القبورية في اليمن نشأتها وآثارها وموقف العلماء منها

الفصـل الرابـع

نشـأة القبـورية في اليمـن

وفيه أربعة مباحث

المبحث الأول:حال اليمن قبل نشوء القبورية

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: إسلام أهل اليمن:

 من مناقب اليمنيين التي سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور مبادرتهم إلى اعتناق الإسلام بشكل لم يشابههم فيه أحد من قبائل وأقطار الجزيرة العربية الأخرى، وقد تعددت التأويلات لسبب تلك المسارعة لاعتناق الإسلام من قبل اليمنيين، وأقوى تأويل - والله أعلم - هو ما جعل الله في نفوسهم من الإيمان، وفي قلوبهم من الرقة ومحبة الخير، وما ادَّخره الله لهم بمحض فضله من إنعام وفضل.

 ودليل ذلك الأحاديث المستفيضة في فضائل أهل اليمن [1]، كما كان لقرب اليمن من مكة مهبط الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وموضع بعثته علاقة بذلك، وإن كان هذا لم ينفع بعض القبائل التي كانت أقرب إلى مكة من اليمن، وبحسب طبيعة البشر في الاختلاط والتعايش والتفاعل كان وصول أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وتأثر أهلها به في وقت مبكر من حياة الدعوة الإسلامية، وقد كان الوافدون من اليمنيين إلى مكة لأغراض مختلفة هم الرواد الذين رجعوا إلى قومهم مبشرين بهذا الدين ودعاة إليه، بعد أن أسلموا وعرفوا شيئاً من الإسلام على يد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر أولئك:

1)   ضماد بن ثعلبة الأزدي رضي الله عنه  [2]

2) الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه  [3].

3)   عمرو بن أمية الدوسي رضي الله عنه  [4].

4)  قيس بن نمط بن قيس بن مالك الهمداني رضي الله عنه  [5].

5)  عبد الله بن قيس بن أم غزال الأرحبي رضي الله عنه  [6].

6)  ذباب بن الحارث بن عمرو السعدي رضي الله عنه [7].

 وكان في إسلام هؤلاء ورجوعهم أثر فـي انتشار الإسلام في قومـهم، وتهيئتهم لقبوله.

 وممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم وتوطَّن المدينة مهاجراً أبو موسى الأشعري ورفقته الأشعـريون [8] وأبو هريرة y[9] وغيرهم.

 وفي عام الوفود بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقدوم وفود اليمن، وبالفعل توالت تلك الوفود وكانت من أفضل الوفود العربية، فسُرَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا لها، وعادت مؤمنة صادقة، فنشرت الإيمان والإسلام في ربوع اليمن.

 

المطلب الثاني رسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن:

 ولما ظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتمتع به اليمنيون من نفوس طيبة قابلة للإيمان والإسلام، وتأكد لديه صدق توجه اليمنيين نحو دين الله، وأن الإسلام قد أصبح منتشراً فيهم، أحب صلى الله عليه وسلم أن يعمق مفاهيم الإسلام في نفوسهم، وينشر تعاليمه بينهم، ويضع لهم من يعلمهم ويرشدهم ويحكم بينهم بشرع الله ويسوسهم بنظامه الخالد، فأرسل رسله معلمين ودعاة وحكاما ً، فأحسن اليمنيون وفادتهم، وأكرموا نزلهم، وأخذوا عنهم دين الله، وعملوا به، وتحاكموا إليه.

 وكان من أشهر من أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معاذ بن جبلرضي الله عنه ، اليمن الأعلى بما في ذلك الجند[10]،وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه وكان عاملاً على زبيد وعدن وساحل اليمن كله [11].

 ومهَّد النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ طريقه، وكشف له حقيقة الجهة التي وجهه إليها، وزوّده بأروع التوجيهات والوصايا فقال: ((إنَّك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذ عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس)) [12].

 ولعل النبي صلى الله عليه وسلم خص معاذاً بهذا دون أبي موسى؛ لأن أبا موسى من أهل البلد، ويعرف طبيعتها وطبيعة أهلها، ثم وصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى معاً فقال: ((بشِّرا،ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) [13]، فخرجا مستلهمَين هذه الوصايا، ناصحين مخلصين لمن أُرسِلا إليهم، واتجه كل منهما إلى عمله،وكانا يتزاوران ويتعهد أحدهما الآخر.

 فدخل في الإسلام على أيديهما من لم يكن قد أسلم من قبل، وتعلم العلم منهما من كان مسلماً مؤمناً، وعمَّ الإيمان والعلم أرض الفقه والإيمان.

 كما أرسل رسلاً آخرين لأغراض مختلفة منهم: علي بن أبي طالب [14]، وخالد بن الوليد [15]، وجرير بن عبدالله البجلي [16]، وخالد بن سعيد بن العاص [17]، وطاهر بن أبي هالة [18]، ويعلى بن أمية [19]، وعمرو بن حزم [20]، وزياد بن لبيد البياضي [21]، وعكاشة بن ثور [22] y أجمعين، وكان لهم أعظم الأثر على اليمنيين، وقد لقوا منهم المحبة والوفاء والتعاون الذي يعزّ مثاله.

 

المطلب الثالث: مذاهب اليمنيين منذ فجر الإسلام حتى قيام الدولة الصليحية:

 وصل الإسلام إلى اليمن نقياً صافياً لم تشُبْه أي شائبة، فلم يدخل على يد مذهب فقهي أو فرقة عقائدية أو طريقة صوفية كما حصل في بعض البلاد الإسلامية، وإنما دخل على أيدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سادات أهل السنة وقدوتهم الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى ما كانوا عليه عند الاختلاف [23]، وبقي منهجهم وسبيلهم محفوظاً بحفظ الله في هذا البلد المبارك إلى اليوم، وإن زاحمه غيره من المذاهب والمناهج في بعض الفترات، وإن حاولت السلطات المتنفذة في كثير من الأحيان طمسه وإحلال مذاهبها محله إلا أنها لم تفلح في ذلك.

 

التشيـع:

 ومن المذاهب التي وصلت إلى اليمن في وقت مبكر التشيع؛ وذلك أن أهل اليمن قد كان موقفهم مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه  واضحاً ومعروفاً، فهم أقوى القبائل التي كانت معه وأكثرها عدداً [24]، ولاشك أن ذلك سوف يعكس نفسه على قبائلهم وأهاليهم الباقين في اليمن؛ ولذلك تحدثت مصادر التاريخ اليمنية عن تعسف بسر بن أرطأة [25] والي معاوية على اليمن،وشدته في معاملة بعض القبائل اليمنية، وبالخصوص قبيلة همدان التي كانت من أكثر القبائل مناصرة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه  حتى نسبوا إليه ذلك البيت الذائع:

فلو كنت بواباً على باب جنـة          لقلت لهمــدان ادخلوا بسلام [26]

 فالتشيع في اليمن لا يستطيع أحد إنكاره، ولكن أي فرق الشيعة كانت في اليمن في ذلك الوقت؟ يتضح مما مرّ في بحث نشأة الشيعة أن الفرق الشيعية لم تتميز عن بعضها إلا في وقت متأخر، ولذا فإنني أرجح أن التشيع الذي كان موجوداً في اليمن قبل وفود الزيدية والإسماعيلية إنما كان التشيع السالم من الغلو كما سبق وصفه.

 نعم هناك إشارة إلى وجود شيعة اثني عشرية في اليمن في حوالي النصف الثاني من القرن الثالث، وذلك عندما ذكر المؤرخون علي بن الفضل الجدني، والذي أصبح زعيم القرامطة في اليمن، فقد ذكروا أنه كان شيعياً اثني عشرياً، وأنه حجّ ثم زار قبر الحسين بعد الحج، وهناك التقى بميمون القداح[27]، كما قيل: إن ابن الفضل أخذ ذلك المذهب في عدن من قوم من الاثني عشرية، لقيهم هناك [28].

 قلت: إن صح هذا فالاحتمال بوجود فئة صغيرة في عدن وارد ولم تشتهر، أو يعطها المؤرخون اهتماماً، كما أن هناك احتمالاً آخرَ، وهو أن أولئك القوم كانوا من التجار الذين ينزلون عدن لفترة ثم يغادرونها، وماعدا ذلك فإنه لم يرد تفصيل عن أي فرقة شيعية واضحة في اليمن في تلك الفترة.

 

الدعوة الإسماعيلية:

أ- القرامطة:

 كان المذهب الإسماعيلي هو أول مذهب واضح متميز من مذاهب الشيعة وصل إلى اليمن، حيث وصل الداعيان: علي بن الفضل الجدني، والحسن بن فرج بن حوشب [29] إلى ميناء غلافقة سنة (268 هـ) مبعوثَين من قبل داعية الإسماعيلية ميمون القداح، غير أنهما لم يعلنا الدعوة إلاّ سنة (270هـ)، وكانت دعوتهما في غاية السرية والحيطة والحذر، ثم أعلن الثورة علي بن الفضل وكشف عن وجهه الحقيقي، وفعل ما هو مشهور في تاريخ اليمن مما ليس هنا محل تفصيله إذ لا يتعلق بموضوعنا، غير أن المهم أن علي بن الفضل قد سلك طريق القرامطة أصحاب البحرين، وكشف عما يعتقده وفعل ما أمْلته عليه نزواته وأحبه هواه، وبذلك كان أمَدُ دعوته قصيراً، وإن كان شرها مستطيراً، ولم يقم أحد بدعوته بعد موته والقضاء على دولته [30].

 

 ب _ العبيديون (الفاطميون):

 أما الحسن بن حوشب المشهور بـ " بمنصور اليمن " فقد بقي محافظاً على تعليـمات ميمـون القـداح، ملتزماً بالانتماء إليه وإلى ذريته التي ملكت المغرب العربي، وأنشأت هناك الدولة الإسماعيلية الباطنية، وكان على اتصال مستمر معهم [31]، إلا أن دولته لم تدم طويلاًً إذ قُضي عليها ككيان سياسي في حياة علي بن الفضل، واضطر منصور إلى التخفِّي والبعد عن المعترك السياسي حتى مات سنة (302 هـ) [32]، ثم عادت الدعوة الإسماعيلية إلى دور السِّتر والسرية، وقد رتب لها الدعاة الذين يقومون بها، ويبثون تعاليمها، ويحافظون على أتباعها، ويواصلون العلاقة مع أصلهم في المغرب ثم في مصر بطرقهم الذكية المعروفة وذلك من سنة (303-439هـ)، حتى عادوا إلى الظهور حين أمكنـتهم الظروف، وتهيأت لهم الأسباب على يد علي بن محمد الصليحي كما سيأتي [33].

 هذه هي الفترة الأولى للدعوة الإسماعيلية العلنية في اليمن، وهي لم يكن لها تأثير ظاهر في مسألة القبورية حيث لم تتمكن من التفرغ لذلك، ولم يكن لها من النفوذ والقبول ما يمكِّنها من ذلك، بل عاش قادتها محارَبين ودعاتها مضطهدين، فلم يستطيعوا عمل شيء مما يتعلق القبورية، كما أن هذه الفرقة لم يكن لها مذهب ظاهر وشائع بين الناس كأي مذهب من المذاهب الأخرى، إلا أنها كانت أخطر من تلك المذاهب من حيث تماسك أصحابها والحفاظ على كيانهم رغم المحاربة الشاملة لهم من كافة فئات الشعب والحكام على حد سواء، مما كان له الأثر البالغ في تمكنهم من إعلان دولتهم مرة أخرى في أيام الصليحي، ثم العودة مرة أخرى إلى الستر منذ زوال دولة الصليحي إلى يوم الناس هذا.

 

الزيــدية:

 الفرقة الشيعية الثانية التي دخلت اليمن في هذه الفترة هي الزيدية، وقد سبق التعريف بها في المبحث الأول من الفصل الثالث [34]،وكان وصول الزيدية واستقرارها في اليمن سنة أربع وثمانين ومائتـــين هجرية [35]، وذلك بوصول الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين إلى صعدة للمرة الثانية وإقامة دولته هناك، ثم العمل على نشرها ومواصلة أبنائه وأحفاده وبعض الأئمة من أهل البيت المعتنقين للمذهب الزيدي، حيث استقرت دولة الأئمة الزيدية من ذلك التاريخ إلى أن أطيح بآخر إمام من أئمتها محمد البدر سنة (1382هـ- 1962 م) وذلك بقيام الثورة وتأسيس الجمهورية العربية اليمنية.

 وهذه الفرقة قد سخَّرت دولتها وسلطانها لدعم عقائدها ومذاهبها،كما أنها قد طوَّعت فِقهها وأصولها لمآربها السياسية [36]، ولكنها برغم قِدَم دخولها وامتداد فترة حكمها بما لم تبلغه أي دولة أو فرقة أخرى، ظلَّت منـزوية في مواطن نفوذها السياسي يمتد وجودها بامتداد سلطانها ظاهراً ورسمياً، وأما في الباطن فإن الناس يكرهون ما تفرضه عليهم، ويهللون فرحاً عندما ينـزاح عنهم كابوس حكمهم؛ ليعلنوا ما في نفوسهم من عقائد ومبادئ، ويزيلون ما فرض من شعارات خاصة بالزيدية، فرضتها السلطة [37].

 يقول القاضي محمد بن علي الأكوع [38] -رحمه الله تعالى -: (وكان مذهب الهادي قابعاً في صعدة، ومنكمشاً عليها وعلى بلادها وبعض ظاهر همدان، ولم يغزُ سنام نجد اليمن وبلاد حجة ومغارب حمير إلا في القرن الحادي عشر الهجري، عندما تمت سيطرة القواسم على اليمن،وتغلبت الأسرة الزيدية على ناصية الأمور، وخلت البلاد من التيارات السياسية التي تجابهها، كما قحط اليمن من قادته ورؤسائه، وأصبحوا قانعين بالتبعية؛ إذ فقدوا كل مقوِّمات الطموح والشعور بأنهم سادة البلاد) [39].

