|
همسات
إيمانية ..
أول موقع دعوي
جزائري |
|
|
وفاة
الابتسامة الجزائرية! (كلمات في
وداع محفوظ النحناح)
بقلم:
نـاصر يحيى
|
 |
|

|
|
محفوظ نحناح - رحمه
الله |
في
عام 1980م خرب زلزال مدمر مدينة
الأصنام الجزائرية -هكذا اسمها- ودفن
المدينة والناس تحت الأنقاض.. وفي
سجن المدينة كان هناك سجين في زنزانة
انفرادية يدعى (محفوظ نحناح) محكوم
عليه بالسجن 15 عاماً منذ 1976 لأنه
شارك في إصدار بيان ضد بعض سياسات
نظام الرئيس الجزائري السابق (هواري
بومدين)!
وفيما بعد تذكر (نحناح) تلك اللحظات -
وهو في زنزانته الانفرداية- وكيف
كانت الأرض تهتز تحت أقدام السجناء،
والجدران تتهاوى، والأرض تتمايل
تحتهم.. بينما كان هناك رجل راح
يستقبل القبلة ويصلي.. والأصوات
تتعالى في المكان بالتكبير والتهليل!
خمس سنوات قضاها (محفوظ النحناح) في
السجن 1976- 1981م بعد محاكمة شكلية لكنه
في أول حوار صحفي معه مع مجلة (المجتمع)
الكويتية في يناير 1982م لم يتردد أن
يعلن رؤية متسامحة تجاه الذين
اعتقلوه، وفي رؤية استشرافية
للمخاطر التي قد تتعرض لها الحركة
الإسلامية في الجزائر، أكد الرجل
الخارج من ظلمات السجون اهتمامه
وحرصه على ألا تتورط الدعوة
الإسلامية في الجزائر في أخطاء
تنعكس عليها بالضرر! مؤكداً على
ضرورة مراعاة سنن التغيير واستيعاب
صيغة المرحلة الجديدة التي شهدتها
الجزائر مع بداية الثمانينات في
مستهل عهد الرئيس (الشاذلي بن جديد).
لقد تعمدت أن أبدأ كلمات الرثاء هذه
في حق الأستاذ/ محفوظ النحناح بهذا
الشكل لكي نعرف أن الخط الدعوي له
الذي ظل ملتزما به حتى وفاته لم يكن
طارئا ولا مكايدة ولا مجرد انتهاز
فرصة لوراثة الآخرين، بل هو خط أصيل
وفهم شرعي لدور الحركة الإسلامية
الراشدة في إصلاح المجتمع وتقويم
مافيه من اختلالات بالحسنى، ومراعاة
الأولويات، وتقديم الأهم على المهم،
والتفاعل مع سنة التغيير لا
معارضتها.
قرأت عن (النحناح) منذ حادثة
الزلزال، وسمعت عنه من الأستاذ/ محمد
ناصر بابريك الذي زاره في الجزائر في
ذروة زمن الصحوة الإسلامية قبيل
مرحلة الفتنة التي بدأت بأحداث 6
أكتوبر 1988م وما زالت فصولها الأخيرة
-ربما- مستمرة حتى الآن! آنذاك كان (نحناح)
هو أحد أبرز رجال الحركة الإسلامية،
يحاضر فيتجمع لسماعه عشرات الآلاف..
ويزور المدن فيستقبله أحبابه
وأنصاره خارج المدن كما يستقبل
رؤساء الدول. وشاء الله تعالى أن
ألتقي به في أكتوبر 1996م في العاصمة
التركية (أنقرة)، وقرأت له عدداً من
الحوارات الفكرية والسياسية ثم كانت
خاتمة المطاف مشاهدة الحوار الهام
الذي أجرته معه قناة (المنار)
اللبنانية في نهاية العام الماضي.
