فهم بين مؤمن به، ومسالم له، ومنافق معه، وخائف منه، وأنقذ الضعفاء من الجبارين. وهذا بخلاف المسيح فإنه لم يتمكن هذا التمكن في حياته، ولا من اتبعه بعد رفعه إلى السماء، ولا حازوا ما ذكر، ولا يصلون عليه ويباركون في اليوم والليلة؛ فإن القوم يدعون إلاهيته سدس ويصلون له.
الوجه العاشر
الوجه الحادي عشر
الوجه الثاني عشر
الوجه الثالث عشر
الوجه الرابع عشر
الوجه الخامس عشر ثم قال:يا مسكينة يا مضطهدة! ها أنا ذا بانٍ بالحسن حجارتك، ومزاينك بالجواهر، ومكلل باللؤلؤ سقفك، وبالزبرجد أبوابك، وتبعدين من الظلم فلا تخافي، ومن الضعف فلا تضعفي، وكل سلاح يصنعه صانع فلا يعمل فيك، وكل لسان ولغة تقوم معك بالخصومة تفلحين معها، ويسميك الله اسما جديدا -يريد أنه سماها المسجد الحرام -فقومي فأشرقي فإنه قد دنا نورك وقار الله عليك، انظري بعينيك حولك، فإنهم مجتمعون يأتونك بنوك وبناتك عدوا، فحينئذ تسرين وتزوهين، ويخاف عدوك، وليتسع قلبك، وكل غنم قيذار تجتمع إليك، وسادات نباوت يخدمونك)).
((ونباوت)) هم أولاد نبت بن إسماعيل.
الوجه السادس عشر
الوجه السابع عشر ثم قال: ((ويشق البادية مياه وسواق في الأرض الفلاة، ويكون بالفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياه، ويصير هناك محجة وطريق الحرم، لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهل به لا يصل هناك، ولا يكون بها سباع ولا أسد، ويكون هناك ممر المخلصين.
الوجه الثامن عشر
الوجه التاسع عشر
الوجه العشرون
الوجه الحادي والعشرون وبنو قيذار: هم العرب لأن قيذار هو ابن إسماعيل بإجماع الناس، والعلم الذي يرفع هو النبوة، والصفير بهم دعائهم من أقاصي الأرض إلى الحج فإذا هم سراع يأتون، وهذا مطابق لقوله عز وجل:(وأذن في الناس بالحج يأتوك رِجالاً، وعلى كل ضَامِرٍ يأتين من كُلِّ فجٍ عميق).
الوجه الثاني والعشرون وقوله:((ومثل الطيان الذي يدوس برجله الطين)) إما أن يراد به الهرولة بالطواف والسعي، وإما أن يراد به رجال قد كلت أرجلهم من المشي.
الوجه الثالث والعشرون وما أعطيه لا أعطي غيره، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى اللهو، ولا يسمع في الأسواق صوته، ركن للمتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفى ولا يخصم، حتى يثبت في الأرض حجتي، وينقطع به المعذرة)). فمن وجد بهذا الوصف غير محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه؟ !
فلو اجتمع أهل الأرض لم يقدروا أن يذكروا نبيا جمع هذه الأوصاف كلها -وهي باقية في أمته إلى يوم القيامة -غيره لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، فقوله: (عبدي) موافق لقوله في القرآن: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا). وأما صفته صلى الله عليه وسلم في بعض الكتب المتقدمة بأنه ((الضحوك القتال)) فالمراد به:أنه لا يمنعه ضحكه وحسن خلقه إذا كان حدا لله وحقا له، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه، فيعطي كل حال ما يليق بتلك الحال، فترك الضحك بالكلية من الكبر والتجبر وسوء الخلق، وكثرته من الخفة والطيش، والاعتدال بين ذلك.