 قلت: وذلك في عهد الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم الذي وحَّد اليمن الطبيعي، وفرض المذهب الزيدي على كل من دخل تحت حكمه حتى في حضرموت التي تعد من أشد البلاد منافرة لمذهبه؛ وذلك لسيطرة العلويين الذين يتبعون المذهب الشافعي والعقيدة الأشعرية والمشرب الصوفي، والذين يتعصبون لذلك غاية التعصب، ولست بحاجة إلى مزيد بسط وتفصيل عن الزيدية؛ لما سبق من شرح لها في الفصل الثالث من هذا الباب.

 وأما قبورية الزيدية فالحق أن زيدية اليمن لم تكن لديهم قبورية ظاهرة في هذه الفترة، ولذلك فسوف أرجئ الحديث عن قبور يتهم إلى المطلب التالي إن شاء الله.

 

الخـوارج:

 سبق تعريف الخوارج وهم فرق كثيرة، والفرقة التي اشتهرت في اليمن من فرق الخوارج هي فرقة الإباضية أصحاب عبدالله بن إباض [40]،وهم أخف فرق الخوارج انحرافاً وأقربها إلى السنة [41].

 ومعلوم أن نشأة الخوارج كــانت على أثر حادثة التحكيم، وأن علــياً رضي الله عنه  قاتلهم في النهروان عام (37) أو (38 هـ)،وقتل معظمهم،ولكن الفئة الباقية انتشرت في البلاد بشكل خفي، ثم أصبح كل من حل بأرض يدعو أبناءها إلى رأيه، ولذلك كثرت الخوارج مرة أخــرى، وأصبحت قوة لا يستهان بها، وشكلت مصدر قلق كبير للدولة الأموية إلى نهايتها، ومطلع الدولة العباسية. فهل وصل إلى اليمن أحدٌ منهم في بداية أمرهم؟ وهل انتشرت الدعوة الخارجية بين اليمنيين بشكل أو بآخر قبل العقد الثالث من القرن الثاني؟.

 هذا مالا يمكن الجزم به، ولكن هناك إشارات إلى شيء من ذلك، منه ما حكاه الخزرجي من أن الخوارج هاجموا صنعاء فحاول وهب بن منبه قتالهم بأهل صنعاء، فلم يستطع، فصالحهم أهل صنعاء على مائة ألف دينار، فأخذوها، ورجعوا، واستعان أهل صنعاء لسدادها بأهل المخاليف، فأعانوهم [42].

 ومنها أن عبدالله بن يحيى الكندي [43] زعيم الخوارج الأول عندما أقام دولته في حضرموت، كاتب إخوانه الإباضية في صنعاء، فانضموا إليه [44]، هاتان الإشارتان توحيان بوجود ما للخوارج قبل إعلان دولتهم في شبام حضرموت سنة (128هـ)، وأما البداية الحقيقية المتفق عليها فهي في هذه السنة.

 وملخص قصة الخوارج في اليمن أن عبدالله بن يحيى الكندي - وكان رجلاً من أعيان حضرموت - حج سنة (127 هـ)، وفي مكة التقى ببعض دعاة الخوارج الذين كانوا يحضرون المواسم لبث دعوتهم، فكلموه في الأمر، وذكروا له مظالم بني أمية وانحرافهم، وأن الواجب هو الخروج عليهم وإزالة دولتهم وإقامة دولة الحق التي تحكم بالعدل وتعيد الأمور إلى نصابها إلى آخر ما ذكر، فقال له عبدالله بن يحيى: (إنني رجل مطاع في قومي، ولو دعوتهم إلى ذلك أجابوني إليه). فعاهده أبو حمزة على ذلك، فعاد عبدالله بن يحيى ومعه أبو حمزة الأزدي إلى حضرموت، وكتب إلى إخوانه أباضية البصرة يشاورهم في الخروج على الخليفة الأموي،فكتبوا إليه: (إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل ولست تدري متى يأتي عليك أجلك...)، فأعلن عبدالله نفسه أميراً وبايعه أبو حمزة وتبعه الناس في حضرموت من سائر القبائل، وقبَضَ على والي بني أمية، وحبسه ثم أطلق سراحه، وما إن استقرت له الأمور في حضرموت حتى اتجه صوب مكة، فقدم ومعه زهاء تسعمائة وقيل ألف ومائة من أصحابه يوم عرفة إلى صعيد عرفة، والناس بها يوم الوقوف فما شعروا إلا بخيل الخوارج وعليها الرجال معممين رافعين ألويتهم، فما كان من أمير مكة إلا أن سلّم لهم الأمر دون قتال، وفي يوم النحر دخلوا مكة كذلك، وبذلك صفت لهم مكة دون أي مقاومة، ولكن أخبارهم انتشرت، واستعد لهم أهل المدينة، وبعد استقرار الوضع في مكة خلَّفوا عليها والياً من قبلهم، ثم توجهوا إلى المدينة، وكان أهل المدينة قد جهزوا جيشاً لمقاومتهم، وكان أكثر الجيش من عامة الناس وليسوا من الجنود المدربين أو ذوي الخبرة بالحرب، والتقى الجيشان في منطقة قديد، وهُزِم جيش المدينة هزيمة منكرة وقتل منه ألفان ومئتان وثلاثون رجلاً [45] وعلى إثر ذلك دخل جيش الخوارج المدينة، واحتلوها ورتبوا الأمر فيها، وطارت الأخبار إلى دمشق، فجهز الخليفة جيشاً كبيراً وحشد فيه مقاتلين أقوياء مدربين، فسار الجيش الأموي صوب المدينة، وتقدم جيش الخوارج باتجاه الشام، فالتقى الجيشان في وادي القرى، فانهزم جيش الخوارج وقتل قائده أبو حمزة، ثم واصل الجيش الأموي طريقه إلى المدينة ثم إلى مكة،ولم يقم له واليها، ثم إلى صنعاء وقد خرج عبدالله بن يحيى ومن معه لملاقاة الجيش الأموي في الطريق، وفعلاً التقيا، وهُزم الجيش الخارجي، وقُتل عبدالله بن يحيى، وهكذا واصل الجيش الأموي الطريق إلى عاصمة دولة الخوارج (شبام)، والتقى بأميرها ومن معه وهزم الخوارج، وقتل واليهم وفتك قائد الجيش بالحضارم فتكاً ذريعاً، وقتل الرجال والنساء وفعل الأفاعيل، وبهذا انتهى كيان دولة الخوارج ولم يبق لهم نفوذ، غير أن فكرهم وعقائدهم ظلت موجودة ويدين بها كثير من أبناء حضرموت حتى نهاية القرن السادس تقريباً، ونشأ لهم كيان غير محدد المعالم أواخر القرن الخامس، قضى عليه الصليحي عندما مد نفوذه إلى حضرموت، ولم يكن للخوارج أي دور في انتشار القبورية في اليمن حسب علمي [46].

 

التصــوُّف:

 حتى لا تختلط علينا المفاهيم، يجب أن نفرِّق بين الزهد الذي دعا إليه الإسلام، وحث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحمده أئمة المسلمين، ولم يذمه أحد ممن يعتد بقوله، وبين التصوف الـمُحدَث المجلوب من خارج حدود الإسلام، والمضبوط بضوابطه المعروفة، والمحدّد بحدوده الواضحة، والمبني على فلسفة خاصة، فهذا لون والزهد الذي جاءت به شريعة الإسلام لون آخر، وإن الخلط بين الأمرين قد أوقع لبساً كبيراً على عوام الناس، واستغلَّه دعاة التصوف وتزينوا به، بل اتخذوه درعاً واقياً من سهام الطاعنين عليهم وعلى فلسفته الضالة وبدعهم المحدثة الخارجة عما جاء به الإسلام، فإذا تكلَّم متكلم عن مخازي التصوف ومثالبه، عارضه المتصوفة بإبراز الشخصيات النظيفة الطاهرة على أنها أئمته ومؤسسوه،فيذكرون أباذر رضي الله عنه  وأبا الدرداء رضي الله عنه ، ومن التابعين أويس القرني، والحسن البصري ومن شابههما، ثم يذكرون مالك بن دينار، والفضيل بن عياض،ومن أهل اليمن: عمرو بن ميمون الأودي، وطاووس بن كيسان اليماني، ووهب بن منبه، ونحوهم، وهؤلاء لا علاقة لهم ألبتة بما أحدث بعد من تصوف مبتدَع فلسفي محتوٍ على إلحاد أصحاب الحلول والاتحاد، ومكائد المتاجرين بالولاية والكرامات.

 فإذا بينا هذه الحقيقة، وعرفنا الفرق الواسع بين الزهد بمفهومه الصحيح، وبين التصوف المنحرف، استطعنا أن نجزم بلا أي تردد أن هذه الفترة التي نتحدث عنها لم يكن فيها باليمن شيء مما يصح أن يطلق عليه تصوف بالمعنى الصحيح الدقيق، وبالتالي فليس للتصوف في هذه الفترة أي دور في نشر القبورية.

 

المذاهب الفقهية:

 (كان المذهب السائد في اليمن إلى انتهاء القرن الثالث الهجري هو العمل بالكتاب العزيز والسنة النبوية، ولم يتقيد أهل اليمن حينئذ بكلام واحد من الأعلام، واعتمدوا في دراسة الفقه النبوي على مثل مسند الإمام الحافظ عبدالرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة (210هـ)، وعلى مسند أبي قرة موسى بن طارق الجندي، ومسند عبدالملك بن عبدالرحمن الذماري، ومسند الحافظ محمد ابن يحيى بن أبي عمر العدني، ثم غزت المذاهب العقائدية والفقهية) [47].

 ويؤكد ذلك الإمام المؤرخ ابن سمرة الجعدي [48] في "طبقات فقهاء اليمن " حيث يقول: (وكان الغالب في اليمن مذهب مالك وأبي حنيفة، ولم يكن علم السنة مأخوذاً في هذا المخلاف إلا من جامع معمر بن راشد البصري، وهو مصنف في صنعاء، وجامع سفيان بن عيينة، وجامع أبي قرة موسى ابن طارق اللحجي الجندي، ومن المرويات عن مالك في الموطأ وغيره مثل كتاب أبي مصعب، أو عما يُروى عن طاووس وابنه وقدماء فقهاء اليمن الذين ذكرت أطرافاً من فضلهم وشيوخاً من جلهم) [49].

 ومن هذين النصين يتبين أن الأصل في أهل اليمن اتباع الكتاب والسنة على مذهب المحدثين، وبعد انتشار المذاهب الإسلامية وصلت تلك المذاهب المالكية والحنفية والشافعية، وأما المذهب الحنبلي في الفروع فلم يسجّل له وجود في اليمن تلك الفترة، وكان المذهب المالكي هو أول تلك المذاهب انتشاراً ثم الحنفي ثم الشافعي، وليس للمذهب المالكي وجود في اليمن الآن، وبقي المذهب الحنفي في زبيد بشكل محدود، بينما انتشر المذهب الشافعي في عموم اليمن بما في ذلك صنعاء وذمار وما والاهما حتى القرن الحادي عشر، حينما فرض المذهب الهادوي الذي يتبناه الأئمة الزيدية على تلك النواحي، وانقسمت اليمن بعد ذلك انقساماً ظاهراً، حيث ساد المذهب الشافعي اليمن الأسفل وتهامة وما والاها من البلاد الجبلية، والجند وماحو لها بما في ذلك معظم مخا ليف، إب والحجرية كاملة، والبيضاء وما يلتحق بها، ومأرب والجوف، هذا فيما كان يعرف باليمن الشمالي، وأما ما كان يعرف باليمن الجنوبي فكله شافعي ولاوجود للمذهب الهادوي فيه، وماعدا ذلك فالسائد فيه المذهب الهادوي، وهو يمتد من صعدة شمالاً إلى يريم وما جاورها جنوباً مقتصراً على المنطقة الجبلية إلى مشارف تهامة غرباً.

 

 هذه صورة مختصرة للمذاهب الفقهية التي سادت اليمن، ولكن يجب ألا نغفل حقيقة مهمة، هي أن اتباع الكتاب والسنة والتجرد لهما، ونبذ التعصب المذهبي بل نبذ التمذهب بشكل تام بقي مستمراً في اليمن، ولم يلغه وجود المذاهب الفقهية وانتشارها، بل ظل حياً حاضراً وإن ضعف في بعض الأحيان وخفَتَ صوته إلا أنه مازال موجوداً خصوصاً في المناطق الزيدية، وقد اشتهر جماعة من المجتهدين النابذين للتقليد الذين كان لهم الأثر الطيب على العلم والعلماء، وكانوا نبراساً مضيئاً في حوالك الظلم التي لبَّدت سماء الأمة الإسلامية قروناً عديدة، وأصبحوا أساتذة الاجتهاد، والتجديد، وحرية الرأي، ورمز الاقتداء بالسلف الصالح ليس في اليمن فقط ولكن في العالم كله، حيث تتداول كتبهم بل وتصبح من المقررات الأساسية في أشهر الجامعات الشرعية والمعاهد الدينية في العالم الإسلامي، من أشهر أولئك:

1) محمد بن إبراهيـم الوزير [50].

2) صالح بن مهدي المقـبلي [51].

3) الحسـن بن أحمد الجلال [52].

4) محمد بن إسماعيل الصنعاني.

5) محمـد بن علي الشوكاني.

وغيرهم الكثير، وإن كانوا أقل شهرة منهم؛تضمنهم " البدر الطالع " لشيخ الإسلام الشوكاني، "ونشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف "،وغيرهما من كتب التواريخ والتراجم، وما تزال هذه المدرسة قائمة إلى اليوم، وعميدها وأشهر علمائها في هذا العصر القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني -حفظه الله - وهو في اليمن أشهر من نار على علم.

 هذا وأما الاجتهاد الفقهي في المناطق الشافعية فقليل إن لم يكن معدوماً، ولعلّ السبب في كثرة المجتهدين في الجهات الزيدية طبيعة المذهب الهادوي الذي أبقى باب الاجتهاد مفتوحاً، بل حرَّم التقليد في بعض المواضع من أصله، بعكس أتباع المذاهب الأخرى الذين أغلقوا باب الاجتهاد من بعد القرن الرابع، وصاحوا بكل من ادعاه بأنه جاهل متعالم، أو مارق منحرف.