وأعادت بثه الثلاثاء الفائت بمناسبة
وفاته. ولست أبالغ إن قلت إن شخصية (محفوظ
النحناح) نادرة بكل معاني الكلمة،
فرغم دوره الدعوي الهام في الجزائر
لم تفارقه أبداً صفة التواضع فالذي
يراه لا يصدق أن هذا الرجل؛ الذي
يحرص على الجلوس في الصفوف الخلفية
أو يجلس إلى مائدة منزوية بعيداً عن
المنصة أو حتى الموائد الأمامية، لا
يصدق أن هذا الرجل كان منافساً
حقيقياً في انتخابات الرئاسة
الجزائرية.. وأنه لولا التزوير لكان
الفائز -ربما- بمنصب الرئاسة. اقتربت
منه في مناسبات رسمية وفي حالات
إنسانية اعتيادية فلم أشعر إلا أنه
هو هو! ينصت باهتمام للمتحدثين وكأنه
تلميذ يستمع لمعلم، ويتحدث لمن هم في
سن تلاميذه بجدية واهتمام ويبسط
أمامهم آراءه ومواقفه في أخطر
القضايا الجزائرية وكأنه يتحدث في
مجمع الخالدين أو أمام نخبة من عظماء
السياسة والعلم. بعد حوار صحفي
أجريته معه سألني بتواضع عن رأيي في
قيامه بزيارة لليمن وما مدى مناسبة
ذلك! وأعترف أنني جبنت لحظتها وخشيت
أن يواجه مواقف لم تكن قادرة على
تفهم حقيقة الرجل ومواقفه ولاسيما
أن تلك الفترة كانت تشهد أحداثاً
مأساوية في الجزائر في مسلسل الفتنة
الدموية! وفي مقابل مخاوفي كان الرجل
مليئاً بالثقة بسلامة اجتهاده في
التعامل مع الأزمة التي خربت بلاده
وتقبل ترددي بابتسامة.
عندما التقاه أ. إبراهيم نافع رئيس
تحرير الأهرام المصرية واستمع إليه
كتب يقول إن (محفوظ نحناح) هو أكثر
شخص يعرف حقيقة ما جرى ويجري في
الجزائر ورغم هذه الشهادة فإن الرجل
ظلم كثيراً خارج وطنه، ولم يسلم من
العنت في الداخل، فالفتنة التي ضربت
الجزائر كانت بحاجة إلى روح شفافة
وعقل راجح وقلب جسور لمعرفة علامات
مقدمها وقديما قالوا (الفتنة إذا
أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت
عرفها كل جاهل)! و(نحناح) كان من القلة
التي رأت الفتنة ودمارها قبل
حلولها، ولم يتردد أن يصرح بطريقته
المحببة اللطيفة في التعبير المركّز
- أن مشكلة الجزائر سببها: التعجل
والترهل، أي (تعجل) جبهة الانقاذ في
قطف الثمرة و(ترهل) جبهة التحرير
الحاكمة التي ترفض أن ترحل بهدوء!
وثمة مفارقات تتصل بنهج الفقيد،
فالجزائريون مشهور عنهم أنهم شعب
عنيف وطالما سمعت قصصا عنهم، ويبدو
أن (سنوات الجمر) أيام الاستعمار
الفرنسي الغشوم ثم تلتها مراحل كانت
ثمرة مرة لسنوات الجمر قد طبعت
النفسية الجزائرية بالحدة والقسوة!
وأذكر أنني اشتبكت في جدال عنيف مع
السفير الجزائري السابق في صنعاء
-رحمه الله- ونحن نتناقش في
يوم ما داخل السفارة الجزائرية حول
الأزمة الجزائرية! وكان الرجل ، رغم
سنه الكبير وطبيعة عمله الدبلوماسي،
حاداً وعنيفاً في نقاشه وهجومه على
الإسلاميين كلهم دون تمييز فالرجل
كان من أنصار عهد (بومدين)، وحتى (نحناح)
لم يكن يعرفه! فعندما أردت تخفيف
غلوائه ضد الإسلاميين حكيت له عن (نحناح)
الزعيم الإسلامي الذي سأله صحفي
فرنسي عن (الجنرال زروال) فعاجله
الإجابة أن صفته (الرئيس زروال) ولم
أحس أنه يعرفه أو حتى يبدي اهتماماً
جاداً للسؤال عن هذا الإسلامي الذي
ظل حتى الموت يردد أن بقاء (الدولة)
في الجزائر مهمة مقدسة وأن المسلم لا
يجوز له أن يرى بلاده تتمزق ودولته
تنهار وهو لا يصنع شيئاً تجاه ذلك!
