هداية الحيارى لأجوبة اليهود والنصارى

الفصل الثالث (المذكور في كتبهم غالبا وهو أبلغ من الاسم) :

قال السائل:((مشهور عندكم في الكتاب والسنة أن نبيكم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل لكنهم محوه عنهما لسبب الرياسة والمأكلة، والعقل يستشكل ذلك، أفكلهم اتفقوا على محو اسمه من الكتب المنزلة من ربهم شرقا وغربا وجنوبا وشمالا؟
هذا أمر يستشكله العقل أعظم من نفيهم بألسنتهم لأنه يمكن الرجوع عما قالوا بألسنتهم، والرجوع عما محوا ((أبعد)).

والجواب:إن هذا السؤال مبني على فهم فاسد، وهو أن المسلمين يعتقدون أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم الصريح وهو محمد بالعربية مذكور في التوراة والإنجيل، وهما اسم النبي صلى الله عليه وسلم الصريح وهو محمد بالعربية.

التوراة والإنجيل:وهما الكتابان المتضمنان لشريعتين وأن المسلمين يعتقدون أن اليهود والنصارى في جميع أقطار الأرض محوا ذلك الاسم، وأسقطوه جملة من الكتابين، وتواصوا بذلك بعدا وقربا وشرقا وغربا، وهذا لم يقله عالم من علماء المسلمين، ولا أخبر الله سبحانه به في كتابه عنهم، ولا رسوله، ولا بكتهم به يوما من الدهر، ولا قاله أحد من الصحابة ولا الأئمة بعدهم، ولا علماء التفسير، ولا المعتنون بأخبار الأمم وتواريخهم، وإن قدر أنه قاله بعض عوام المسلمين يقصد به نصر الرسول فقد قيل:يضر الصديق الجاهل أكثر مما يضر العدو العاقل.

وإنما أتي هؤلاء من قلة فهم القرآن، وظنوا أن قوله تعالى:(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر)، دل على الاسم الخاص بالعربية في التوراة والإنجيل المخصوصين وإن ذلك لم يوجد البتة، فهذه ثلاث مقامات:
((أما المقام الأول)): فالرب سبحانه إنما أخبر عن كون رسوله مكتوبا عندهم، أي:الإخبار عنه وصفته ومخرجه ونعته، ولم يخبر بأن صريح اسمه العربي مذكور عندهم في التوراة والإنجيل.

وهذا واقع في الكتابين كما سنذكر ألفاظهما إن شاء الله.

وهذا أبلغ من ذكره بمجرد اسمه، فإن الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل التعريف والتمييز، ولا يشاء أحد يسمى بهذا الاسم أن يدعي أنه هو إلا فعل؛إذ الحوالة إنما وقعت على مجرد الاسم، وهذا لا يحصل به بيان ولا تعريف ولا هدى؛ بخلاف ذكره بنعته وصفته وعلاماته ودعوته وصفة أمته ووقت مخرجه، ونحو ذلك فإن هذا يعينه ويميزه ويحصر نوعه في شخصه، وهذا القدر مذكور في التوراة والإنجيل، وغيرهما من النبوات التي بأيدي أهل الكتاب كما سنذكرها ويدل عليه وجوه:
((الوجه الأول)):أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على تصديقه واتباعه وإقامة الحجة على من خالفه وجحد نبوته، ولا سيما أهل العلم والكتاب، فإن الاستدلال عليهم بما يعلمون بطلانه قطعا لا يفعله عاقل.

وهو بمنزلة من يقول: لرجل علامة صدقي أنك فلان ابن فلان وصنعتك كيت وكيت وتعرف بكيت وكيت ولم يكن الأمر كذلك بل بضده.

فهذا لا يصدر ممن له مسكة عقل، ولا يصدقه أحد على ذلك، ولا يتبعه أحد على ذلك، بل ينفر العقلاء كلهم عن تصديقه واتباعه، والعادة تحيل سكوتهم عن الطعن عليه والرد والتهجين لقوله.