 هذا وقد أطلتُ في هذا الموضع لأنني رأيت جمع كل ما يتعلق بالمذاهب الفقهية فيه ولن أعود إلى شيء من ذلك فيما بعد لعدم اقتضاء الموضوع له.

 

الفرق العقائدية غير ما تقدم:

 لقد ذكرنا فيما تقدم فرق الشيعة الإسماعيلية والزيدية وفرقة الخوارج الإباضية، وإكمالاً للبحث ينبغي أن نلمَّ ببقية الفرق التي طرأت على اليمن وعلى أهله الذين مازالوا متمسكين بمنهج السلف الصالح في عقيدتهم إلى اليوم، نعم إن منهج السلف الصـالح منهج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هو الأصل في اليمن، والمناهج الأخرى إنما هي طارئة عليه، وكان هذا المنهج هو منهج الأمة بكاملها حينما كانت الأمة هي الصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان، ثم بدأت الفرق الضالة تخرج عن هذا السبيل، وتفارق ذلك المنهج؛ فخرجت الخوارج ثم الروافض ثم القدرية في عهد الصحابة أنفسهم، ثم توالت تلك الفرق في الانحراف ومفارقة المنهج القويم والصراط المستقيم، وقد تفرقت تلك الفرق نفسها إلى فرق فرعية كثيرة جداً، وظهرت فرق جديدة ذات أثر في الساحة الإسلامية؛ منها الجهمية ثم المعتزلة ثم الكلّابية والماتريدية والأشاعرة،وهذه الثلاث الفرق الأخيرة في الواقع قد تبيّن لها ضلال الفرق السابقة عليها وخصوصاً الجهمية والمعتزلة اللتين تشتركان في الانتساب إلى علم الكلام.

 وقد حاول أئمة تلك الفرق الثلاث العودة إلى النبع الصافي والمنهل العذب، ولكن آثار علم الكلام لم تمكن الإمامين ابن كلاب [53]، والماتريدي 2 من ذلك، فتخلصا من كثير من بدع وعقائد الجهمية والمعتزلة، وبقي لديهما بعضها وأخذا ببعض أصول السلف أهل السنة، وقصّرا في بعضها، والله تعالى يتولاهما، وهو أعلم بما في نفوسهما سبحانه، أما نحن فندعوه سبحانه أن يغفر لهما وللمخلصين من أتباعهما، وأن يتجاوز عمَّا أخطـآ فيه، ما دام الحامل لهما عليه حب التنـزيه والخشية من التشبيه، ولكن حبنا لهما ورغبتنا الصادقة في أن يتجاوز الله عنهما لا يجعلنا نصحح مذهبهما ونسكت عن خطئهما.

وأما أبو الحسن الأشعري -رحمه الله - فله ثلاثة أطوار:

الطور الأول: الاعتزال المحض على طريقة أبي علي الجبّائي الذي كان متزوجاً بأمه وكافلاً له.

الطور الثاني: تقرير ما كان عليه ابن كُـلّاب وأصحابه.

الطور الثالث: رجوعه الكامل إلى ما كان عليه السلف الصالح وذلك في كتبه: " الإبانة عن أصول الديانة "، " ومقالات الإسلاميين "، " ورسالتي إلى أهل الثغر "، وهناك من يخالف في ترتيب الطوْرَين الأخيرين، أو يجعلهما طوراً واحداً 3.

 لكن عامة من ينتسبون إليه إنما ينتسبون إلى ما كان عليه في الطور الوسط، فهم في حقيقتهم كُلّابية أو قريباً منها، وليسوا على السنة المحضة التي كان عليها السلف الصالح، والتي عرفت فيما بعد خصوصاً بعد محنة القول بخلق القرآن عرفت (بمذهب أحمد بن حنبل) أو (بالحنابلة)، ولم يكن الإمام أحمد -رحمه الله- متفرداً بها، بل هي عقيدة سائر أئمة أهل السنة وأصحاب الحديث، وعلى رأسهم الإمامان مالك والشافعي وكذلك الإمام أبو حنيفة، إلا ما يذكر عنه في مسألة الإيمان، هذا وإن كثيراً من علماء الحديث وأئمة الفقه والمفسرين وغيرهم هم في الأصل من أهل السنة وأتباع السلف الصالح، ولكنهم قد تأثروا ببعض أقوال الأشاعرة أو الماتريدية خصوصاً في تأويل بعض الصفات، وهذا لا يجعلهم أشاعرة ولا ماتريدية، لأنهم من أهل الحديث والآخذين به والمقدمين له على كل الأصول، بخلاف الأشاعرة المتكلمين وكذلك الماتريدية المتكلمين فإنهم يقدِّمون العقل، ويتحاكمون إلى قواعد المنطق وعلم الكلام مقدمين ذلك على الكتاب والسنة، وهذا فارق كبير بينهم وبين المتمسكين بالآثار، والمقدمين للأخبار، والتابعين للسلف الأخيار، الذين وقعوا في تقليد أولئك في بعض المسائل[54].

 بعد هذه المقدمة المهمة في نظري أعود فأقول: إنه لم يثبت بشكل جلي وجود للماتريدية أو الأشعرية في اليمن في هذه الفترة.

 وأما المعتزلة فالصحيح أن الذي أتى بها إلى اليمن هو الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين سنة (285هـ)، فالزيدية في العقيدة معتزلة، وإن خالفوا المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، فجعلوا مكانها الإمامة، ويقول بعض الباحثين: إن اعتزال زيدية اليمن في بداية أمرهم كان على طريقتهم الخاصة بهم، وليس هو الاعتزال المعروف المنسوب إلى واصل بن عطاء وأتباعه.

 وقد ظلت الزيدية على ذلك إلى أن ظهرت المطرفيَّة [55]، وانتشرت، وفشت بين الناس، وأصبحت تشكل قوة علمية وبشرية يحسب لها ألف حساب، وخصوصاً أنهم قد خالفوا السائد من عقائد الاعتزال وعقائد الزيدية في أمور أهمها: مسألة الإمامة وأنهم لا يحصرونها في أبناء علي رضي الله عنه ، وإنما من جمع صفاتها من المسلمين، فهو أهل لها، وكذلك التفضيل بمجرد النسب لا يقرونه، فتدخلت الغيرة على العقيدة مع الغيرة على الميزة التي اكتسبها بعض الناس في مسألتي الإمامة والنسب، وعند ذلك رغب القائمون على المذهب الزيدي وعقيدته الموروثة في التصدي لهذه الفرقة، وهزيمتها فكرياً عن طريق المناظرة،ولما كان رجال المطرفية أكثر علماً وأنضج فكراً؛ وشعر الطرف الثاني بذلك؛ رغب في تسليح فريقه برجال على نفس المستوى، بل أقوى ليحملوا فكره، ويدافعوا عن أصوله ومبادئه بالطريقة التي يريدها هو، وعندما علم الإمام المتوكل أحمد بن سليمان أن أحد علماء المعتزلة وصل إلى مكة لأداء الحج عام (540 هـ) سارع باستدعائه إلى اليمن، فأجاب إلى ذلك، ووافى الإمام في محل إقامته حينها هجرة محنكة من خولان صعدة في مطلع عام (541هـ)، ومعه كتب الاعتزال، وبقي في اليمن سنتين ونصف لنشر الاعتزال على طريقة معتزلة البصرة، وهي تخالف الاعتزال الذي كان في اليمن من قبل والذي كان أقرب إلى معتزلة بغداد، وقد التقى في هذه الفترة القاضي جعفر بن عبد السلام الأبناوي بالبيهقي [56]، وأخذ عنه علوم الاعتزال وأسلوب المحاجة والمناظرة استعداداً لمناظرة المطرفية، ثم لما عزم البيهقي على العودة إلى العراق عزم معه جعفر بن عبد السلام ليتزود من المنبع الأصلي للاعتزال،غير أن البيهقي مات في تهامة في طريق العودة، فلم يثنِ ذلك عزيمة ابن عبد السلام، بل واصل المسير إلى العراق وفارس، وأخذ في كل بلد حلّه عن علماء المعتزلة فيه [57]، ثم عاد يحمل كتب المعتزلة معه، وبهذا تكامل وجود المعتزلة في اليمن، بل إن من الباحثين من يرى أن المعتزلة لم تدخل اليمن إلا من ذلك التاريخ.

 ولكن الحق أن الذي دخل في ذلك التاريخ هو فكر وعقيدة معتزلة البصرة التي تخالف الاعتزال الذي ظل قائماً في المجتمع منذ دخل الهادي إلى أن ظهر جعفر بن عبدالسلام في أيام المتوكل على الله أحمد ابن سليمان المتوفى سنة (566 هـ) [58].

 

المطلب الرابع:استمرار منهج السلف الصالح رغم مزاحمة المناهج المختلفة له:

 لقد تكفل الله بحفظ دينه وكتابه الكريم، فقال جلّ من قائل: ] إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[ [59]، ومقتضى حفظه أن يبقى ظاهراً قائماً، وأن تقوم به طائفة تمثله بحق، وتعمل به بصدق، وتدعو إليه بإخلاص، على وفق ما نزل الكتاب وما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ووفق ما فهمه الصحابة الكرام من الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان أو انحراف، وقد أكد هذا المعنى الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) [60].

 وإذا كان هذا الوعد يشمل جميع بلاد الله التي يظللها الإسلام، فإنَّ يمن الإيمان والحكمة من أحق البلاد بتحقيق هذا الوعد، وبالفعل فإن تاريخ اليمن لمليء بالأدلة على هذه الدعوى، فلم يخلُ جانب من جوانب منهج أهل السنة والجماعة ممن يقوم به،ويدافع عنه طوال التاريخ اليمني، أو على سبيل الاحتياط في معظم مراحل التاريخ.

 وإذا كان قد مرَّ بنا أن غالب القرون الثلاثة كان الظاهر فيه مذهب أهل السنة والجماعة في اليمن، فإن الفترات اللاحقة لم تشهد غياباً كاملاً لهذا المذهب، وإنما قد يضعف، ويضايق، ويضطهد دعاته في بعض الأحيان، ثم لا يلبث أن يظهر، وما إن تُرفع الحجب، وتزال العقبات من أمامه حتى يهرع الناسُ إليه، يتسابقون عليه، ويسيرون تحت لوائه، وذلك أنه الوحيد المنسجم مع الفطرة والذي تميل إليه الأنفس والقلوب التي لم تعمَ بظلمات البدع، ولم يعكر عليها غبار الشبهات، ومن الأدلة الناصعة على أن منهج السلف الصالح هو المنهج المنسجم مع الفطرة السليمة أن جميع المذاهب الوافدة على اليمن لم تظهر، وتنتشر بين الناس إلا في ظل دول قوية وسلطات قاهرة، ماعدا منهج أهل السنة والجماعة فإنه يقوم بنفسه، وينتشر بما جعل الله فيه من عوامل البقاء والخلود والانتشار، وسيظهر ذلك مما سنورده في المباحث القادمة عند الكلام على تلك المناهج.

 وإذا علمنا أن الأصل الذي كان عليه أهل اليمن هو مذهب أهل السنة والجماعة وأن المذاهب الأخرى إنما طرأت عليه، فإن المعروف المقرر هو بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه، ولم يثبت أن مذهباً من تلك المذاهب الوافدة قد طبق اليمن قاطبة، ولم يدّعِ أحد من أهل تلك المذاهب ذلك، وهذا وحده يكفي دليلاً على استمرار مذهب السلف الصالح وعدم انقطاعه إلى يومنا هذا.

 وهذا ما نلمحه جلياً في كلام المؤرخين، والشهادة الأولى لمؤرخ زيدي هو يحيى بن الحسين ابن القاسم في طبقات الزيدية حيث يقول: (قلت: وكان اليمن في هذا التاريخ – وهو سنة أربعمائة إلى خمسمائة - فيه اختلاف شديد في المذاهب، واضطراب وفتن وشبه يوردها كل فريق، فكان فيه الزيدية فريقين: مخترعة ومطرفية، وفي اليمن الأسفل حنبلية وشافعية، ولما كان رأس خمسمائة فما بعدها غلب على اليمن الأسفل مذهب الأشعري لما خرج من الشام مع بني أيوب، فإنهم أخرجوا معهم " المقالة القدسية " أول إحياء علوم الدين في عقيدة الأشعري فمال إليه أكثر الشافعية في ذلك الوقت؛ لأن الأشعري في ثلاثمائة سنة وكانت وفاته أربع وعشرين وثلاثمائة... ثم اختلفت الشافعية باليمن فمنهم من قال بمقالة أحمد بن حنبل بأن المتشابهات تمر من غير تأويل مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء، واحتجوا بقراءة الوقف على قوله: ]وما يعلم تأويله إلا الله [[61]، ومنهم من تأول ذلك كما يقول الأشعري، وجرت بينهم مناظرات في ذلك الزمن لاسيما العمراني الشافعي صاحب " البيان " على مذهب الشافعي فإنه بنى على أصول أحمد) انتهى محل الغرض منه [62]، وقد عقَّب القاضي الأكوع على هذا الكلام بقوله: (ورغم هذه التيارات المتعاكسة المتضاربة فقد ظل اليمن صامداً أمامهم لم تتزعزع عقائده أو يهدم بنيانه المتراص إلا بعد فترة متراخية، ثم ذكر نحواً مما ذكره في كتابه اليمن الخضراء ونقلناه سابقاً [63]،ثم قال: (هذا هو العمل السائد في العقائد والمقامات في عموم اليمن ماعدا حضرموت فالغالب عليها مذهب الخوارج.

 ولما تغلغلت هذه المذاهب في النفوس بطبيعة التفاعل والامتزاج انبثق عنها في القرن الرابع الهجري مذاهب متشعبة فمن حنفية إلى مالكية إلى شافعية إلى هادوية في صعدة، والمذهب السائد هو مذهب السلف الذين لا ينتمون إلى أي إمام من أئمة المذاهب) [64].

