(الفصل الثامن) التغيير في ألفاظ الكتب
فلنرجع إلى الجواب على طريق من يقول:((إنهم غيروا ألفاظ الكتب وزادوا ونقصوا)) كما أجبنا على طريق من يقول:((إنما غيروا معانيها وتأولوها على
غير تأويلها)).
المناقضات في الإنجيل وقال في موضع آخر:((إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئت وإلى أين أذهب)). وفيه أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال:((قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول؟ ! يا أبتاه، سلمني من هذا الوقت، وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما، وقال: يا إلهي!لم أسلمتني؟ !)).
فكيف يجتمع هذا مع قولكم: إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه، ويقتلوه، رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم، ونوحا، وإبراهيم، وموسى، وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس؟ !!
وفيه أيضا: ((أن اليهود سألته أن يظهر لهم برهانا أنه المسيح فقال: تهدمون هذا البيت - يعني بيت المقدس - وأبنيه لكم في ثلاثة أيام، فقالوا له: بيت
مبني في خمس وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام)).
فيالله العجب كيف يدعي أن تلك المعجزة والقدرة له ويدعي أن الشاهدين عليه بها شاهدا زور؟ !!
وقال في إنجيل متى في هذه القصة:((أنها كانت حمارة متبعة)).
هذا في إنجيل متى، وفي إنجيل يوحنا؟ ! ((أن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره، فسألوه من هو، أهو المسيح؟ قال: لا، قالوا: نراك إلياس؟ قال: تواطؤ اليهود والنصارى على تغيير بعض النسخ غير ممتنع من مثالب النصارى والمقصود أن هذا الاضطراب في ((الإنجيل)) يشهد بأن التغيير وقع فيه قطعا، ولا يمكن أن يكون ذلك من عند الله؛ بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدل على أن ذلك الاختلاف من عند غير الله، وأنت إذا اعتبرت نسخه ونسخ التوراة التي بأيدي اليهود، والسامرة، والنصارى، رأيتها مختلفة اختلافا يقطع من وقف عليه بأنه من جهة التغيير والتبديل، وكذلك نسخ ((الزبور)) مختلفة جدا. ومن المعلوم أن نسخ التوراة والإنجيل إنما هي عند رؤساء اليهود والنصارى، وليست عند عامتهم، ولا يحفظونها في صدورهم كحفظ المسلمين للقرآن، ولا يمتنع على الجماعة القليلة التواطؤ على تغيير بعض النسخ، ولا سيما إذا كان بقيتهم لا يحفظونها، فإذا قصد طائفة منهم تغيير نسخة أو نسخ عندهم أمكن ذلك، ثم إذا تواطؤا على أن لا يذكروا ذلك لعوامهم وأتباعهم أمكن ذلك. وهذا واقع في العالم كثيرا، فهؤلاء اليهود تواطئوا وتواصوا بكتمان نبوة المسيح، وجحد البشارة به، وتحريفها، واشتهر ذلك بين طائفتهم في الأرض مشارقها ومغاربها، وكذلك تواطئوا على أنه كان طبيبا ساحرا ممخرقا ابن زانية، وتواصوا به مع رؤيتهم الآيات الباهرات التي أرسل بها، وعلمهم أنه أبعد خلق الله مما رمي به، وشاع ما تواطئوا عليه، وملؤا به كتبهم شرقا وغربا. وكذلك تواطئوا على أن لوطا نكح ابنتيه وأولدهما أولادا، وشاع ذلك فيهم جميعهم، وتواطئوا على أن الله ندم وبكى على الطوفان وعض أنامله، وصارع يعقوب فصرعه يعقوب، وأنه راقد عنهم، وأنهم يسألونه أن ينتبه من رقدته وشاع ذلك في جميعهم. وكذلك تواطئوا على فصول لفقوها بعد زاول مملكتهم يصلون بها لم تعرف عن موسى، ولا عن أحد من أتباعه، كقولهم في صلاتهم:((اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك، يا جامع تشتيت قوم إسرائيل)). وقولهم فيها: ((أردد حكامنا منا كالأولين، وسيرتنا كالابتداء، وابن أورشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا ببنائها، سبحانك، يا باني أورشليم)) ولم يكن موسى وقومه يقولون في صلاتهم شيئا من ذلك، وكذلك تواطؤهم على قولهم في صلاتهم أول العام ما حكيناه عنهم. وكذلك تواطؤهم على شرع صوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا، وفرضهم ذلك، وصوم صلب هامان، وقد اعترفوا بأنهم زادوها لأسباب اقتضتها، وتواطؤا بذلك على مخالفة ما نصت عليه التوراة من قوله: ((لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا)) فتواطؤا على الزيادة والنقصان، وتبديل أحكام الله، كما تواطؤا على تعطيل فريضة الرجم على الزاني وهو في التوراة نصا. وكذلك تواطؤهم على امتناع النسخ على الله فيما شرعه لعبادة تمسكا منهم باليهودية، وقد أكذبتهم التوراة وسائر النبوات.