ومن المعلوم بالضرورة أن محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه نادى معلنا في هاتين الأمتين اللتين هما أعلم الأمم في الأرض قبل مبعثه بأن ذكره ونعته وصفته بعينه عندهم في كتبهم، وهو يتلو ذلك عليهم ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، في كل مجمع، وفي كل ناد يدعوهم بذلك إلى تصديقه والإيمان به، فمنهم من يصدق ويؤمن به، ويخبر بما في كتبهم من نعته وصفته وذكره كما سيمر بك إن شاء الله.

وغاية المكذب الجاحد أن يقول:هذا النعت والوصف حق ولكن لست أنت المراد به بل نبي آخر، وهذا غاية ما يمكنه من المكابرة، ولم تجد عليه هذه المكابرة إلا كشفه عورته وإبدائه الفضيحة بالكذب والبهتان، فالصفات والنعوت والعلامات المذكورة عندهم منطبقة عليه حذو القذة بالقذة، بحيث لا يشك من عرفها ورآه أنه هو.

كما عرفه قيصر وسلمان بتلك العلامات المذكورات التي كانت عنده من بعض علمائه.

وكذلك هرقل عرف نبوته بما وصف له من العلامات التي سأل عنها أبا سفيان، فطابقت ما عنده، فقال: إن يكن ما تقول حقا فإنه نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين.

وكذلك من قدمنا ذكرهم من الأحبار والرهبان الذين عرفوه بنعته وصفته كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى:(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون).

وقال في موضع آخر:(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون).

ومعلوم أن هذه المعرفة إنما هي بالنعت والصفة المكتوبة عندهم التي هي منطبقة عليه، كما قال بعض المؤمنين منهم:والله لأحدنا أعرف به من ابنه، إن أحدنا ليخرج من عند امرأته وما يدري ما يحدث بعده.

ولهذا أثنى الله سبحانه على من عرف الحق منهم، ولم يستكبر عن اتباعه، فقال: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا:إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون:ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، فأثابهم الله بما قالوا:جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم).

قال ابن عباس: لما حضر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي النجاشي، وقرءا القرآن، سمع ذلك القسيسون والرهبان، فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فقال الله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون)، الآيات.

وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي من خيار أصحابه ثمانين رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم القرآن فبكوا ورقوا، وقالوا: نعرف والله، فأسلموا وذهبوا إلى النجاشي، فأخبروه، فأسلم، فأنزل الله فيهم (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) الآيات.

وقال السدي: كانوا اثني عشر رجلا: سبعة من القسيسين، وخمسة من الرهبان، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بكوا وقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).

قال ابن عباس: هم محمد وأمته، وهم القوم الصالحون الذين طمعوا أن يدخلهم الله فيهم، والمقصود: أن هؤلاء الذي عرفوا أنه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة إلى الإيمان.

ونظير هذا قوله سبحانه: (قل آمنوا به أولا تؤمنوا إن الذين أتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا).

قال إمام التفسير مجاهد: هم قوم من أهل الكتاب لما سمعوا القرآن خروا سجدا، وقالوا: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) كان الله عز وجل وعد على ألسنة أنبيائه ورسله أن يبعث في آخر الزمان نبيا عظيم الشأن، يظهر دينه على الدين كله، وتنتشر دعوته في أقطار الأرض، وعلى رأس أمته تقوم الساعة.

وأهل الكتابين مجمعون على أن الله وعدهم بهذا النبي، فالسعداء منهم عرفوا الحق فآمنوا به واتبعوه، والأشقياء قالوا: نحن ننتظره ولم يبعث بعد رسولا، فالسعداء لما سمعوا القرآن من الرسول عرفوا أنه النبي الموعود به فخروا سجدا لله إيمانا به وبرسوله، وتصديقا بوعده الذي أنجزه، فرأوه عيانا، فقالوا:(سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا).

وذكر يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس: وكان نصرانيا، فأسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران:
((بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران، وأهل نجران، (سلم أنتم) أني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد:
فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام))، فلما أتي الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وزعره ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل عمان، يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إلى معضلة قبله.

فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شرحبيل، فقرأه، فقال الأسقف: ما رأيك يا أبا مريم؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما نأمن من أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان أمر من الدنيا أشرت عليك فيه برأي وجهدت لك. فقال الأسقف: تنح فاجلس، فتنحي فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران، يقال له: عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل، فأمره الأسقف فتنحى.

ثم بعث إلى رجل من أهل نجران، يقال له: جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب، فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل، وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى ناحية.

فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس، فضرب به، ورفعت المسوح بالصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلاً ضرب بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع.

فاجتمع أهل الوادي أعلاه وأسفله وطوله مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاثة وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانطلق الوفد، حتى إذا كانوا في بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب.

فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفة لهم، كانا يبعثان العير إلى نجران في الجاهلية، فيشترى لهما من برها وتمرها فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا:
يا عثمان، ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، فتصدينا لكلامه نهارا طويلا، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أنعود أم نرجع إليه؟

فقالا لعلي بن آبي طالب: وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان و عبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودون إليه، ففعل وفد نجران ذلك، ووضعوا حللهم وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم، ثم قال:
((والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى، وإن إبليس لمعهم))، ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى، فإنا نحب أن نعلم ما تقول فيه، فأنزل الله عز وجل:(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم، ونسائنا ونسائكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، فأبوا أن يقروا بذلك.

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له، وفاطمة تمشي عند ظهره إلى الملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه:
يا عبد الله بن شرحبيل، ويا جبار بن فيض، لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله، لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرا مقبلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا فكنا أول العرب طعن في عينه، ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور قومه حتى يصيبنا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلاً فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعرة، ولا ظفر، إلا هلك، فقال له صاحباه:
فما الرأي يا أبا مريم؟ فقد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك، فقال:
رأيي أن أحكمه، فإني أرى الرجل لا يحكم شططا أبدا، فقالا له: أنت وذاك، فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك، فقال:
((وما هو))، قال شرحبيل:
حكمتك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعل وراءك أحداً يثرب عليك)) فقال له شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما نرد الموارد، ولا نصدر المصادر، إلا عن رأي شرحبيل.

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم، حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم كتاب صلح وموادعه، فقبضوا كتابهم وانصرفوا إلى نجران، فتلقاهم الأسقف، ووجوه نجران على مسيرة ليله من نجران، ومع الأسقف أخ له من أمه، وهو ابن عمه من النسب، يقال له أبو علقمة.

فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأسقف، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران، إذ كبت بأبي علقمة ناقته فتعس، غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال له الأسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا، فقال له أبو علقمة: لا جرم والله، لا أحل عنها عقدا حتى آتيه فضرب، وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقف ناقته عليه، فقال له: إفهم عني، إنما قلت هذا مخافة أن يبلغ عني العرب أنا أُخذنا حمقة، أو نجعنا لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له أبو علقمة: والله لا أقيلك ما خرج من رأسك أبدا، ثم ضرب ناقته، يقول:

إليك تعدوا قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها

مخالفا دين النصارى دينها

اثنا عشر وجها تدل على أنه مذكور في الكتب المنزلة

حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل معه حتى استشهد بعد ذلك.

وإذا عرف هذا فالعلم بأنه صلى الله عليه وسلم مذكور في الكتب المتقدمة يعرف من وجوه متعددة.

((أحدها)):
إخبار من قد ثبتت نبوته قطعا بأنه مذكور عندهم في كتبهم، فقد أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه فيجب تصديقه فيه، إذ تكذيبه والحالة هذه ممتنع لذاته، هذا لو لم يعلم ذلك إلا من مجرد خبره فكيف إذا تطابقت الأدلة على صحة ما أخبر به.

((الثاني)):
أنه جعل الإخبار به من أعظم أدلة صدقه وصحة نبوته، وهذا يستحيل أن يصدر إلا من واثق كل الوثوق بذلك، وأنه على يقين جازم به.