 ويقول شيخ الإسلام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: (ولا ريب أن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهم في الزيدية مالا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطلع على الأحوال، فإن في ديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدداً يجاوز الوصف، يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صح في الأمهات الحديثية، وما يلحق بها من دواوين الإسلام المشتملة على سنة خير الأنام، ولا يرفعون إلى التقليد رأساً، ولا يشوبون دينهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب من شيء منها، بل هم على نمط السلف الصالح في العمل بما يدل عليه كتاب الله وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كثرة انشغالهم بالعلوم التي هي آلات علم الكتاب والسنة من نحو وصرف وبيان وأصول ولغة مع عدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية، ولو لم يكن لهم من المزية إلا التقيَّد بنصوص الكتاب والسنة وطرح التقليد،فإن هذه خصيصة خص الله بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة، ولا توجد في غيرهم إلا نادراً) [65]..

 وفي القرن الرابع نرى من يحمل منهج أهل السنة والجماعة ومذهبهم، ويرد على من خالفهم، فهذا الحسين بن عبدالله المراغي له كتاب يردّ به على المعتزلة باسم " الحروف السبعة في الرد على المعتزلة وغيرهم من أهل الضلال والبدعة " وقد عاش آخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع حيث توفي سن (324هـ) [66]، وهو وافد على اليمن وليس من أهلها، ولكنه استقر بها، وصار له أتباع أخذوا عنه ذلك المذهب الذي كان في الأصل موجوداً قبل وروده [67].

 وفي القرن الخامس يمر بنا الفقيه عبدالله بن يزيد اللَعفي، قال الجندي: (له تصانيف على معتقد السلف)، وكان يعيش في القرن الخامس ووفاته (بعد خمسمائة بيسير) [68].

 وفي القرن الخامس أيضاً كانت مدرسة الإمام زيد بن عبدالله اليفاعي [69]، وهي مدرسة عظيمة جليلة، يدرس فيها فنون مختلفة، ومن أعظمها علوم العقيدة على مذهب السلف الصالح والفقه على مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله-، وكان أصحابه فوق ثلاثمائة متفقه في غالب الأيام، حتى لقد خشي منه ومن أتباعه وأتباع شيخه أبي بكر بن جعفر المحابي أمير الجند من قبل الصليحي، فعمل الحيلة للإيقاع بين الشيخين وأتباعهما؛ مما اضطر الشيخ زيد للرحيل إلى مكة تجنباً للفتنة [70].

وعاصره وكان على نفس المنهج الإمام زيد بن الحسن الفايشي [71]، غير أن الأول كان بالجند والثاني بالجعامي من أعمال إب، وتوفي سنة (528هـ) وقيل (527هـ) [72] -رحمه الله- وفي مدرستيهما كان يدرس علم التوحيد على مذهب السلف الصالح - رضوان الله عليهم - وعنهما وعن غيرهما من العلماء أخذ الإمام يحيى بن أبي الخير [73] ذلك المذهب [74]، والإمام ابن أبي الخير هو رأس أهل السنة في اليمن في القرن السادس، فقد تبناه ودافع عنه وكافح وألّف وناظر وخرّج الطلاب عليه،وقد عني بالرد على المعتزلة حين وفودهم إلى اليمن يمثلهم القاضي جعفر بن عبد السلام المعتزلي فألّف كتابه " الانتصار في الرد على القدرية الأشرار "، ثم ظهرت الأشاعرة فأضاف - رحمه الله - إلى ما ذكره في الانتصار من مسائل القدرية مذهب الأشعرية والرد عليهم، قال ابن سَمُرة: (فأجحف فيه على الأشعرية وقطع حلوقهم وأفحمهم خصوصاً بذلك من يقول]: ما أنزل الله على بشـر من شيء { [75]. ففرح الفقهاء بكتابه " الانتصار " وانتسخوه ودانوا به واعتقدوه) [76].

وقال ابن سمرة قبل ذلك: (وكان الإمام يحيى قد سمع في مدرستي الشيخين الإمامين زيد بن حسن الفايشي وزيد اليفاعي " كتاب التبصرة " في علم الكلام وأصول الدين تصنيف أبي الفتوح [77] على مذهب السلف الصالح، وهما ينقلانه جميعاً عن الشيخ أبي نصر البندنيجي مصنف " المعتمد " في الخلاف، فإنهما صحباه جميعاً في مكة، وعن الإمام يحيى أخذ مشايخنا " التبصرة " في أصول الدين ورويناها عنهم وكان -رحمه الله - يُسمعها في مدرسته، ويعلمها من طلبها، فناظر الشريف العثماني وهو أشعري، ونصر مذهب الحنابلة أهل السنة) [78].

 وقد ملأ أطراف اليمن أصحاب وتلاميذ الإمام يحيى بن أبي الخير، ونشروا ما أخذوا عنه في كل مكان حلّوا فيه، ومن أشهر من خلفه في ذلك الطريق الفقيه مسعود بن علي بن مسعود العنسي [79]،وقد كان شديد الغيرة على ذلك المذهب، حتى أنه عندما أظهر طاهر بن يحيى بن أبي الخير القول بمذهب الأشاعرة بعد موت أبيه، غضب لذلك، وقام فيه قياماً حسناً، وألّف في الرد عليه، قال الجندي وهو يتكلم على انحراف طاهر ونقض توبته التي أعلنها في حياة أبيه أثناء ترجمته لسيف السنة البر يهي: (ولذلك أجمع الفقهاء على هجره والإنكار عليه مشافهةً ومراسلة ومكاتبةً، وكان من أعظمهم في ذلك القاضي مسعود، ولهذا في الرد عليه كتاب كبير وأخباره يطول ذكرها) [80]، وبهذا تعرف غيرة هذا الفقيه على مذهب أهل السنة، وليس وحده ولكن أجمع جميع الفقهاء الحضارين في ذلك الوقت على ما أبدى على طاهر بن يحيى بن أبي الخير من الإنكار والهجر، ثم تسلمت الراية مدرسة أخرى هي مدرسة الإمام سيف السنة أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبدالله البر يهي السكسكي.

 قال الجندي: (وله كتب عدة في الأصول، يرد بها على المعتزلة والأشعرية، وكان كبير القدر، شهير الذكر، صاحب كرامات عديدة، وكتب مفيدة) [81]، وقد حذا طلابه حذوه في الرد على الأشاعرة وغيرهم [82]، وبأصحاب الإمام البر يهي نقطع أن مذهب أهل السنة كان ظاهراً قوياً إلى ما بعد منتصف القرن السابع، أي إلى بعد دخول الأيوبيين إلى اليمن بنحو مائة سنة حيث كان دخولهم سنة (569هـ) [83].

 وبعد منتصف القرن السابع بدأت تقل المعلومات عن وجود قائمين بمذهب السلف، ولكن مذهب السلف الصالح ما كاد ينحسر عن المناطق الشافعية حتى لمع نجمه زاهراً مضيئاً في المناطق الزيدية على يد مفخرة اليمن الإمام العظيم محمد بن إبراهيم الوزير الذي عاش في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع، فقد جدد هذا الإمام العظيم مذهب السلف الصالح في تلك المناطق، وأشاد أركانه، وأوضح معالمه؛ مما جعل كتبه مرجعاً لأهل السنة وعلماء السلفية في مختلف بلاد العالم الإسلامي، رغم ما لاقى في سبيل ذلك من محن وأذى، قابلها بالصبر والاحتساب وسعة الصدر والإصرار على التمسك بالحق الذي آمن به.

 وقد كتب الله له النجاح في دعوته، وأثمرت جهوده بإنشاء مدرسة علمية سلفية، راسخة القواعد طيبة الثمار، مازال سبيلها معموراً إلى الآن، وقد سقنا الحديث عنها في هذا المبحث، والغرض هو تقرير أن منهج السلف الصالح في العقيدة مازال موجوداً حاضراً فاعلاً في اليمن منذ أن دخلها على يد معاذ وأبي موسى - رضي الله عنهما - إلى اليوم، وذلك تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك))[84]0

 

المبحث الثاني

الإسماعيلية ودورها في نشر القبورية في اليمن

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: طوائف الإسماعيلية التي دخلت اليمن:

 سبق في المبحث الأول أن الإسماعيلية التي دخلت اليمن فصيلان: أما الفصيل الأول فهم القرامطة، ويمثلهم علي بن الفضل الجدني، وقد انتهى هذا الفصيل بانتها ء دولة علي بن الفضل وابنه الفأفاء سنة (304هـ) كما سبق على يد آل يعفر الحواليين السُنيين.

 وأما الفصيل الثاني فهو المنتمي إلى العبيديين أصحاب الدولة الفاطمية بمصر، وكان يمثل هذا الفصيل منصور اليمن.

 وحينما قضى أهل السنة على الدولة الإسماعيلية ككيان سياسي، وانتهى بذلك أثر علي بن الفضل، لم ينتهِ أثر ابن حوشب أو منصور اليمن، بل إنه عهِدَ بالدعوة من بعده إلى من يقوم بها كما سيأتي في المطلب الثالث، ولكن الذي يهمنا هنا أن الإسماعيلية في مصر في آخر عهد الدولة العبيدية انقسمت إلى قسمين: مستعلية، ونزارية، تبعاً للإمام الذي تبعته كل فرقة منها، وذلك أنه بعد موت الخليفة " المستنصر " اختلف على من يخلفه في الإمامة، فبايع قوم ابنه الأكبر "نزار " وهم النزارية، وبايع قوم آخرون ابنه الأصغر " أحمد " وسموه " المستعلي " وهم المستعلية، والذي يهمنا أن الذين في اليمن من الإسماعيلية ومنهم الصليحيون هم من فرقة " المستعلية " [85].

 ثم انقسمت المستعلية باليمن إلى قسمين هما: " الداودية " أتباع الداعي " داهود قطب شاه " والسليمانية أتباع " سليمان بن حسن "، فالداودية هم البـُهرة، والذين ولاؤهم للزعامة الإسماعيلية بالهند، وهم الظاهرون والذين ينصبُّ الكلام عنهم كلما ذكرت الحركة الإسماعيلية المعاصرة، وهم أشد تطرفاً وأكثر قبورية، وأما السليمانية فهم الذين يطلق عليهم المكارمة وولاؤهم لزعيمهم المتواجد بنجران، وهم أقل عدداً وأثراً من البهرة [86].

 

المطلب الثاني: لمحة عن الدولة الصليحية مؤسسة القبورية في اليمن:

 بعد موت ابن حوشب أو منصور اليمن، ظل التواصل جارياً بين خليفته في اليمن عبد الله ابن عباس الشاوري وبين المهدي " المزعوم " القائم بالمغرب، وكان قد وصل تكليف رسمي من المهدي للشاوري بالقيام بأمر الدعوة، وفعلاً قام بها، ولكن الحسن بن منصور اليمن لم يسلِّم له، وأحب أن يكون هو قائماً مقام أبيه، وتربص بالشاوري حتى أمكنته الفرصة فوثب عليه فقتله، ثم أعلن نفسه قائماً مقام أبيه، وتتبع من كان مع الشاوري فقضى عليهم.

 ثم أعلن تخليه عن مذهب أبيه ورجوعه إلى مذهب أهل السنة، وكان قد قضى على معظم الرجال البارزين من أعوان أبيه، ولم يبق إلا من أمكنه الاستتار، وكان من هؤلاء: يوسف بن موسى ابن أبي الطفيل فقام بأمر الدعوة، ثم قام بعده جعفر بن أحمد بن عباس ثم عبدالله بن محمد بن بشر ثم محمد بن أحمد الشاوري ثم هارون بن محمد بن رحيم ثم يوسف بن أحمد بن الأشج ثم سليمان ابن عبدالله بن عامر الزواحي، وكان هذا الرجل عظيم الجاه كثير المال، فكلما همَّ به أحد من الناس رد عليه قائلاً: (أنا رجل مسلم، أقول: لاإله إلا الله محمد رسول الله، فكيف يحل لكم دمي ومالي؟ فيمسكون عنه)،وهو الذي سلم الأمر إلى الصليحي.[87].

 وكان أبو الصليحي محمد بن علي الصليحي قاضياً سنياً فاضلاً ذا مكانة في قومه، وكان الشاوري يزور هذا القاضي الفاضل، فلحظ ابنه وما عليه من مخايل النجابة والذكاء والشجاعة وغيرها من مؤهلات القيام بالدعوة بل بالإمارة، فكان يجالسه، ويفضي إليه بالدعوة، ويرغبه فيها حتى أقنعه.

 ولم يتعجل الشاب علي بن محمد الصليحي الأمر، ولكنه بدأ يمهد لنفسه بخطوات وئيدة ثابتة، فأخذ يحج بالناس عن طريق السراة والطائف لمدة خمسة عشر عاماً حتى شاع ذكره، وظهرت شخصيته، وعرف مكانه، وكان قد تردد على ألسنة الناس أن ذلك الشاب سوف يملك اليمن، فكان يسمعه من كثير من الناس ولكن يجيب باستبعاد ذلك، وإن كان في قرارة نفسه يتوْقُ إليه ويزيد تصميماً على بلوغه،وعندما حضرت الوفاة سليمان الزواحي أوصى بكتبه وأمواله، وكانت كثيرة لعلي ابن محمد الصليحي، فانكب على تلك الكتب، فقرأها، وفهمها، وصار من العلماء بما فيها، وبعد أن بث دعوته، واستجاب له أعداد كبيرة من الناس، أعلن ثورته وتبعيته للخليفة الفاطمي " المستنصر بالله "، وذلك من جبل مسار سنة (439هـ) [88].

 وهكذا تأسست الدولة الصليحية، ومازال الصليحي يتوسع حتى ملك اليمن كله، ولم يكتف بذلك، بل أدخل الحجاز ضمن دولته، وملك مكة وما والاها باسم الفاطميين، وبعد مكاتبات مع خليفته في مصر ولّى العهد لابنه محمد، ولكنه ما لبث أن مات مبكراً في حياة أبيه، فأُخبر الخليفة بذلك وطلب أن يقوم بولاية العهد ابنه الآخر المكرم أحمد، فوافق الخليفة على ذلك [89].

 وفي سنة (459هـ) عزم على الحج، وأخذ معه من الأموال والنفائس مالا يقدّر بثمن، كما حمل معه جميع الملوك والأمراء الذين أجلاهم عن الملك، وحبسهم لديه؛ خوفاً من تمردهم، أخذهم جميعاً معه إلى الحج، وعددهم خمسون ملكاً، وترك ابنه ولي العهد بصنعاء، وسار من طريق تهامة في مرافقين آخرين، وكان في موكبه ألفا فارس، غير أن أولئك الفرسان لم يكونوا مرافقين له، وإنما كان قد قدّمهم أمامه، وسار هو في مجموعة صغيرة من آل الصليحي وبعض المقربين [90].