وقوله:((أنزل عليه روحي)) مطابق لقوله تعالى:(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا). ثم قال: (ولا تقربوا ما اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده) إلى قوله: (ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون)ثم قال:(وإن صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). ووصاياه صلى الله عليه وسلم هي عهوده إلى الأمة بتقوى الله وعبادته وحده لا شريك له، والتمسك بما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه. وقوله:((ولا تسمع صوته)) يعني:ليس بصخاب له فديد كحال من ليس له حلم ولا وقار، وقوله:((يفتح العيون العمي والآذان الصم والقلوب الغلف)) إشارة إلى تكميل مراتب العلم والهدي الحاصل بدعوته في القلوب والأبصار والأسماع، فباينوا بذلك أحوال الصم البكم العمي الذين لهم قلوب لا يعقلون بها. فإن الهدي يصل إلى العبد من هذه الأبواب الثلاثة، وهي مغلقة عن كل أحد لا تفتح إلا على أيدي الرسل، ففتح الله بمحمد صلى الله عليه وسلم الأعين العمى فأبصرت بالله، والآذان الصم فسمعت عن الله، والقلوب الغلف فعقلت عن الله، فانقادت لطاعته عقلا وقولا وعملا، وسلكت سبل مرضاته ذللا. وقوله: ((وما أعطيه فلا أعطي غيره)) مطابق لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء قبلي)) ولقول الملائكة لما ضربوا له المثل: ((لقد أعطي هذا النبي ما لم يعط نبي قبله إن عينيه تنامان وقلبه يقظان)). فمن ذلك أنه بعث إلى الخلق عامة، وختم به ديوان الأنبياء، وأنزل عليه القرآن الذي لم ينزل من السماء كتاب يشبهه ولا يقاربه، وأنزل على قلبه محفوظا متلوا، وضمن له حفظه إلى أن يأتي الله بأمره وأوتي جوامع الكلم، ونصر بالرعب في قلوب أعدائه وبينهما مسيرة شهر، وجعلت صفوف أمته في الصلاة على مثال صفوف الملائكة في السماء. وجعلت الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا، وأسري به إلى أن جاوز السموات السبع، ورأى ما لم يره بشر قبله، ورفع على سائر النبيين، وجعل سيد ولد آدم، وانتشرت دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، واتبعه على دينه أتباع أكثر من أتباع سائر النبيين من عهد نوح إلى المسيح. فأمته ثلثا أهل الجنة، وخصه بالوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة، وبالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وبالشفاعة العظمى التي يتأخر عنها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأعز الله به الحق وأهله عزا لم يعزه بأحد قبله، وأذل به الباطل وحزبه ذلا لم يحصل بأحد قبله. وآتاه من العلم والشجاعة والصبر والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والعبادات القلبية والمعارف الآلهية ما لم يؤته نبي قبله، وجعلت الحسنة منه ومن أمته بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وتجاوز له عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وصلى عليه هو وجميع ملائكته عليهم صلوات الله وسلامه، وأمر عباده المؤمنين كلهم أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه، كما في الخطبة والتشهد والأذان فلا يصح لأحد أذان ولا خطبة ولا صلاة، حتى يشهد أنه عبده ورسوله. ولم يجعل لأحد معه أمرا يطاع لا ممن قبله ولا ممن هو كائن بعده إلى أن تطوى الدنيا ومن عليها، وأغلق أبواب الجنة إلا عمن سلك خلفه واقتدى به، وجعل لواء الحمد بيده فآدم وجميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة، وجعله أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يدخلها فلا يدخلها أحد من الأولين والآخرين إلا بشفاعته. وأعطي من اليقين والإيمان والصبر والثبات والقوة في أمر الله، والعزيمة على تنفيذ أوامره، والرضا عنه، والشكر له، والقنوع في مرضاته، وطاعته ظاهرا وباطنا سرا وعلانية في نفسه، وفي الخلق ما لم يعطه نبي قبله، ومن عرف أحوال العالم وسير الأنبياء وأممهم تبين له أن الأمر فوق ذلك، فإذا كان يوم القيامة ظهر للخلائق من ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر أنه يكون أبدا قوله: ((ولا يضعف ولا يغلب)) هكذا كان حاله صلوات الله وسلامه عليه ما ضعف في ذات الله قط، ولا في حال انفراده وقلة أتباعه وكثرة أعدائه، واجتماع أهل الأرض على حربه؛بل هو أقوى الخلق وأثبتهم جأشا وأشجعهم قلبا، حتى أنه يوم أحد قتل أصحابه وجرحوا وما ضعف ولا استكان؛بل خرج من الغد في طلب عدوه على شدة القرح حتى أرعب منه العدو وكر خاسئا على كثرة عددهم وعُددهم وضعف أصحابه.