والمفارقة هنا أن (نحناح) كان لطيفا،
لينا، يتحدث في أخطر القضايا
والابتسامة تعلو وجهه، لا يستفزه
سؤال ولا يخرجه عن طوره اتهام مغرض،
وابتسامته ليست صناعة سياسية بل
انعكاس لروحه المرحة التي كانت
تجعله قادراً على التعبير عن أفكاره
بكلمات قليلة أو بمصطلحات (نحناحية)
ظريفة إن صح القول، فمشكلة الجزائر
عنده ليست في (النصوص) ولكن في (اللصوص)،
والفرانكفونيون يريدون للجزائريين
أن يكونوا (باريسيين) نسبة إلى (باريس)،
والإسلاميون والوطنيون والقوميون
يريدونهم أن يكونوا (باديسيين) نسبة
إلى ابن باديس باعث النهضة
الجزائرية! وعندما خاض الانتخابات
الرئاسية جعل من ضمن دعايته
الانتخابية صورة له وهو يحمل وردة
جميلة يقدمها للناخب رمزاً للسلام
والوداعة التي يحتاجها الجزائريون!
وليس سراً أن الرجل تحمل الكثير من
عنت الاتهامات والتجريحات ضد شخصه
ومواقفه من الأزمة الجزائرية، فلم
يكن صاحب أوهام، وامتلك شجاعة اتخاذ
مواقف صعبة ربما لم تكن مقبولة
شعبياً بمقياس الآمال ولكنها كانت
صحيحة بحقائق الواقع الجزائري الذي
كان خبيراً به. وأثبتت الأيام صحة
اجتهادات (نحناح) فكل فرقاء السياسة
الجزائرية الذين شطت بهم المواقف
والآراء عادوا في الأخير - على الأقل
معظمهم- إلى المربع نفسه الذي وقف
عليه (نحناح) منذ البداية سواء في
التعامل مع السلطة الجديدة ورموزها
بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أو
في المشاركة في العملية السياسية
كالانتخابات التشريعية والبلدية
والرئاسية أو المشاركة في الحكومة
كوسائل لتخفيف الاحتقان في المجتمع
الجزائري، والمحافظة على كيان
الدولة من الانهيار.. وهو في كل مرحلة
لم يتردد في انتقاد الأخطاء بأسلوبه
المهذب سواء أكانت من السلطة أو
المعارضة المسلحة أو المعارضة التي
تمثلها الأحزاب السياسية الأخرى!
بحسب (نحناح) أنه كان رجل بناء حركة
دعوية ونهج فكري وتوجه سياسي سلمي،
فهو من نوعية الرجال الذين يؤسسون
فيعمقون، ويبنون فيرفعون عالياً،
ويعيشون بين الناس فيحيون أرواحهم
وقلوبهم، ويواريهم الثرى فتظل
ذكراهم مشاعل نور تهدي في الظلمات
ونسائم عطر وأنداء تستروحها النفوس
كلما اشتد القيظ وجفت الأرواح
وأجدبت القلوب.
بحسب (محفوظ النحناح) أن له من اسمه
نصيبا فقد حفظ لله به وبإخوانه في (حماس
ثم حمس) ثمار الصحوة الإسلامية التي
كادت تفنيها الفتنة العمياء في
الجزائر، ومهما يكن إيقاع الصحوة قد
تراجع أو خفت صوته قليلا إلا أن
القائم الآن يستند إلى أساس قويم
راشد يبقى بإذن لأنه ينفع الناس في
دنياهم وأخراهم.
رحمه الله، وأجزل مثوبته، وتقبله في
الصالحين وعوض الجزائر والأمة عنه
خيراً
|
|
|
المصدر: موقع الوحدة الإسلامية [بتصرف]
|
|
|
عنوان موقع
همسات إيمانية
http://www.hamassat.cjb.net
http://www.khayma.com/hamassat
|
|