 وكان من جملة الموتورين منه آل نجاح حكام زبيد الذين أزالهم عنها، وسلبهم دولتهم؛ فكانوا يتربصون به الدوائر، فلما علموا بسفره رصدوه، ثم تجهزوا في جهاز غير طائل، ولكنّ توفيق الله صحبهم، ونصره تنـزل عليهم ففاجأوه بمنطقة يقال لها "المهجم" من تهامة، فأعملوا في معسكره سلاحهم البسيط، فقتلوه، وقتلوا أخاه، وغنموا جميع ما في المخيم من أموال ومجوهرات ونفائس وسلاح وخيل وغير ذلك، ثم احتزوا رأسه ورأس أخيه، وحملوهما مع النساء اللاتي أسروهن، ومنهن أسماء بنت شهاب زوجة الملك علي بن محمد الصليحي وأم أولاده، وقد نصبوا رأس الصليحي وأخيه على رمحين، ووضعوهما أمام أسماء على الراحلة، ثم بعد ذلك نصبوهما أمام الطاق الذي تسكنه بحيث كلما نظرت من الطاقة رأتهما أمامها، وتم لسعيد الأحول النجاحي وإخوانه الاستيلاء على زبيد وإقامة الدولة النجاحية السنية هناك، وكان قتله يوم السبت الحادي عشر من ذي القعدة سنة (459هـ)[91] ودام الأمر لبني نجاح سنة واحدة، وقيل أقل من ذلك [92].

 في أثناء ذلك كانت أم الملك المكرم قد هرَّبت إليه رسالة،تحثه فيها على العمل على فك أسارها، وبالغت في ذلك حتى قالت في الرسالة: (أنها حبلى من العبد سعيد الأحول)، ولم يكن شيء من ذلك، وإنما قصدها حثه على الإسراع حيث قالت: إن تأخرت عن إطلاقي تمت الفضيحة حين ألد بولد لذلك العبد، واستغلَّ المكرم تلك الرسالة أحسن استغلال، فكان يقرأها على الناس في المساجد والمجامع، ويثير بها نخوتهم، فألّب الناس، وجهز لاستعادة زبيد، وفك أسر أمه، وسار في عشرة آلاف شخص حتى داهموا زبيد، واقتحموها، وهزموا بني نجاح ومن معهم، ويمم المكرم تحت الطاق الذي فيه أمه، فأطلقها، وأنزل الرأسين المنصوبين أمام ذلك الطاق، فغسلهما، ودفنهما في زبيد، وبنى عليهما مشهداً، هو ثاني مشهد يثبته التاريخ في اليمن [93]، وعند عودته مرّ بالمكان الذي قتل فيه أبوه وعمه، فأخذ جثتيهما معه إلى صنعاء [94]،وبنى عليهما مشهداً في صنعاء، ثم حاول استعادة ملك أبيه، فأفلح في البعض، وأخفق في البعض الآخر.

 وكان قد أصابه الريح حين كشف عن وجهه أمام أمه[95] في زبيد، وبقي مريضاً بذلك، ولكنه بقي ماسكاً بزمام الملك حتى ماتت أمه أسماء سنة (479 هـ)، بعد ذلك فوّض الأمر إلى الملكة السيدة بنت أحمد الصليحية، وهي التي يسميها العامة وأشباههم " الملكة أروى "، ثم انتقلا إلى ذي جبلة من مخلاف جعفر، وهو الذي يسمى اليوم " إب ".

 وفي عام (484 هـ) مات المكرم، فأسند أمر الدعوة إلى الأمير أبي حمير سبأ بن أحمد بن المظفر الصليحي، وبقي الملك بيد السيدة بنت أحمد حتى ماتت سنة (532 هـ)، ودفنت في جامع جبلة يسار القبلة،وقيل أن قبرها كان في موضع خاص قد استثنته من الوقف حين أوقفت أرض المسجد على العموم،فهو يعتبر ضمن المسجد.

 وبعد موت الملكة بدأ التحلل في الدولة الصليحية وبدأت النواحي تستقل، فبعد استقلال النجاحيين بتهامة وعاصمتها زبيد في حياة الملكة استقل بعد موتها الزريعيون بعدن والجند وما بينهما والياميون بصنعاء ومخا ليفها ومعظم اليمن الأعلى، وهكذا تساقطت مدنهم وحصونهم حتى كانت نهايتهم سنة (532هـ).

 

سياسة الدولة الصليحية في تبني ونشر الإسماعيلية:

 مرَّ بنا أن الدعاة الإسماعيليين توارثوا الدعوة بعد منصور اليمن على نفس المنهج، وكان آخرهم سليمان الزواحي، الذي سلَّم الراية لعلي بن محمد الصليحي، ودرّس علي بن محمد الصليحي الإرث الإسماعيلي، وفهمه حتى صار من دعاته، ولكنه بعد أن أقام دولته انشغل بالسياسة عن الدعوة، وهكذا خلفاؤه: ابنه المكرم وسبأ بن أحمد لم يعرف عنهما الانشغال بالدعوة بأنفسهما، ولكن هناك دعاة عاصروهما، قاموا بما يجب نحوها، ومع ذلك لم يظهر من الصليحيين إجبار لأهل السنة أو الزيدية الذين دخلوا تحت حكمهم على اتباع مذهبهم، والذي يبدو أن الشعار الظاهر هو ترك أهل كل مذهب يعملون بمذهبهم في خاصة أنفسهم، ولكن ولاتهم ودعاتهم كانوا يعملون في الخفاء؛ للإيقاع بخصومهم الذين يعلمون بغضهم لهم وتكفيرهم إياهم، ويعملون المكائد لتفريقهم وإشغال بعضهم ببعض، ومن الأمثلة الناصعة على ذلك ما ذكره الجندي في ترجمة الفقيه زيد بن عبدالله اليفاعي بعد أن ذكر فضل الشيخ وسعة علمه وكثرة طلابه حتى لقد أصبح طلابه أكثر عدداً من طلاب شيخه أبي بكر ابن جعفر بن عبدالرحيم المحابي، وقد كانا يدرّسان في مسجد الجند جنباً إلى جنب، ولم يكن بينهما شيء من المنافسة، قال: (ولم يزل ذلك من شأنهم حتى تمت الحيلة من المفضل في التفريق بينهم، وذلك أنه مات ميت من أهل الجند، فخرج الإمام زيد والإمام أبو بكر بن جعفر في أصحابهما، يقبرون وعليهم الثياب البيض لبس الحواريين، والمفضل يومئذ بقصر الجند، فحانت منه نظرة إلى المقبرة، فرأى فيها جمعاً عظيماً مبيضين، فسأل عن ذلك فقيل: قبر ميت غالب من حضره من الفقهاء، فعرَض بذهنه ما فعله ابن المصوع مع أخيه حيث قتله،وقال: " هؤلاء يكفروننا ولا نأمن خروجهم علينا مع القلة، فكيف مع الكثرة؟ ثم قال لحاضري مجلسه: انظروا كيف تفرقون بينهم، وتدخلون البغضاء عليهم بالوجه اللطيف "، فجعلوا يولّون القضاء بعض أصحاب الإمام زيد أياماً، ويعزلونه، ويولون مكانه من أصحاب الإمام أبي بكر بن جعفر، ثم يولون إمامة الجامع كذلك، ثم النظر في أمر المسجد كذلك، حتى ظهر السباب بين الحزبَين، وكادَ يكون بين الإمامين، فعلم الإمام زيد ذلك فارتحل مهاجراً إلى مكة) [96]، فالكيد والدس ثابت عليهم، ولعلّ الجو لم يساعدهم بشكل كبير وواضح على دعوة عامة الناس إلى مذهبهم، أما الدعوة السرية والفردية فهي قائمة لاشك، وقد كسبوا لهم أتباعاً مازالوا يسيرون على منهجهم إلى اليوم.

 

ما ينسب إلى الصليحيين من إباحة المحرمات وحط الواجبات:

 ذكر الحمادي اليماني -رحمه الله- أنه كان يسمع ما يقوله الناس عن هذه الفئة " الصليحية الباطنية "، وأنه كلما سأل أحداً ممن أشاع تلك الأخبار: أتشهد بذلك؟ قال: لا، إنما سمعت الناس يقولون ذلك فقلته، قال: (فرأيت أن أدخل في مذهبه؛ لأتيقن صدق ما قيل من كذبه؛ ولأطلع على سرائره وكتبه) [97]، ثم بدأ بذكر كيفية الدعوة إلى أن ذكر كيف يحطون عنه الصلاة ثم الصوم، وكيف يحلون له الخمر، وهم في كل ذلك يستدلون بالآيات بعد أن يحرفونها عن مواضعها، ثم بعد اجتياز تلك المراحل، يترقون به إلى ذلك الفعل الشنيع الذي أشيع عنهم، فقال: (فإذا صح عندك حاله، فاذهب به إلى زوجتك، فاجمع بينه وبينها، فيقول: سمعاً وطاعة لله ولمولانا، فيمضي به إلى بيته، ويبيت مع زوجته حتى إذا كان الصباح قرع عليهما الباب، وقال: " قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس، فيشكر ذلك المخدوع له فيقول: " ليس هذا من فضلي. هذا فضل مولانا "، فإذا خرج من عنده تسمع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى منهم أحد إلا بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون، ثم يقول: " لابد لك أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا، فادفع قربانك "، فيدفع اثني عشر ديناراً، ويصل به ويقول: يا مولانا إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم وهذا قربانه حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس وحميت الرؤوس، وطابت النفوس أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم، فيدخلن عليهم من كل باب، وأطفئت السرج والشموع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه يده، ثم أمر المقتدي زوجته أن تفعل كفعل الداعي الملعون وجميع المستجيبين، فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل له، فيقول له: " ليس هذا من فضلي، هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين فاشكره ولا تكفره على ما أطلق من وثاقكم، ووضع عنكم أوزاركم، وحط عنكم آصاركم، ووضع عنكم أثقالكم، وأحل لكم بعض الذي حرم عليكم جهالكم: ] وما يلقاها إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم [ ") [98].

 قال محمد بن مالك -رحمه الله تعالى-: (هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم، والله تعالى لهم بالمرصاد، والله تعالى عليَّ شهيد بجميع ما ذكرته مما اطلعت عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم، والله يشهد عليّ بجميع ما ذكرته عالم به، ومن تكلم عليهم بباطل فعليه لعنة الله تعالى ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، وأخزى الله من كذب عليهم، وأعد له جهنم، وساءت مصيراً، ومن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حول الله وقوته إلى حول الشيطان وقوته) [99]

هذا ما ذكره الحمادي عن علم وخبرة، فهل يسلّم له ذلك ويتابع عليه؟

 أقول: أما الحمادي فلم تُروَ له ترجمة مفصلة في أي كتاب من كتب تواريخ اليمن التي يتداولها الناس، حتى إن القاضي محمد بن علي الأكوع عند تحقيق كتابه ذلك لم يعثر له على ذكر إلا في طبقات فقهاء اليمن للجعدي، حيث قال: (وفي رسالة محمد بن مالك الحمادي)، وكذلك في كتاب السلوك للجندي، قال في سياق كلامه عن علي بن الفضل: (على ما ذكره الفقيه أبو عبدالله محمد بن مالك ابن أبي القبائل أحد فقهاء اليمن وعلماء السنة، وكان ممن دخل في مذهبهما " منصور و"ابن الفضل " أيام الصليحي وتحقق أصل مذهبهما، فلما تحقق فساد ذلك، رجع عنه، وعمل رسالة مشهورة يخبر بأصل مذهبهم، ويبيْن عوارهم ويحذر من الاغترار بهم) [100]، ولذلك فإن الجزم بصدق ما يقول لا يليق بالباحث المنصف، غير أن بعض ما ذكره قد توبع عليه ممن لا يظن أنه نقل عنه، فترتيب الدعوة عند الفاطمية الإسماعيلية بمصر تشبه إلى حد بعيد ما ذكره الحمادي، وقد ذكر ذلك المقريزي، وهو غير متهم عليهم؛ لأن نقله عنهم وحكايته لتاريخهم لا يفهم منه إلا احترامهم واعتبارهم من خيار الخلفاء، كما أن له كتاباً خاصاً بتاريخهم أسماه " اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء" [101]، وهو من بين العلماء القلائل الذين أثبتوا انتساب الفاطميين إلى علي رضي الله عنه ، فأرى أن شهادته عليهم مقبولة قطعاً.

 وقد وصف المقريزي في خططه ترتيب الدعوة، وقد جعلها تسع مراتب، وفي المرتبة التاسعة قال: (هي النتيجة التي يحاول الداعي بتقرير جميع ما تقدم رسوخها في نفس من يدعوه، فإذا تيقن أن المدعو تأهل لكشف السر والإفصاح عن الرموز أحاله على ما تقرر في كتب الفلاسفة من علم الطبيعيات وما بعد الطبيعة، والعلم الإلهي وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية، حتى إذا تمكن المدعو من معرفة ذلك كشف الداعي قناعه، وقال: ما ذكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني المبادئ وتقلب الجواهر، وأن الوحي إنما هو صفاء النفس؛ فيجد النبي في فهمه ما يلقى إليه، ويتنزل عليه؛ فيبرزه إلى الناس، ويعبر عنه بكلام الله الذي ينظم به النبي شريعته بحسب ما يراه من المصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب حينئذ العمل إلا بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدهماء، بخلاف العارف فإنه لا يلزمه العمل بها، ويكفيه معرفته؛ فإنها اليقين الذي يجب المصير إليه، وماعدا المعرفة من سائر المشروعات فإنما هي أثقال وآصار حملها الكفار أهل الجهالة، لمعرفة الأعراض والأسباب، ومن جملة المعرفة عندهم أن الأنبياء النطقاء أصحاب الشرائع إنما هم لسياسة العامة، وأن الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصة، وأن الإمام إنما وجوده في العالم الروحاني إذا صرنا بالرياضة في المعارف إليه، وظهوره الآن إنما هو ظهور أمره ونهيه على لسان أوليائه ونحو ذلك مما هو مبسوط في كتبهم، وهذا حاصل علم الداعي، ولهم في ذلك مصنفات كثيرة منها، اختصرت ما تقدم ذكره) [102].