وكذلك يوم حنين أفرد عن الناس في نفر يسير دون العشرة والعدو قد أحاطوا به، وهم ألوف مؤلفة، فجعل يثب في العدو، ويقول: ومن تأمل سيرته وحروبه علم أنه لم يطرق العالم أشجع منه ولا أثبت ولا أصبر، وكان أصحابه مع أنهم أشجع الأمم إذا حمى البأس واشتد الحرب اتقوا به وتترسوا به، فكان أقربهم إلى العدو، وأشجعهم هو الذي يكون قريبا منه.
وقوله: ((ولا يميل إلى اللهو)) هكذا كانت سيرته كان أبعد الناس من اللهو واللعب؛بل أمره كله جد وحزم وعزم، مجلسه مجلس حياء وكرم وعلم وإيمان ووقار وسكينة. فالحجة إنما قامت على الخلق بالرسل، وبهم انقطعت المعذرة، فلا يمكن من بلغته دعوتهم وخالفها أن يعتذر إلى الله يوم القيامة إذ ليس له عذر يقبل منه. وهذه البشارة مطابقة لما في صحيح البخاري أنه قيل لعبد الله بن عمرو، أخبرنا ببعض صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: ((إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فافتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله)). وقوله: ((إن هذا في التوراة)) لا يريد به التوراة المعينة التي هي كتاب موسى؛ فإن لفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور يراد به الكتب المعينة تارة، ويراد به الجنس تارة. فيعبر بلفظ القرآن عن الزبور، وبلفظ التوراة عن القرآن، وبلفظ الإنجيل عن القرآن أيضا. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((خفف على داود القرآن فكان ما بين أن تسرج دابته إلى أن يركبها يقرأ القرآن)) فالمراد به قرآنه: وهو الزبور. وكذلك قوله في البشارة التي في التوراة: ((نبيا أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم، أنزل عليه توراة مثل توراة موسى)) وكذلك في صفة أمته صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، ((أناجيلهم في صدورهم))، فقوله: ((أخبرني بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة)) إما أن يريد التوراة المعينة، أو جنس الكتب المتقدمة. وعلى التقديرين فإجابة عبد الله بن عمرو بما هو في التوراة، أي: التي هي أعم من الكتاب المعين، فإن هذا الذي ذكره ليس في التوراة المعينة، بل هو في كتاب أشعيا كما حكيناه عنه. وقد ترجموه أيضا بترجمة أخرى فيها بعض الزيادة: ((عبدي ورسولي الذي سرت به نفسي، أنزل عليه وحيي فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق، يفتح العيون العور، والآذان الصم، ويحي القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطيه أحدا، يحمد الله حمدا جديدا، يأتي به من أقطار الأرض، وتفرح بالبرية وسكانها، يهللون الله على كل شرف، ويكبرونه على كل رابية، لا يضعف، ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى، مشفح، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفى، أثر سلطانه على كتفيه)). وقوله ((مشفح)) بالشين المعجمة والفاء المشددة. بوزن مكرم، وهي لفظة عبرانية مطابقة لاسم محمد معنى ولفظا مقاربا كمطابقة موذ موذ بل أشد مطابقة، ولا يمكن العرب أن يتلفظوا بها بلفظ العبرانية فإنها بين الحاء والهاء، وفتحة الفاء بين الضمة والفتحة، ولا يستريب عالم من علمائهم منصف أنها مطابقة لاسم محمد.