((الثالث)):
أن المؤمنين به من الأحبار والرهبان الذين أثروا الحق على الباطل صدقوه في ذلك، وشهدوا له بما قال.

((الرابع)):
أن المكذبين والجاحدين لنبوته لم يمكنهم إنكار البشارة والإخبار بنبوة نبي عظيم الشأن صفته كذا وكذا، وصفة أمته ومخرجه وشأنه، لكن جحدوا أن يكون هو الذي وقعت به البشارة، وأنه نبي آخر غيره، وعلموا هم والمؤمنون به من قومهم أنهم ركبوا متن المكابرة، وامتطوا غارب البهت.

((الخامس)):
أن كثيرا منهم صرح لخاصته وبطانته بأنه هو هو بعينه، وأنه عازم على عداوته ما بقي، كما تقدم.

((السادس)):
إن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مذكور في كتبهم هو فرد من أفراد إخباراته بما عندهم في كتبهم من شأن أنبيائهم وقومهم، وما جرى لهم، وقصص الأنبياء المتقدمين وأممهم، وشأن المبدأ والمعاد، وغير ذلك، مما أخبرت به الأنبياء.

وكل ذلك مما يعلمون صدقه فيه ومطابقته لما عندهم، وتلك الإخباريات أكثر من أن تحصى، ولم يكذبوه يوما واحدا في شيء منها. وكانوا أحرص شيء على أن يظفروا منه بكذبة واحدة أو غلطة، أو سهو، فينادون بها عليه، ويجدون بها السبيل إلى تنفير الناس عنه، فلم يقل أحد منهم يوما من الدهر أنه أخبر بكذا وكذا في كتبنا، وهو كاذب فيه بل كانوا يصدقونه في ذلك، وهم مصرون على عدم اتباعه، وهذا من أعظم الأدلة على صدقه فيما أخبر به لو لم يعلم إلا بمجرد خبره.

((السابع)):
أنه أخبر بهذا لأعدائه من المشركين الذين لا كتاب عندهم، وأخبر به لأعدائه من أهل الكتاب، وأخبر به لاتباعه، فلو كان هذا باطلا لا صحة له لكان ذلك تسليطا للمشركين أن يسألوا أهل الكتاب فينكرون ذلك، وتسليطا لأهل الكتاب على الإنكار، وتسليطا لاتبعاه على الرجوع عنه، والتكذيب له بعد تصديقه، وذلك ينقض الغرض المقصود بإخباره من كل وجه، وهو بمنزلة رجل يخبر بما يشهد بكذبه، ويجعل إخباره دليلا على صدقه، وهذا لا يصدر من عاقل ولا مجنون.

فهذه الوجوه يعلم بها صدق ما أخبر به، وإن لم يعلم وجوده من غير جهة أخباره، فكيف وقد علم وجود ما أخبر به؟ .

((الثامن)):
أنه لو قدر أنهم لم يعلموا بشارة الأنبياء به، وإخبارهم بنعته وصفته، لم يلزم أن لا يكونوا ذكروه، وأخبروا به، وبشروا بنبوته؟ إذ ليس كل ما قاله الأنبياء المتقدمون وصل إلى المتأخرين وأحاطوا به علما، وهذا مما يعلم بالاضطرار، فكم من قول قد قاله موسى وعيسى ولا علم لليهود والنصارى به، فإذا أخبر به من قام الدليل القطعي على صدقه لم يكن جهلهم به موجبا لرده وتكذيبه.

((التاسع)):
أنه يمكن أن يكون في نسخ غير هذه النسخ التي بأيديهم فأزيل من بعضها، ونسخت هذه مما أزيل منه.

تخالف نسخ التوراة والإنجيل وتناقضها وقولهم: ((أن نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض وغربها)) كذب ظاهر، فهذه التوراة التي بأيدي النصارى، تخالف التوراة التي بأيدي اليهود، والتي بأيدي السامرة، تخالف هذه وهذه، وهذه نسخ الإنجيل يخالف بعضها بعضا ويناقضه، فدعواهم أن نسخ التوراة والإنجيل متفقة شرقا وغربا من البهت والكذب الذي يروجونه على أشباه الأنعام، حتى إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعا إن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزله على المسيح.