 وفيما أورده المقريزي شاهد لمراتب الدعوة، وإن كان الحمادي قصر بها عن عدد تلك المراتب، كما فيها شاهد على إسقاط الواجبات والتكاليف، كما ذكر الباحثان إحسان إلهي ظهير في " الإسماعيلية " والدكتور سليمان عبدالله السلومي في " أصول الإسماعيلية " أن للإسماعيلية كتباً في تأويل أركان الإسلام وعباداته من أشهرها كتاب " دعائم الإسلام " و" تأويل دعائم الإسلام " للقاضي النعمان بن حيون المغربي،، ونقلا عنهما وعن غيرهما من التأويل لتلك الأركان والعبادات ما يلغيها فعلاً، وأن بعض من وصل إلى درجة المعرفة لديهم معفوون عنها [103].

 كما اعترف بأصل ذلك أحد باحثيهم المعاصرين وهو الدكتور مصطفى غالب في "تاريخ الإسماعيلية"، حيث قال: (وما ظهر من أمور الدين من العبادة العملية وما جاء في القرآن هي معانٍ يعرفها العامة، ولكن لكل فريضة من فرائض الدين تأويلاً باطناً لا يعلمه إلا الأئمة وكبار حججهم ودعاتهم وحدودهم) [104].

 وتبقى قضية إباحة الفاحشة سواءً إحلال النساء بالانفراد أو في المشهد الأعظم- كما عبر عنه الحمادي - فهذا الجزء من التهمة لم أجد له من كتبهم ما يشهد له، وإن كان مبدأ التأويل ونسخ الشريعة يسعه ويتضمنه، ولكنهم أنفسهم ينكرون ذلك غاية الإنكار، كما صرَّح بذلك الغزالي في رده عليهم [105]، ولذا فأنا عاجز عن نفيه أو إثباته على سبيل القطع، ولا أحب أن أقذف أحداً بما لم يثبت لديّ بيقين، خصوصاً في مثل هذه التهم القبيحة التي تنكرها الفطر السليمة، والشيم الأصيلة، فضلاً عن الدين القويم.

 

المطلب الثالث: دور الدولة الصليحية في نشر القبورية في اليمن:

 لم يثبت في تاريخ اليمن وجود قبر معظّم عليه مشهد أو مسجد قبل العقد الثاني من القرن الخامس إلا ما ذكر مما يسمى مسجد الشهيدين بصنعاء الذي قيل أنه على قبَري قثم وعبدالرحمن ابني عبيدالله بن العباس y، والذَين قتلهما بسر بن أرطأة والي معاوية رضي الله عنه  على اليمن الذي أرسله أثناء الفتنة بينه وبين علي رضي الله عنه ، فقد قيل: إنه بُنى على قبريهما مسجد، وهذا الذي قيل ذكره المتأخرون من مؤرخي اليمن مثل الجندي حيث قال: (وقبر الطفلين مشهور بصنعاء في مسجد يعرف بمسجد الشهيدين) [106]والخزرجي حيث قال: (فدفن الولدان حيث قتلا وبني عليهما مسجد هو معروف [107]، وقال مثله ابن الديبع [108]، وقال العرشي: فقبرا بصنعاء بالشهيدين، وبهما سمي [109]، فهذه المراجع كلها كما ترى تثبت وجود المسجد على القبر، ولكن متى بني ذلك المسجد؟ ومن الذي بناه؟.

 عبارتهم بلفظ المبني للمجهول وهي لا تفيد تحديد من بنى أو متى بُني، كما أن العرشي يثبت أن القبر بذلك المسجد، وهو أيضاً لم يحدد تاريخ بناء المسجد، فالذي نفهم من هذه العبارات أنه في أيام أولئك المؤرخين يوجد مسجد، يقال: إنه على قبر ذينك الطفلين، لم يحدد أحد منهم ولا من غيرهم متى بني، ومما يؤكد أنه لم يكن موجوداً في الزمن الأول أن المؤرخ إسحاق بن يحيى بن جرير الطبري الصنعاني المتوفى سنة (450هـ)ذكر الحادثة وقتل الطفلين في باب المصرع، ولم يذكر بناء المسجد عليهما [110]، وكذلك الرازي المتوفى سنة (560هـ) ذكر المصرع، وصرح بقوله: (الموضع الذي يباع فيه السليط وموضع الحدادين إذا أردت أن تنزل سوق العراقيين موضع مسجد ابن زيد، وكانت مقبرة غمدان حيث يحدد الحدادون اليوم بصنعاء، والله سبحانه وتعالى أعلم) [111]، فلو كان هناك مسجد أو مشهد على القبرين لذكرَه، وبهذا نعلم أن المسجد أو المشهد المشار إليه إنما بني بعد ذلك على عادة القبورية الذين يتتبعون المناسبات، وعلى أثرها يبنون على البقعة التي يتوهمون أنها موضع القبر، فتصبح بذلك مزاراً، ولهذا فإن الدكتور "علي سعيد سيف" في رسالته الأضرحة في اليمن لم يثبت هذا المسجد ضمن الأضرحة التي تناولها بالدراسة، وإنما ذكرها في التمهيد فقط، وقال: (ولكن يستشف من بعض الروايات) [112].

 وقد اجتهدت في توضيح هذه المسألة حتى لا يقال أن هناك مشهداً من أيام الصحابة؛ فيتخذ حجة للقبوريين، ومثل ذلك يقال في المسجد المبني على قبر الشريف العراقي، وهو الطبيب العراقي الذي كان يعمل في اليمن في صنعاء، فلما سمع بما يفعله علي بن الفضل بالإسلام والمسلمين نذر على نفسه أن يقتله، فذهب إلى عاصمة ابن الفضل "المذيخرة" وعمل فيها وأظهر براعة في الطب فطلبه علي بن الفضل ليكون طبيباً له ثم احتاج ابن الفضل إلى الفصد ففصده بمبضع مسموم فمات ابن الفضل وهرب الطبيب إلى موضع يسمى " قينان " بوادي السحول فقتل هناك،قال الجندي: (وقبره هنالك، وهو مسجد جامع له منارة يزار ويتبرك، به دخلته في المحرم أول سنة ست وتسعين وستمائة) [113].

 وقد علق على ذلك القاضي الأكوع فقال: (والقبر لايزال موجوداً وهذه القصة ظاهرة عليها الصنعة والوضع ومحتاجة إلى مناقشة) [114].

 أما ابن الديبع فقال: (فأُدرك في السحول عند المسجد المعروف بقينان، فأرادوا إمساكه، فامتنع وقاتلهم حتى قتل، وقبره هناك رحمه الله) [115].وهذا - كما ترى - ليس فيه ذكر المسجد الذي على القبر وعلى كل حال فليس في النقلين ولا في غيرهما ذكر لتاريخ بناء المسجد الذي على القبر ولا من بناه، فليس فيه أي حجة على وجود مسجد على القبر قبل التاريخ الذي ذكرته سابقاً، وهو العقد الثاني من القرن الخامس؛ لأن هذا المسجد لو صح أنه بني عند مقتل ذلك الرجل لكان في القرن الرابع، حيث أنه قتل بعد مقتل علي بن الفضل بأيام، ولكن ذلك لم يصح، وبهذا يثبت أن المشاهد الثابت بناؤها هي التي أسستها الدولة الصليحية الإسماعيلية، غير أنه - ومن باب الأمانة ومعرفة الحقيقة - قد ثبت أن هناك مشهداً واحداً، سبق الدولة الصليحية بسنوات، وهو لا يمت للقبورية بصلة؛ لأنه من مشاهد السلاطين لا من مشاهد الأولياء والصالحين، ذلك المشهد هو مشهد آخر أمير من أمراء بني زياد وعمته، إذ إن وزير ذلك الأمير الطفل - ويسمى نفيساً - كان قد قتل الطفل وعمته بتهمة أن المرأة كانت تكاتب خصمه ومنافسه " نجاحاً "، وكان وقتها فاراً من زبيد بسبب تسلط" نفيس "، فقتلها، وقتل الطفل، ثم بنى عليهما جداراً، فلما علم نجاح بذلك اتخذه ذريعة للانقضاض على خصمه، وجمع الجموع، ثم هجم بهم على زبيد في عدة وقائع، آخرها سنة (412هـ) حيث قتل نفيس، فلما دخل نجاح زبيد سأل مولاه " مرجان ":(ما فعل مواليك وموالينا؟ قال: في ذلك الجدار، فأخرجهما نجاح، وصلى عليهما، وبنى لهما مشهداً، وأعاد مرجاناً في موضعهما، فبنى عليه حياً وعلى جثة نفيس) [116].

 وقد ذكر مثل ذلك ابن الديبع في الفضل المزيد [117]، وقريباً منه الخزرجي في العسجد المسبوك [118]، وهذا أول مشهد بني على قبر في اليمن حسبما اطلعت عليه في كتب التاريخ اليمني، وليس هو مما يخشى منه؛ لأنه ليس له فضل من جهة دينية، وإن كان هو من الأمور المحرمة، ومن نتائج الجهل وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، مع أن النجاحيين من السُنة، وليسوا من الشيعة رواد القبورية في العالم، ولكنّ السببَ - والله أعلم - هو النزعة السلطانية والكسب السياسي بإظهار وتعظيم ذلك الوزير لأسياده ووفائه لهم بعد أن أصبح هو الوريث لدولتهم، وما أظن أن هذا سوف يحصل لولا أن ظاهرة تقديس القبور وتعظيمها قد فشت في البلاد الإسلامية المجاورة من جهة الدولة الفاطمية الإسماعيلية.

(2)            مشاهد آل الصليحي:

 الدولة الصليحية إسماعيلية العقيدة، فاطمية الولاء، متأثرة كل التأثر بأسيادها العبيديين في مصر، وقد مر بنا دور العبيديين في نشر القبورية، فلا غرابة أن يكون الصليحيون على منوالهم، وأن يسيروا على طريقهم، ولامانع أن نجزم بأنهم مؤسسو القبورية في اليمن.

(3)              مشهد الرأسين:

 مر بنا أن بني نجاح عندما قتلوا على بن محمد الصليحي وأخاه أخذوا رأسيهما، فنصبوهما بزبيد أمام طاق زوجة الصليحي " أسماء بنت شهاب "، وعندما هاجم الملك المكرم أحمد بن علي الصليحي زبيد لاستنقاذ أمه من الأسر، واسترجاع ملك أبيه، أنزل الرأسين، ودفنهما في زبيد، وبنى عليهما مشهداً. قال عمارة: (وأنا أدركت مشهد الرأسين) [119]، وكان ذلك سنة (460 هـ).

(1)         مشهد الصليحي بصنعاء:

 وعند عودة الملك المكرم إلى صنعاء نبش قبري أبيه وعمه، ثم حمل جثتيهما في تابوتين، ودفنهما في صنعاء وأمر ببناء مشهد جامع لهما [120]، وهو بذلك أخذ بسُنّة المعز الفاطمي الذي أحضر معه رفات آبائه عندما انتقل من المغرب إلى مصر، وبنى عليهما التربة الشهيرة التي تسمى " تربة الزعفران " وقد سبق الحديث عنها.

قبر السيدة بنت أحمد في جامع ذي جبلة:

 قال الهمداني: (وفي غرة شهر شعبان من سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة توفيت الملكة الحرة عن اثنتين وتسعين سنة من العمر، ودفنت في جامع ذي جبلة أيسر القبلة في منزل متصل بالجامع، وكانت هي التي تولت عمارة هذا الجامع، وهيأت موضع قبرها فيه. وذكر إدريس: " أن بعض ملوك اليمن أراد أن يخرج جثتها من قبرها حين ظن بعض الفقهاء كونها في الجامع، ففتحوا عن قبرها حتى انتهوا إلى تابوت، فوجدوا فيه قفصاً مقفلاً، ففتحوه، فأصابوا فيه كتباً وأحكاماً، تشهد أنها استثنت فيه ذلك المنزل الذي دفنت فيه عن المسجد لقبرها فيه، ووجدوا بذلك علامات القضاة وشهادة الشهود الثابتة عند الحكام، فردوا قبرها على ما كان عليه، وردوا تربته وحجارته إليه "، ويقول إدريس:" وقبرها إلى اليوم،يزوره جميع فرق الإسلام، ويعترف بفضلها الخاص والعام، ويأتي إلى قبرها من أصيب بظلم، أو حاجة، أو علة في بدنه،أو بليـَّة، فيتشفعون بها إلى الله تعالى في كشف ما انتابهم بفضلها ") [121].

 وفيها وفي قبرها يقول القاضي حسين بن أبي عمران بن الفضل اليامي:

وقفت على قبر الوحيدة وقفة وقد زِين منها مسجدٌ وستورُ

 فقبلته واستفتُ رَيَّاً ترابــه وعاود قلبي رنة وزفـــير

و سالت دموع العين مني كأنها بشطِّ مجاري المقلتين سطـور

ولله منها روحُ قُدْس تميزت فصارت بأعلى الدائرات تطير[122]

 

مشهد العباس:

هذا المشهد كما يقول - الدكتور علي سعيد سيف - يقع في منطقة أسناف خولان إلى الشرق من مدينة صنعاء على يمين الطريق المار بين صنعاء وخولان الطيال، ويبعد عن صنعاء بحوالي (20)كم، ويحتل المسجد الضريح ربوة مرتفعة تقع جنوب قرية أسناف، وتتبع إدارياً مديرية خولان التابعة لمحافظة صنعاء، [123]، وذكر الدكتور أن العباس صاحب الضريح غير معروف، ولكن بناء الضريح كان بتاريخ (شهر ذي الحجة سنة تسع عشرة وخمسمائة) [124]، وهذا التاريخ يأتي أثناء حكم الملكة السيدة بنت أحمد الصليحية غير أن الدكتور يرجح أن يكون باني الضريح واسمه "موسى بن محمد القطبي " [125] كان من السلاطين السُنيين الذين عاشوا في تلك الفترة، وربما يكون أميراً أو شيخ قبيلة، أطلق عليه لقب سلطان، ولست أوافق الدكتور على ذلك الاستنباط، فما دام العصر عصر الصليحيين، وهم في عصر قوتهم فلن يكون هناك مجال لسلاطين سنّيين، فلم لا يكون ذلك الرجل والٍ من ولاة الصليحيين؟ خصوصاً والدكتور يقول فيما بعد: (ومن المحتمل أن معمار هذا الضريح قد نـهَج نـهْج معمار الدولة الصليحية في جامع جبلة والذي يتشابه في كثير من الأوجه مع عمائر الدولة الفاطمية بمصر؛ لما كانت بينهما علاقات) [126]، أليس نسبة هذا الضريح إلى الصليحيين أحق من أن ينسب إلى أهل السنة؟ بلى، والدلائل قائمة، فهم الحاكمون، وهم الذين ابتدأوا بإنشاء المشاهد في اليمن، وطريقة بناء الضريح كطريقتهم، وعليه فالمرجح أن هذا الضريح من عمل الصليحين والله أعلم.

