|
سألني
كُتُبيِّ من شرق الجزائر، له بالكتب
علاقة وثيقة وطيدة - قبل أن يصير
كُتُبياً يبيع الكتب ويشتريها - عن
قول لله تعالى: "الله نور السماوات
والأرض" فذكرتُ له ما ذكر ابن كثير
في تفسيره. فقال السائل الكريم: أريد
أن تذكر لي ما اهتديت إليه أنت من
معاني هذه الآية، أما ما ذكره ابن
كثير وغيره من المفسرين، فإنه قد
عرفته منها، فهي متوفرة عندي والحمد
لله !
فقلتُ له: النور في اللغة هو هذه
الكيفية التي تفيض من الشمس نهاراً
أو من القمر ليلاً، ومن النار ومن
ومن السرج فتبدد الظلام. ولاشك أن
ذلك لم يكن الإله لزواله، فالله
تعالى دائم الوجود، فالمراد به إذن
هدايته التي تضيء الطريق أمام أهل
السموات وأهل الأرض !
وإطلاق النور على الهداية ليس بدعاً
أو غريباً عنا، فقد عوّدنا عليه
القرآن الكريم، قال تعالى: " أوَمن
كان ميتاً فأحييناهُ وجعلنا له
نوراً يمشي به في الناس كَمَن مثله
في الظُلُمات ليس بخارجٍ منها كذلك
زُيـِّـن للكافرين ما كانوا يعملون
" (الأنعام - 122)، " الله وليُّ
الذين آمنوا يُخرجهم من الظُلمات
إلى النور " (البقرة - 257)، " ولكن
جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من
عبادنا " (الشورى - 52)، " يهدي
اللهُ لنورهِ من يشاء " (النور - 35).
ويمكن أن يُراد بالنور، أن الله
تعالى يُدبر السماوات والأرض بحِكمة
بالغة، وحُجة نيِّرة ونظام متقن
بديع ! وفي كل ذلك هداية لذوي البصائر
المميزة المدركة !
أما كيفية الإهتداء بهذا النور
الإلهي المبين، فتوضيحه يحتاج إلى
تأليف خاص، ولكن حسبُنا هذه الكلمة
الوجيزة المقتضبة:
إن في هذا الكون الواسع الشاسع آيات
بينات تدل على قدرة الله تعالى
الباهرة، فالسعيد من ينظر فيها نظر
تأمل واعتبار، ويحاول عبرها أن يصل
إلى ما وراءها ليزداد إيماناً
ويتهذّب أخلاقاً، ويرتقي سلوكاً،
فذلك هو النور الإلهي !
والشقي من حُرم هذا النظر، ولم ينتفع
بهذه الآيات، فكان ممن قال الله
تعالى فيهم: " وكأَيـِّـن مِن آية
في السماوات والأرض يمرّون عنها وهم
عنها مُعرضون " (يوسف - 105).
إن الله تعالى يقول لعباده على لسان
حال دلائل التوحيد المبثوثة في
السماء والأرض: حذاري يا عبادي أن
تشغلكم أعمالُكم أو أولادُكم عن
النظر في عجائب خلقي، وبدائع صُنعي،
ففيها نوري الذي يهديكم إلى أقوم
الطريق، ويضمن لكم دوام الرقابة
والمحاسبة !
إن أكثر الناس غافلون عن هذه الآيات
مُعرضون عنها، فكم شخص يعيش فوق هذه
الأرض قُرابة قرن من الزمن دون أن
يُعير يوماً لفتة تأمُلية إلى آية من
آيات هذا الكون، وهي تُحاصره من كل
جانب، وهذه الغفلة تُعقِب الندامة
والحسرة وهي التي قال الله تعالى في
أهلها: " ومَن لم يجعل الله له
نوراً فما له من نور " ( النور - 40).
إن أمام الإنسان في هذه الحياة
كِتابيْن عظيمين مفتوحين على
الدوام، إحداهما مقروء وهو القرآن
الكريم المعجز بآياته، والآخر
منظور، وهو هذا الكون بآياته
البديعة المثيرة المدهشة، فالعاقل
البصير من انتفع واهتدى بنور الله
فيهما، والشقي من أعرض عنهما، وحُرم
من نورهما وأصبح يتخبط في الظلام،
قال الله تعالى: " قال ربِّ لِمَ
حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً قالَ
كذلك أتتكَ آياتـُنا فنَسِيتـَها
وكذلك اليوم تـُنسى " (طه - 125 - 126).
وهنا غمرني الكـُتـُبيّ الكريم
بالشكر والثناء، فقلتُ له: إن أصبتُ
فالحمد لله، وإن تـَجافاني التوفيق،
فلي أجر المجتهد المخطىء !
|