قال أبو محمد ابن قتيبية:((مشفح)) محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شفحالاها إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد شفحا فمشفح محمد
بغير شك، وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: فماذا بعد الحق إلا الضلال، وبعد البصيرة إلا العمى (ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور) فصفات هذا النبي ومخرجه ومبعثه وعلاماته وصفات أمته في كتبهم، يقرؤنها في كنائسهم ويدرسونها في مجالسهم لا ينكرها منهم عالم ولا يأباها جاهل؛ ولكنهم يقولون لم يظهر بعد، وسيظهر ونتبعه.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد. عن عكرمة. وعن سعيد بن جبير. عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال معاذ بن جبل، وبشر بن البراء معرور، وداود بن سلمة: وقال أبو العالية:كان اليهود إذا استنصروا بمحمد على مشركي العرب يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا، حتى يعذب المشركين ويقتلهم، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين). وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن رجال من قومه، قالوا: ومما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه ما كنا نسمع من رجال اليهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدونا به، فبادرناهم إليه فآمنا به،
وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآيات التي في البقرة:
الوجه الرابع والعشرون وقال شعيا أيضا:((إنا سمعنا من أطراف الأرض صوت محمد)) وهذا إفصاح باسمه صلى الله عليه وسلم، فليرنا أهل الكتاب نبيا نصت الأنبياء على اسمه وصفته ونعته وسيرته وصفة أمته وأحوالهم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ !
الوجه الخامس والعشرون ثم قال:((زجرك في الأنهار، واحتدام صوتك في البحار، ركبت الخيول، وعلوت مراكب الأتقياء، وستنزع قسيك أعراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السيل، وتغيرت المهاري تغييرا رفعت أيديها وجلا وخوفا، وسارت العساكر في بريق سهامك ولمعان نيازكك تدوخ الأرض وتدوس الأمم، لأنك ظهرت لخلاص أمتك، وإنقاذ تراث آبائك)). فمن رام صرف هذه البشارة عن محمد فقد رام ستر الشمس بالنهار وتغطية البحار، وأنى يقدر على ذلك وقد وصفه بصفات عينت شخصه وأزالت عن الحيران لبسه؟ ! بل قد صرح باسمه مرتين حتى، انكشف الصبح لمن كان ذا عينين، وأخبر بقوة أمته وسير المنايا أمامهم، واتباع جوارح الطير آثارهم، وهذه النبوة لا تليق إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تصلح إلا له، ولا تنزل إلا عليه. فمن حاول صرفها عنه فقد حاول صرف الأنهار العظيمة عن مجراها، وحبسها عن غايتها ومنتهاها، وهيهات ما يروم المبطلون والجاحدون، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فمن الذي امتلأت الأرض من حمده وحمد أمته لله في صلواتهم وخطبهم وأدبار صلواتهم، وعلى السراء والضراء، وجميع الأحوال سواء؟ ! حتى سماهم الله قبل ظهورهم الحمادين! ومن الذي كان وجهه كأن الشمس والقمر يجريان فيه في ضيائه ونوره؟ !
قد عود الطير عادت وثقن بها شاهده في وجهه ينطق
لو لم يقل إني رسول أما فهن يتعبنه في كل مرتحل ومن الذي سارت المنايا أمامه، وصحبت سباع الطير جنوده، لعلمها بما يقرب من ذبح الكفار لله الواحد القهار؟ !
يتطايرون بقربه قربانهم بدماء من علقوا من الكفار
ومن الذي تضعضعت له الجبال وانخفضت له الروابي، وداس الأمم، ودوخ العالم، انتفضت بنبوته الممالك، وخلص الأمة من الشرك والكفر والجهل والظلم سواه؟ !