 

المطلب الرابع: استمرار قبورية الإسماعيلية:

بانتهاء الدولة الصليحية انتهى دور الظهور الثاني للإسماعيلية في اليمن، ودخلوا دور السِّتر الثاني، ولكن دهاتهم ودعاتهم قد أحسوا بذلك قبيل انتهاء الدولة وبالتحديد في أيام الملكة السيدة بنت أحمد، ولذلك فقد كلف (القاضي لمك بن مالك الجمادي عند عودته إلى اليمن من قبل الإمام الخليفة المستنصر وباب أبوابه المؤيد بتنفيذ سياسة معينة بالنسبة إلى إقامة الدعوة ونقل آدابها وعلومها إلى اليمن، وأنه لُقِّب بلقب داعي القلم في عهد الملك المكرم أحمد الصليحي، ولقب داعي البلاغ في عهد الملكة الحرة، وقد اختار هذا الداعي نخبة من التلامذة الأفذاذ البعيدين عن الملك أمثال ابنه يحيى بن لمك والذؤيب ابن موسى الوادعي وإبراهيم بن الحسين الحامدي، وسلم إليهم كل ما كان أخذه من علوم الدعوة أيام إقامته بمصر) [127]، وبهذا كوّنوا الأساس المتين لصرح دعوتهم الذي يعول عليه في بقائها واستمرارها حتى إن ذهبت الدولة، بقيت الدعوة محافظة على كيانها، بل ازدهر علمها في تلك الفترة أكثر فأكثر.

 يقول الهمداني: (نرى أن دعوة اليمن مضت من يوم وفاة السيدة الحرة الملكة الصليحية إلى انتهاء الدولة الأيوبية في اليمن في مرحلة تمتاز بنشاط علمي، وجمع شتات التراث الفكري، وتسجيلها في كتب ومؤلفات وحفظ ما تركه المؤلفون الدعاة في عهد الخلفاء الفاطميين، وقد بدأت هذه الحركة العلمية في حياة الملك المكرم والملكة الحرة بعد عودة قاضي قضاة اليمن لمك بن مالك الحمادي من الديار المصرية إلى مقر الدولة الصليحية، وقد سبق أن ذكرنا أن داعي الدعاة المؤيد في الدين الشيرازي قرر في أواخر عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي خطوط برنامج الدعوة العلمي، وكلف القاضي لمك تنفيذ هذا البرنامج، ونقل القاضي كتب الدعوة وما احتوته من العلوم إلى اليمن.ثم قررت السيدة الملكة الحرة بعد وصول القاضي إلى اليمن فصل الدعوة عن شؤون الملك، وعينت الملكة يحيى بن لمك والداعي الذؤيب بن موسى الوادعي للإشراف على تنفيذ هذا المشروع العلمي البعيد عن التيارات السياسية، فابتدأت الدعوة تعمل لهذا الغرض في عهد الداعي الذؤيب بن موسى الوادعي، ومأذونه السلطان الخطاب بن الحسن الحجوري، ثم أظهر الداعي إبراهيم بن الحسين الحامدي، ومأذونه الشيخ علي بن الحسين بن جعفر بن الوليد القرشي، والشيخ محمد بن طاهر الحارثي نشاطاً بليغاً في هذا الصدد، وبلغ الداعي حاتم بن إبراهيم الحامدي، والداعي علي بن محمد بن الوليد من إنتاجهما الأدبي مبلغاً لا يستهان به. وأثبت الداعي علي بن حنظلة خلاصة بعض علوم الدعوة في رسالته وأرجوزته. وقد واصل علماء اليمن هذا النشاط العلمي في القرون التالية إلى عهد الداعي إدريس عماد الدين الأنف القرشي المتوفى سنة اثنتين وسبعين وثمان مائة، بل إلى أيامنا هذه. ومن هذا العرض السريع نأخذ فكرةعما يوجد من الثروة الأدبية والعلمية في خزائن كتب الدعوة اليمنية) [128]. وكانت هذه الجهود في أكثر الأحيان محاطة بالسرية التامة؛ وذلك لمحاربة اليمنيين لها سواء في ذلك أئمة الزيدية أو سلاطين الشافعية، ولكن كل ذلك لم يفتَّ في أعضادهم، أو يوهن عزائمهم، فاستمروا، وعندما جاءت التعددية الحزبية وحرية الرأي التي تجاوزت الحدود لإعطاء الحرية لأصحاب العقائد الضالة والمبادئ الهدامة والدعوات المشبوهة، عندما جاء هذا العهد، استغلت الإسماعيلية الفرصة، وبدأت تزاول نشاطها بجرأة عجيبة وجهود جبارة وتركيز ينذر بالخطر على البلاد اليمنية، وتداعوا إلى اليمن من كل حدب وصوب، وصار اليمن من أماكن حج البهرة الإسماعيلية، بحيث يحج إلى اليمن حسب تعبيرهم عشرات الآلاف كل عام، والعمل الظاهر الذي يمارسونه هو تتبع الأضرحة والقبور المنسوبة إلى أئمتهم ودعاتهم، وإليك قائمة بأهم المشاهد والقبور والمزارات التي يقصدونها:

1)              قبر الداعي إبراهيم بن حاتم الحامدي الهمداني الحاشدي اليامي في قرية "الحطيب" عزلة شرقي حراز – قضاء حراز - ويعتبر أهم مزار للإسماعيلية الداودية البهرة، ومتوسط من يزوره سنوياً من غير باطنية اليمن خمسة عشر ألف نسمة، خاصة من الهند وباكستان، والداعي المذكور مؤلف كتاب " كنز الولد ".

2)              قبر الملكة السيدة بنت أحمد الصليحي في الجامع الكبير بمدينة جبلة محافظة إب.

3)              قبر إدريس عماد الدين صاحب كتاب "زهر المعاني " المقبور تحت قمة جبل شبام حراز (2920 متر فوق سطح البحر)، وتجري الآن محاولة حثيثة من قبل الإسماعيلية لإقامة مسجد على قبره؛ رغم عدم وجود سكان في هذا الجبل الإستراتيجي، والذي يعد من أهم المواقع العسكرية في المنطقة متحكم في طريق صنعاء الحديدة، ويطل على كل قضاء حراز.

4)              قبر في جبل الصميع في عزلة هوزان قضاء حراز محافظة صنعاء،لم يُعرف اسم صاحبه

5)              قبر الداعي لمك بن مالك في حصن زبارة قسم الملاحي عزلة لهاب قضاء حراز محافظة صنعاء.

6)              قبرا الحسين والحسن ابني إدريس عماد الدين في قمة جبل مسار، من عزلة مسار،قضاء حراز، ونشك في أصل وجود هذين القبرين المندثرين بعد أن كُشف عنهما بزعم الباطنية، وهذا الجبل المركز الأول لانطلاق الدولة الصليحية في اليمن، وهو موقع هام واستراتيجي مرتفع عن سطح البحر (2760) متراً،ولازال أهله صامدين أمام هذه الطائفة رغم كثرة الإغراءات والضغوط.

7)              قبر الملا محمد في مدينة زبيد من بلاد تهامة محافظة الحديدة.

8)              قبرٌ في غيل بني حامد عزلة بني مونس، قضاء همدان محافظة صنعاء.

9)              قبرٌ في حصن طيبة المطل على وادي ظهر من قضاء همدان محافظة صنعاء.

10) قبر أويس القرني من قرية الحمى من ضواحي زبيد.

 

 وهناك مساجد يخصونها بالزيارة وليس هناك سبب ظاهر لزيارتها:

 1) الجامع لكبير بصنعاء [129].

2) مسجد معاذ بن جبل بالجند.

3) مسجد في حرف سفيان.

4) حصن ذمرمر من بلاد حضور، وهذا الحصن قد كان يوماً مقراً لآل حاتم الياميين، وقد قيل:إنهم كانوا إسماعيلية باطنية، وممن ذكر من أهلها "محمد بن أحمد اليامي"، ووصف بأنه عالم الإسماعيلية وشاعرها [130].


الرجوع للصفحة الرئيسية

__________________________________


 [1] منها حديث عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري t قال : ( أشار رسول الله  صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال : ( الإيمان يمان هاهنا ، ألا إن القسوة وغلو القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر ) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق ، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومسلم في كتاب الإيمان ،باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه . وحديث أبي هريرة t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاكم أهل اليمن أضعف قلوباً وأرق أفئدة الفقه يمان والحكمة يمانية ) رواه البخاري في كتاب المغازي ، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن . ومسلم في كتاب الإيمان ، باب فضائل أهل اليمن ، وغيرها كثير . 

[2] الحديث والمحدثون في اليمن في عصر الصحابة ( 3/1751 ) تأليف الدكتور عبدالله الحميري ، طبع مكتبة الرشد الرياض ، الطبعة الأولى ( 1421 هـ – 2000 م )

[3]  المصدر السابق ( 3/1752 )   

[4]  المصدر السابق ( 3/1753 )

[5]  المصدر السابق ( 3/1754 ) 

[6]  المصدر السابق ( 3/1754 )

[7]  المصدر السابق ( 3/1756 )

[8]  المصدر السابق (3/1768-1771 ) .

[9]  المصدر السابق (3/1763 ) .

[10]  فتح الباري (8/61).

[11]  الحديث والمحدثون ( 1/385-386 ) .

[12] البخاري (6/96 – 97) كتاب التوحيد باب ما جاء في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله،ومسلم ( 1/196- 197 ) مع شرح النووي باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.

[13]  البخاري (3/1104 ) كتاب الجهاد باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه ، ومسلـم ( 3/1359 ) كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير .

[14] الحديث والمحدثون (3/1724) .

[15]   المصدر السابق ( 3/ 1722) .

[16] ا المصدر السابق (3/1729).

[17]  المصدر السابق( 3/1729 )[17]

[18]  المصدر السابق( 3/1729 )

[19] المصدر السابق ( 3/1735 )

[20] المصدر السابق ( 3/1733 )

 [21]تاريخ حضرموت للحامد ( 1/135 )

 [22] الحديث والمحدثون ( 3/1732 )

[23]  وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : (( وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) رواه أبو داود  ( 2/611 ) ،و الترمذي ( 5/44 ) ،وابن ماجه ( 1/15 ) وقال الترمذي :هذا حديث حسن صحيح ، وصححه        الشيخ الألباني في صحيح الترمذي ( 2/241 ).

2  الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن ص ( 17 ) .

[25]  بسر بن أرطأة ( ت 86 ) ، انظر ترجمته : تاريخ بغداد ( 1/210 ) ، والسير ( 3/409 ) .

[26]  الصليحيون في اليمن ص ( 18 ) .

1 كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة ص ( 81 ) ، وقرة العيون في أخبار اليمن الميمون،لابن الديبع  الشيباني تحقيق القاضي الأكوع الطبعة الثانية ( 1409 هـ ).

[28] انظر: لترجمة علي بن الفضل وتفصيل فتنته: كشف أسرار الباطنية ( 81-82و94- 114 ) ، وقرة العيون              ص ( 131-151) ، وقد تحدث عن هذه الفتنة كل مؤرخي اليمن الذين أرّخوا لهذه الفترة .

[29]  أبو القاسم الحسن بن حوشب،المشهور بمنصور اليمن توفي سنة(302هـ)انظر أخباره:افتتاح الدعوة ص (16–37 ) للقاضي النعمان بن محمد بن حيون المغربي دار الأضواء بيروت الطبعة الأولى (1416هـ -1996 م ) ، العسجد المسبوك فيمن ولي اليمن من الملوك ص ( 37 ) تأليف شمس الدين علي بن الحسين الخزرجي الأنصاري دار الفكر دمشق ط الثانية مصورة (1401هـ -1981م ).

[30]  الصليحيون في اليمن ص ( 48) .

[31]  الصليحيون ص ( 43 ) .

[32]  المصدر السابق ص ( 47 ).

[33]   المصدر السابق ص (49- 58 ) .

[34]  انظر ص ( 101 ).

[35]  سيرة الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين u ، وقيام الدولة الزيدية في اليمن ص ( 58 ) د. حسن خضيري أحمد ، طبع مكتبة مدبولي بالقاهرة الطبعة الأولى ( 1996 م).

[36]  انظر: الإمامة وخطرها على وحدة اليمن ( 16 – 23 )، للأستاذ . محمد محمود الزبيري -رحمه الله - طبع دار الكلمة صنعاء بدون تاريخ ، وتيارات معتزلة اليمن في القرن السادس الهجري ( 168-172 )، للدكتور علي محمد زيد ،طبع المركز الفرنسي للدراسات اليمنية صنعاء ، الطبعة الأولى ( 1997م ). 

  [37]والأمثلة في ذلك كثيرة وفي نواحي متعددة وانظر : مؤلفات الإمام عبدالله حمزة  ستجد منها ما يؤكد ما نقول ،     وانظر: كذلك هجر العلم للأكوع (2/1075-1078 ) .