ومن العجائب: حجرهم على الله أن ينسخ ما شرعه لئلا يلزم البداء، ثم يقولون: أنه ندم وبكي على الطوفان، وعاد في رأيه، وندم على خلق الإنسان، وهذه
مضارعة لإخوانهم من النصارى الذين نزهوا رهبانهم عن الصاحبة والولد، ثم نسبوهما إلى الفرد الصمد. فكيف ينكر من طائفة تواطأت على تكذيب المسيح، وجحد نبوته، وبهته وبهت أمه، والكذب الصريح على الله، وعلى أنبيائه، وتعطيل أحكام الله، والاستبدال بها، وعلى قتلهم أنبياء الله أن تتواطأ على تحريف بعض التوراة، وكتمان نعت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته فيها.
إقامة الحجة على أهل الكتاب فلا إله إلا الله الذي أبرز للوجود مثل هذه الأمة ... وخلى بينهم وبين سبه وشتمه، وتكذيب عبده ورسوله، ومعاداة حزبه وأوليائه، وموالاة الشيطان، والتعوض بعبادة الصور والصلبان عن عبادة الرحمن الرحيم.
وعن قول "الله أكبر" بالتصليب على الوجه، وعن قراءة (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) بـ (اللهم أعطنا خبزنا الملائم لنا)، وعن
السجود للواحد القهار، بالسجود للصور المدهونة في الحائط بالأحمر والأصفر واللازورد. قول السائل: هل أتى ابن سلام... بالنسخ الصحيحة؟
الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة
(أحدها) وقالوا: ليس هو الذي كنا نعدهم به، فالعلم بنبوة محمد، والمسيح، وموسى صلوات الله وسلامه عليهم، لا يتوقف على العلم بأن من قبلهم أخبر بهم، وبشر بنبوتهم، بل طرق العلم بها متعددة فإذا عرفت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق من الطرق ثبتت نبوته، ووجب اتباعه، وإن لم يكن من قبله بشر به، فإذا علمت نبوته بما قام عليها من البراهين: فإما أن يكون تبشير من قبله به لازما لنبوته، وإما أن لا يكون لازما، فإن لم يكن لازما لم يجب وقوعه، ولا يتوقف تصديق النبي عليه بل يجب تصديقه بدونه، وإن كان لازما علم قطعا أنه قد وقع، وعدم نقله إلينا لا يدل على عدم وقوعه إذ لا يلزم من وجود الشيء نقله العام، ولا الخاص. وليس كلما أخبر به موسى والمسيح، وغيرهما من الأنبياء المتقدمين وصل إلينا وهذا مما يعلم، بالاضطرار فلو قدر أن البشارة بنبوته صلى الله عليه وسلم ليست في الكتب الموجودة بأيديكم لم يلزم أن لا يكون المسيح وغيره بشروا به، بل قد يبشرون ولا ينقل. ويمكن أن يكون في كتب غير هذه المشهورة المتداولة بينكم، فلم يزل عند كل أمة كتب لا يطلع عليها إلا بعض خاصتهم فضلا عن جميع عامتهم، ويمكن أنه كان في بعضها فأزيل منه وبدل ونسخت النسخ من هذه التي قد غيرت، واشتهرت بحيث لا يعرف غيرها، وأخفي أمر تلك النسخ الأولى. وهذا كله ممكن، لا سيما من الأمة التي تواطأت على تبديل دين نبيها وشريعته، هذه كله على تقدير عدم البشارة به في شيء من كتبهم أصلا. ونحن قد ذكرنا من البشارات به التي في كتبهم ما لا يمكن لمن له أدنى معرفة منهم جحده والمكابرة فيه، وإن أمكنهم المغالطة بالتأويل عند رعاعهم وجهالهم.