الوجه السادس والعشرون
فمن الذي أظهره الله على اليهود حتى قهرهم وأذلهم وأوقع بهم وأنزل عليه كتابا؟ !
الوجه السابع والعشرون
وقال دانيال النبي أيضا حين سأل بخت نصر عن تأويل رؤيا رآها ثم أنسيها:((رأيت أيها الملك صنماً عظيماً قائماً بين يديك، رأسه من ذهب، وساعداه من فضة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من الخزف، فبينا أنت متعجب منه إذ أقبلت صخرة فدقت ذلك الصنم، فتفتت وتلاشى وعاد رفاتا ثم نسفته الرياح وذهب، وتحول ذلك الحجر إنسانا عظيما ملأ الأرض فهذا ما رأيت أيها الملك))، فقال بخت نصر: وأما الرجلان اللذان رأيت من خزف فمملكة ضعيفة، وأما الحجر العظيم الذي رأيته دق الصنم ففتته فهو نبي يقيمه إله الأرض والسماء بشريعة قوية فيدق جميع ملوك الأرض وأممها حتى تمتلئ الأرض منه ومن أمته، ويدوم سلطان ذلك النبي إلى انقضاء الدنيا فهذا تعبير رؤياك أيها الملك. ومعلوم أن هذا منطبق على محمد بن عبد الله حذو القذة بالقذة؛ لا على المسيح ولا على نبي سواه، فهو الذي بعث بشريعة قوية، ودق جميع ملوك الأرض وأممها حتى امتلأت الأرض من أمته، وسلطانه دائم إلى آخر الدهر، لا يقدر أحد أن يزيله كما أزال سلطان اليهود من الأرض، وأزال سلطان النصارى عن خيار الأرض ووسطها فصار في بعض أطرافها، وزال سلطان المجوس وعباد الأصنام وسلطان الصابئين.
الوجه الثامن والعشرون وأنا غير راضٍ عنهم، ولا مقيلهم عثراتهم، فلا يزالون في سخطي حتى أبعث مسيحي ابن العذراء البتول فأختم عليهم عند ذلك باللعن والسخط، فلا يزالون ملعونين عليهم الذلة والمسكنة حتى أبعث نبي بني إسماعيل الذي بشرت به هاجر، وأرسلت إليها ملاكي فبشرها. فأوحى إلى ذلك النبي، وأعلمه الأسماء، وأزينه بالتقوى، وأجعل البر شعاره، والتقوى ضميره، والصدق قوله، والوفاء طبيعته، والقصد سيرته، والرشد سنته، أخصه بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتب، وناسخ لبعض ما فيها. أسري به إليّ، وأرقيه من سماء إلى السماء حتى يعلو فأدينه وأسلم عليه، وأوحى إليه وأرقيه، ثم أرده إلى عبادي بالسرور والغبطة، حافظا لما استودع، صادقا بما أمر، يدعو إلى توحيدي باللين من القول والموعظة الحسنة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالسواق، رؤف بمن والاه، رحيم بمن آمن به، خشن على من عاداه، فيدعو قومه إلى توحيدي وعبادتي، ويخبرهم بما رأى من آياتي، فيكذبونه ويؤذونه)). ثم سرد دانيال قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أملاه عليه الملك حتى وصل آخر أيام أمته بالنفخة وانقضاء الدنيا. وهذه البشارة أيضا عند اليهود والنصارى يقرؤنها ويقرون بها، ويقولون: لم يظهر صاحبها بعد. قال أبو العالية: لما فتح المسلمون تستر، وجدوا دانيال ميتاً، ووجدوا عنده مصحفا، قال أبو العالية: أنا قرأت ذلك المصحف وفيه صفتكم، وأخباركم، وسيرتكم، ولحون كلامكم، وكان أهل الناحية إذا أجدبوا كشفوا عن قبره فيسقون، فكتب أبو موسى الأشعري في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن احفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا وادفنه بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به.