وكيف يكون في الإنجيل الذي أنزل على المسيح ((قصة صلبه)) وما جرى له، وأنه أصابه كذا وكذا، وصلب يوم كذا وكذا، وأنه قام من القبر بعد ثلاث، وغير ذلك مما هو من كلام شيوخ النصارى، وغايته أن يكون من كلام الحواريين خلطوه بالإنجيل وسموا الجميع إنجيلا؛ وكذلك كانت ((الأناجيل عندهم أربعة)) يخالف بعضها بعضا.

ومن بهتهم وكذبهم قولهم: إن التوراة التي بأيديهم وأيدي اليهود والسامرة سواء، والنصارى لا يقرون أن الإنجيل منزل من عند الله على المسيح، وأنه كلام الله؛ بل كل فرقهم مجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة، ولا يعرفون الإنجيل غير هذا:
((إنجيل)) ألفه متى تلميذ المسيح بعد تسع سنين من رفع المسيح، وكتب بالعبرانية في بلد يهود بالشام.

و((إنجيل)) ألفه مرقس الهاروني، تلميذ شمعون بعد ثلاث وعشرين سنة من رفع المسيح، وكتبه باليونانية في بلاد أنطاكية من بلاد الروم، ويقولون: إن شمعون المذكور هو ألفه، ثم محى اسمه من أوله ونسب إلى تلميذه مرقس.

و((إنجيل)) ألفه لوقا الطبيب الأنطاكي تلميذ شمعون، بعد تأليف مرقس.

و((إنجيل)) ألفه يوحنا، تلميذ المسيح بعد ما رفع المسيح ببضع وستين سنة، كتبه باليونانية.

وكل واحد من هذه الأربعة يسمونه الإنجيل، وبينها من التفاوت والزيادة والنقصان ما يعلمه الوقف عليها، وبين توراة السامرة واليهود والنصارى من ذلك ما يعلمه من وقف عليها، فدعوى الكاذب الباهت:((إن نسخ التوراة والإنجيل متفقه شرقا وغربا بعدا وقربا)) من أعظم الفرية والكذب، وقد ذكر غير واحد من علماء الإسلام ما بينها من التفاوت والزيادة والنقصان والتناقض، لمن أراد الوقوف عليه، ولولا الإطالة وقصد ما هو أهم منه لذكرنا منه طرفا كبيرا.

جمعهم بين التحريف والكتمان... لنعت الرسول وقد وبخهم الله سبحانه وبكتهم على لسان رسوله بالتحريف والكتمان والإخفاء، فقال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون).
وقال تعالى:(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون).
وقال تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم).
وقال تعالى:(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه يهديهم إلى صراط مستقيم).

((وأما التحريف)) فقد أخبر سبحانه عنهم في مواضع متعددة، وكذلك ليّ اللسان بالكتاب ليحسبه السامع منه وما هو منه.
فهذه خمسة أمور:
((أحدها)): لبس الحق بالباطل، وهو خلطه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل. ((الثاني)):كتمان الحق.
((الثالث)): إخفاؤه وهو قريب من كتمانه.
((الرابع)): تحريف الكلم عن مواضعه وهو نوعان: تحريف لفظه، وتحريف معناه.
((الخامس)): ليّ اللسان به ليلبس على السامع اللفظ المنزل بغيره. وهذه الأمور إنما ارتكبوها لأغراض لهم دعتهم إلى ذلك. فإذا عادوا الرسول وجحدوا نبوته، وكذبوه، وقاتلوه، فهم إلى أن يجحدوا نعته وصفته ويكتموا ذلك ويزيلوه عن مواضعه(ص 50) ويتأولوه على غير تأويله أقرب بكثير، وهكذا فعلوا.