(الوجه الثاني) كما إذا شهد على رجل شاهد عند الحاكم، فسأله عنه فعدله، وقال: إنه مقبول الشهادة عدل، رضي لا يشهد إلا بالحق، وشهادته جائزة علي، فلما أدى الشهادة قال: إنه كاذب شاهد زور، ومعلوم أن هذا لا يقدح في شهادته. وأما كعب الأحبار فقد ملأ الدنيا من الأخبار بما في النبوات المتقدمة من البشارة به، وصرح بها بين أظهر المسلمين، واليهود، والنصارى، وأذن بها على رؤوس الملأ، وصدقه مسلموا أهل الكتاب عليها، وأقروه على ما أخبر به، وأنه كان أوسعهم علما بما في كتب الأنبياء. وقد كان الصحابة يمتحنون ما ينقله، ويزنونه بما يعرفون صحته، فيعلمون أصدقه، وشهدوا له بأنه أصدق الذين يحكون لهم عن أهل الكتاب، أو من أصدقهم. ونحن اليوم ننوب عن عبد الله بن سلام، وقد أوجدنا كم هذه البشارات في كتبكم، فهي شاهدة لنا عليكم، والكتب بأيديكم فأتوا بها فاتلوها إن كنتم صادقين، وعندنا ممن وفقه الله للإسلام منكم من يواقفكم، ويقابلكم، ويحاققكم عليها، وإلا فاشهدوا على أنفسكم بما شهد الله، وملائكته، وأنبيائه، ورسله، وعباده المؤمنون به، عليكم من الكفر والتكذيب، والجحد للحق، ومعاداة الله ورسوله.
(الوجه الثالث) وقد صرح أسلافكم الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاينوه، أنه رسول حقا، وأنه المبشر به، الموعود به، على ألسنة الأنبياء المتقدمين، وقال من قال منهم في وجهه: نشهد أنك نبي فقال: ((ما يمنعك من اتباعي))؟ قال: إنا نخاف أن يقتلنا يهود. وقد قال تعالى: (إن الذي حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)، وقد جاءكم بآيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر، بحيث أن كل آية منها يصلح أن يؤمن على مثلها البشر، فما زادكم ذلك إلا نفورا، وتكذيبا، وإباء لقبول الحق، فلو نزل الله إليكم ملائكته، وكلمكم الموتى، وشهد له بالنبوة كل رطب ويابس، لغلبت عليكم الشقوة وصرتم إلى ما سبق لكم في أم الكتاب.
وقد رأى من كان أعقل منكم وأبعد من الحسد من آيات الأنبياء ما رأوا، وما زادهم ذلك إلا تكذيبا وعنادا، فأسلافكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم،
لا يحصيهم إلا الله حتى كأنكم تواصيتم بذلك أوصى به الأول للآخر، واقتدى فيه الآخر بالأول قال تعالى: وسنذكر منها بعد الفراغ من الأجوبة طرفاً يقطع المعذرة، ويقيم الحجة والله المستعان.
الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين
(أحدها)
(الثاني)
(الثالث)
(الرابع)
فلو كان عبد الله بن سلام ممن يؤثر عرض الدنيا، والرياسة، لفعل كما فعله اليهود، وهكذا شأن من أسلم من اليهود حينئذ، وأما المتخلفون فكثير منهم
صرح بغرضه لخاصته وعامته، وقال: إن هؤلاء القوم قد عظمونا ورأسونا، ومولونا فلو اتبعناه لنزعوا ذلك كله منا، وهذا قد رأيناه نحن في زماننا،
وشاهدناه عيانا، ولقد ناظرت بعض علماء النصارى معظم يوم، فلما تبين له الحق بهت، فقلت له وأنا وهو خاليين: ما يمنعك الآن من اتباع الحق؟ فقلت: هذا لا يكون، وكيف تظن بالله أنك إذا آثرت رضاه على هواك يخزيك، ويذلك، ويحوجك؟ !
ولو فرضنا أن ذلك أصابك فما ظفرت به من الحق، والنجاة من النار، ومن سخط الله وغضبه، فيه أتم العوض عما فاتك! فقال: حتى يأذن الله، فقلت:
(الخامس) |