الوجه التاسع والعشرون مولده بكاء، وهجرته طابا، وملكه بالشام، وأمته الحمادون يحمدون الله على كل نجد، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضؤن أطرافهم، ويأتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، ومؤذنهم في جو السماء، وصفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، رهبان بالليل، أسد بالنهار، ولهم دوي كدوي النحل، يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم ولو على كناسة)).
الوجه الثلاثون
الوجه الثاني والثلاثون فلو قد جاء المنجمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القسط فهو شهيد عليّ وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي، هذا قولي لكم لكيلا تشكوا إذا جاء)). ((والمنجمنا)) بالسريانية، وتفسيره بالرومية: بالبارقليط، وهو بالعبرانية: الحماد والمحمود والحمد كما تقدم.
الوجه الثالث والثلاثون ((وسأبعث إليكم أنبياء وعلماء، تقتلون منهم، وتصلبون، وتجلدون، وتطلبونهم من مدينة إلى أخرى، لتتكامل عليكم دماء لمؤمنين المهرقة على الأرض من دم هابيل، والصالح إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه عند المذبح، إنه سيأتي جميع ما وصفت على هذه الأمة يا أورشليم التي تقتل الأنبياء وترجم من بعث إليك، قد أردت أن أجمع بنيك كجمع الدجاجة فراريخها تحت جناحها وكرهت أنت ذلك، سأقفر عليكم بيتكم، وأنا أقول لا تروني الآن حتى يأتي من يقولون له مبارك، يأتي على اسم الله)). فأخبرهم المسيح أنهم لابد أن يستوفوا الصاع الذي قدر لهم، وأنه سيقفر عليهم بيتهم أي يخليه منهم، وأنه يذهب عنهم فلا يرونه حتى يأتي المبارك الذي يأتي على اسم الله، فهو الذي انتقم بعده لدماء المؤمنين.
وهذا نظير قوله في الموضع الآخر:((إن خيرا لكم أن أذهب عنكم حتى يأتيكم الفارقليط، فإنه لا يجيء ما لم أذهب)).
الوجه الرابع والثلاثون وهذه بشارة بمجيء الله سبحانه الذي هو ((أيل)) بالعبرانية، ومجيئه هو مجيء رسوله وكتابه ودينه، كما في التوراة:((جاء الله من طور سيناء)). قال بعض النصارى: إنما بشر بإلياس النبي؛ وهذا لا ينكر من جهل أمة الضلال، وعباد خشبة الصليب التي نحتتها أيدي اليهود؛ فإن إلياس قد تقدم إرساله على المسيح بدهور متطاولة.
الوجه الخامس والثلاثون
ولم يدع المسيح أنه رسول إلى جميع أجناس أهل الأرض؛ فإن الأنبياء من عهد موسى إلى المسيح إنما كانوا يبعثون إلى قومهم؛ بل عندهم في الإنجيل أن
المسيح قال للحواريين:
الوجه السادس والثلاثون وهذه صفة محمد ومن ناوأه وحاربه من الناس لا تنطبق على أحد بعد المسيح سواه.
الوجه السابع والثلاثون
الوجه الثامن والثلاثون وهذا تصريح لا تلويح به صلى الله عليه وسلم، وببلده وهي مكة العطشى المهملة من النبوة قبله من عهد إسماعيل.
الوجه التاسع والثلاثون وفي التوراة ما يشبه هذا.
وهذا تصريح بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الذين اتبعوه بعد موته أضعاف أضعاف الذين اتبعوه في حياته، وهذه دعوته قد مرت عليها
القرون من السنين، وهي باقية مستمرة وكذلك إلى آخر الدهر، ولم يقع هذا لملك قط فضلا عن كذاب مفتر على الله وأنبيائه، مفسد للعالم، مغير لدعوة
الرسل، ومن ظن هذا بالله فقد ظن به أسوأ الظن، وقدح في علمه، وقدرته وحكمته.
|