ولكن لكثرة البشارات وتنوعها غلبوا عن كتمانها وإخفائها فصاروا إلى ((تحريف التأويل)) وإزالة معناها عمن لا تصلح لغيره، وجعلها لمعدوم لم يخلقه الله ولا وجود له البتة . الله ولا وجود له البتة . ((العاشر)):
أنه استشهد على صحة نبوته بعلماء أهل الكتاب، وقد شهد له عدو لهم فلا يقدح جحد الكفرة الكاذبين المعاندين بعد ذلك، قال تعالى:(ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب).
وقال تعالى:(قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين).
وقال تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب).
وقال تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين).
وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين يما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون).

وإذا شهد واحد من هؤلاء لم يوزن به ملء الأرض من الكفرة، ولا تعارض شهادته بجحود ملء الأرض من الكفار، كيف والشاهد له من علماء أهل الكتاب أضعاف أضعاف المكذبين له منهم؟

وليس كل من قال من النصارى واليهود إنه من علمائهم فهو كذلك، وإذا كان أكثر من يظن عوام المسلمين أنه من علمائهم ليس كذلك فما الظن بغيرهم، وعلماء أهل الكتاب إن لم يدخل فيهم من لم يعمل بعلمه فليس علماؤهم إلا من آمن به وصدقه، وإن دخل فيهم من علم ولم يعمل كعلماء السوء لم يكن إنكارهم لنبوته قادحاً في شهادة العلماء العاملين بعلمهم.

((الحادي عشر)):
أنه لو قدر أنه لا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنعته، ولا صفته، ولا علامته، في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب اليوم، لم يلزم من ذلك أن لا يكون مذكورا في الكتب التي كانت بأيدي أسلافهم وقت مبعثه، ولا تكون اتصلت على وجهها إلى هؤلاء؛ بل حرفها أولئك وبدلوا وكتموا، وتواصوا وكتبوا ما أرادوا، وقالوا:
هذا من عند الله، ثم اشتهرت تلك الكتب وتناقلها خلفهم عن سلفهم، فصارت المغيرة المبدلة هي المشهورة، والصحيحة بينهم خفية جدا، ولا سبيل إلى العلم باستحالة ذلك (ص 51)، بل هو في غاية الإمكان فهؤلاء السامرة غيروا مواضع من التوراة؟ ثم اشتهرت النسخ المغيرة عند جميعهم فلا يعرفون سواها، وهجرت بينهم النسخ الصحيحة بالكلية، وكذلك التوراة التي بأيدي النصارى.

وهكذا تبدل الأديان والكتب ولولا أن الله سبحانه تولى حفظ القرآن بنفسه، وضمن للأمة أن لا تجتمع على ضلالة، لأصابه ما أصاب الكتب قبله، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

((الثاني عشر)):
أنه من الممتنع أن تخلو الكتب المتقدمة عن الإخبار بهذا الأمر العظيم الذي لم يطرق العالم من حين خلق إلى قيام الساعة أمر أعظم منه، ولا شأن أكبر منه، فإنه قلب العالم، وطبق مشارق الأرض ومغاربها، واستمر على العالم على تعاقب القرون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومثل هذا النبأ العظيم لابد أن تتطابق الرسل على الأخبار به، وإذا كان الدجال رجل كاذب يخرج في آخر الزمان وبقاؤه في الأرض أربعين يوما قد تطابقت الرسل على الأخبار به، وأنذر به كل نبي قومه من نوح إلى خاتم الرسل.

فكيف تتطابق الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها على السكوت عن الإخبار بهذا الأمر العظيم، الذي لم يطرق العالم أمر أعظم منه، ولا يطرقه أبدا، هذا مالا يسوغه عقل عاقل، وتأباه حكمة أحكم الحاكمين، بل الأمر بضد ذلك، وما بعث الله سبحانه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق بالإيمان بمحمد وتصديقه، كما قال تعالى:
(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين).
قال ابن عباس: ما بعث الله من نبي إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتابعنه.

عودة إلى فهرس الكتاب