[38] أشهر مؤرخي اليمن في العصر الحاضر ،ألـّف وحقق الكثير من كتب التاريخ وغيرها من نفائس علوم اليمنيين، كان    من جملة الثوار الذي زَجّ بهم الإمام في سجن قاهرة حجة ،وبعد الثورة تقلب في عدد من الوظائف الوزارية وغيرها ،        وقد عرفته و استفدت منه و أجازني إجازة أعتز بها ،حثَّ فيها على التمسك بالسنة قولاً وعملاً ،والاعتماد على الدليل ونبذ التقليد مما يبين استقامة منهجه رحمه الله رحمة واسعة وقد توفي عام( 1419 هـ ) انظر: ترجمته: في موسوعة ( هجر العلم ) لأخيه القاضي إسماعيل ( 2/870-83 )و كتاب " القاضي محمد بن علي الأكوع الحوالي" مؤرخ اليمن الذي صدر بعد وفاته مباشرة وطبع في مؤسسة الثورة للطباعة والنشر عام (2000).

[39] اليمن الخضراء مهد الحضارة ص ( 106 ) للقاضي محمد بن علي الأكوع ، طبع مطبعة السعادة بالقاهرة الطبعة الأولى         ( 1391 هـ 1971 م )

[40] هو عبدالله بن إباض المقاعسي التميمي ، عاصر معاوية بن أبي سفيان وعاش إلى خلافة عبدالملك بن مروان ، وهو رأس الفرقة الإباضية من الخوارج . انظر : الملل والنحل ( 1/98 ) ، و الأعلام ( 4/61-62 )

[41]  انظر: لتفاصيل أقوالهم :الملل والنحل للشهرستاني ( 1/98-99 ) ، والفرق بين الفِرق ص ) 103 –109 ) .

[42]  العسجد المسبوك ص ( 22 ) .

[43] عبدالله بن يحيى بن عمر الكندي الحضرمي ، الملقب بطالب الحق ، مؤسس الدولة الإباضية في حضرموت ، توفي سنة       ( 130 هـ ) انظر ترجمته : في تاريخ حضرموت للحامد ص ( 262 ) ، وصفحات من التاريخ الحضرمي لسعيد عوض باوزير ، طبع مكتبة الثقافة عدن بدون تاريخ .

[44] تاريخ حضرموت للحامد ص ( 207 )

[45]  تاريخ حضرموت ص( 209 ) ، وصفحات من التاريخ الحضرمي ص ( 50 ) .

[46]  انظر: لأخبار الخوارج وقيام دولتهم وانتهائها كلاً من: تاريخ حضرموت ( 1/206 – 213 ) لصالح بن علي الحامد ،    و صفحات من التاريخ الحضرمي ص ( 47-55 ) ، و تاريخ حضرموت السياسي ( 1/64/72 ) لصلاح عبد القادر البكري، طبع دار الآفاق العربية بالقاهرة ، الطبعة الأولى ( 1421 هـ - 2001 م ) ، و أدوار التاريخ الحضرمي ص       ( 127-140 ) ، وانظر خبر دولتهم الأخيرة في : صفحات  من التاريخ الحضرمي ص ( 66-79 ) .

 [47]  اليمن الخضراء ص ( 106 ) .

[48]  عمر بن علي بن سمرة الجعدي ، رائد مؤرخي علماء الشافعية باليمن ، صاحب طبقات فقهاء اليمن الذي خصصه لعلماء الشافعية ، ثم صار من بعده من المؤرخين يبنون على ما أسس ويفرعون على ما أصل ، لم تذكر سنة وفاته . انظر : ترجمته لنفسه في مطلع الطبقات ص ( 13 ) وما بعدها .

[49]  طبقات فقهاء اليمن ص ( 34 ) تأليف عمر بن علي بن سمرة الجعدي تحقيق فؤاد سيد نشر دار القلم بيروت بدون تاريخ.

[50] هو إمام أهل السنة في زمانه ، بل مجدد الإسلام في اليمن في القرن الثامن محمد بن إبراهيم الوزير مولده سنة ( 775 هـ ) وقد نشأ على طريقة قومه الزيدية المعتزلة ، ثم رغب عنها وتحول إلى الطريقة السلفية  ،فبرع في علوم الكتاب والسنة ، واستكمل أدوات الاجتهاد ، واضطهد لذلك ، فصبر ، وصابر ، وألف  ، وناظر ، ولو لم يكن له إلا كتابه العظيم العواصم  و القواصم لكفى ، كيف وله مؤلفات فائقة كثيرة سواه ، وهو رأس المدرسة السلفية التي مازالت - والحمد لله - قائمة     إلى اليوم ، لا يكاد مؤرخ من مؤرخي اليمن إلا وهو يشيد بفضله ، وقد ترجم له من يصعب حصرهم ، وأثنى عليه حتى من يخالفه من الزيدية وغيرهم ، وألفت رسالة علمية بعنوان " ابن الوزير وآراؤه الاعتقادية وجهوده في الدفاع عن السنة النبوية  " ، قدمت لجامعة أم القرى بمكة للشيخ علي بن علي جابر الحربي توزيع عالم الكتب ط الأولى (1417). وانظر ترجمته كذلك : البدر الطالع (1/81-93) ، وهجر العلم للقاضي إسماعيل الأكوع (3/1367-1376) ، والبحث الضافي الذي بعنوان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير وكتابه العواصم و القواصم في مقدمة العواصم والقواصم (1/7-100) ، طبع مؤسسة الرسالة بيروت (1418هـ-1992م ) للقاضي إسماعيل الأكوع .

[51]  صالح بن مهدي بن علي المقبلي ، أحد أعلام علماء اليمن والمجتهدين فيه ، تجرد عن التقليد والتزم الأخذ بالكتاب والسنة ، وله مواقف عظيمة مع مقلدي وقته ، اشتد عليه بسببها الأذى فهاجر إلى مكة ،وهناك ألف بعض مؤلفاته ومنها العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشائخ ، وذيله الأرواح النوافح توفي سنة ( 1108هـ ) . انظر : البدر الطالع ( 1/288 ) ، ومقدمة العلم الشامخ للقاضي عبدالرحمن الإرياني (ص أ – د ) طبع مكتبة دار البيان دمشق بدون تاريخ.

[52]  الحسن بن أحمد الجلال من الأئمة المجتهدين في اليمن ، كبير القدر كثير الإنتاج العلمي ، أثنى عليه الشوكاني  -رحمه الله – ثناءً كثيراً وهو في الفقه من الأئمة ، وإن كان لم يتخلص مما كان عليه مجتمعه في الجوانب الأخرى من منهجه ، توفي سنة     ( 1084 هـ ) . انظر :البدر الطالع 0( 1/191 ) ، وهجر العلم ( 1/342 ) .

[53] هو عبدالله بن سعيد بن كُلّاب القطان البصري رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه وإمام الطائفة المعروفة بالكلابية ، توفي سنة ( 245 ) . انظر : السير (11/174 ) ، وطبقات الشافعية ( 2/245 ) ، ولسان الميزان (3/360)لابن حجر طبع دار الفكر بيروت ط الأولى (1407هـ - 1987م ) .

2  هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود السمرقندي ، يلقب بإمام الهدى وإمام المتكلمين ، توفي سنة ( 333 هـ ) ، وهو مؤسس المدرسة المشهورة بالماتريدية نسبة إليه ، وله عند أتباعه منزلة عظيمة . انظر : مقدمة كتاب الماتريدية ص        ( 93 – 99 ) للشيخ أحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي ، طبع دار العاصمة بالرياض ، والأعلام ( 7/19 ).

3  انظر  لتحقيق تلك  الأقوال والترجيح فيها : كتاب موقف ابن تيميه من الأشاعرة ، للدكتور عبدالرحمن بن صالح         ابن المحمود ، طبع مكتبة الرشد بالرياض ، الطبعة الأولى ( 1415هـ-1995هـ )

[54]  انظر : منهج الأشاعرة في العقيدة ص (15 -17)، للدكتورسفر بن عبد الرحمن الحوالي ،طبع مكتبة العلم بالقاهرة         ( 1415هـ-1995م ).

[55]  الـمُطَـرِّفِيـَّة :هي فرقة من فرق الزيدية منسوبة إلى مطرف بن شهاب من أعلام أواخر المائة الرابعة وأوائل المائة الخامسة ، وكانوا على جانب عظيم من الإقبال على العلم والاشتغال به والإخلاص في الطاعة والعبادة ، حصل بينهم وبين الإمام عبدالله بن حمزة شقاق فقضى عليهم قضاء مبرماً .انظر : الزيدية للأكوع ص ( 76 – 77 ) وتيارات معتزلة اليمن ص               ( 187 ، 192 ) .

[56]  هو زيد بن علي بن الحسن البيهقي المعتزلي ، حج سنة ( 540 هـ ) فاستدعاه الإمام أحمد بن سليمان إلى اليمن فوصل صعدة سنة ( 541 هـ ) ومكث يدرس كيب الاعتزال في مسجد الهادي بصعدة سنتين ونصف ثم رحل إلى بلاده فمات في تهامة .  انظر : تيارات معتزلة اليمن ص ( 132 – 134 ) .

[57]  ملخص من تيارات معتزلة اليمن ص ( 132-135 ) .

[58] انظر الصلة بين الزيدية والمعتزلة ص ( 71 ) ، للدكتور أحمد عبدالله عارف ، طبع المكتبة اليمنية صنعاء ودار أزال بيروت ، الطبعة الأولى ( 1407هـ –1987 م ).

[59] سورة الحجر آية ( 9 ) .

[60] تقدم تخريجه ص ( 73 )

[61]  آل عمران(7) .

[62]  طبقات الزيدية مخطوطة ، بواسطة مقدمة السلوك في طبقات العلماء والملوك ص ( 34 ) للقاضي بهاء الدين الجندي ، الطبعة الثانية (1416هـ -1995م ) مكتبة الإرشاد صنعاء ، والمقدمة للقاضي الأكوع.

[63]  انظر : ص ( 183 )

[64]  المصدر السابق  (1/ 33 ) .

[65]  البدر الطالع ( 2/83 ) .

[66]  طبقات فقهاء اليمن ص ( 83 ) .

[67]  انظر: السلوك ( 1/232 ) .

[68]  المصدر السابق (1 /251 ) .

[69]  زيد بن عبدالله اليفاعي ، من فقهاء الجند السائرين على منهج السلف الصالح في الأسماء والصفات ، صاحب مــدرسة متميزة في الفقه وله أتباع وتلاميذ كثيرون توفي ( 514هـ)،طبقات فقهاء اليمن ص ( 119) ، هجر العلم ( 4/2377 ) .

[70]  انظر: طبقات الفقهاء ص ( 120 ) ، والسلوك (1/263 ) .

[71] هو زيد بن الحسن الفايشي ، من فقهاء الشافعية المنتمين لمذهب السلف الصالح في الأسماء والصفات ، كبير القدر عظيم الأثر في منطقة الجعامي بإب توفي سنة ( 528 هـ )  انظر ترجمته : طبقات فقهاء اليمن ص ( 155 )،وهجر العلم          ( 1/389 ). 

[72]  انظر: السلوك ( 1/285 – 287 ) وهجر العلم ( 1/391 – 392 ) .

[73]  هو يحيى بن أبي الخير العمراني ، إمام شهير من أئمة علماء اليمن ، إمام في الفقه وهو صاحب كتاب " البيان" الشهيرالذي اعتنى بطبعه قاسم محمد النوري وطبع الطبعة الأولى بدار المنهاج بيروت سنة (1421هـ -2000م ) ، وإمام في السنة   على منهج السلف الصالح ، رأس علماء الحنابلة في اليمن وصاحب كتاب" الإنتصار في الرد على القدرية الأشرار " الذي حققه سعود بن عبد العزيز الخلف وطبع بدار أضواء السلف بالرياض الطبعة الأولى سنة (1419هـ -1999م ) .

[74]  انظر: طبقات الفقهاء ص ( 175 – 177 ) .

[75]  الأنعام(91).

[76]  طبقات الفقهاء ص ( 181 ) وقد أخرج كتاب الانتصار وطبع بعد أن حقق وقدم رسالة جامعية للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

[77]  انظر ترجمته : طبقات الفقهاء ص ( 91 ) والسلوك ( 1/230 )

[78]  طبقات الفقهاء ص ( 177 ) .

[79] مسعود بن علي العنسي أحد كبار أصحاب الإمام يحيى بن أبي الخير والسائرين على منهاجه منهاج أهل السنة ، وله      في ذلك مواقف مشهورة ومؤلفات في الرد على من خالف مذهب السلف الصالح في الأسماء والصفات ، توفي سنة            ( 604 هـ ) .انظر ترجمته : طبقات فقهاء اليمن ص ( 216 ) ، وهجر العلم ( 2/731 ) .

[80]  السلوك ( 1/322 ) .

[81]  انظر ترجمته : طبقات فقهاء اليمن ص (190 )  والسلوك ( 1/318 ).

[82] انظر:ترجمة صاحبه وتلميذه محمد بن مضمون بن عمر بن أبي عمران في هجر العلم ( 3/2134 )،وقد توفي سنة ( 663 )

[83]  انظر: قرة العيون ص ( 265 ) .

[84]  تقدم تخريجه ص ( 73 ) .

[85]  الإسماعيلية لإحسان الهي ظهير ص ( 735-736 ) .

[86]  الفرقة الباطنية الإسماعيلية ( رؤية من الداخل ) قراءة جديدة وحقائق معاصرة وهذا الكتاب مصفوف بالكمبيوتر ولم يطبع بعد ،وفيه حقائق عظيمة جديرة بالاطلاع و الاعتبار بما فيها قبل أن تفوت الفرصة ويقع الفأس في الرأس ، ومؤلفه يبدو أنه انتحل اسماً مستعاراً هو ( علوي طه الجبل ) ويحق له ذلك ؛ لما يخشى عليه من شر وكيد تلك الطائفة ، وكان من المفيد أن يعجل بنشره بين الناس .

[87]  الصليحيون ص ( 49- 58 )

[88]  المفيد من أخبار صنعاء وزبيد ص ( 95- 100) تأليف عمارة بن علي اليمني ،طبع دار السعادة بالقاهرة ،الطبعة الثانية          ( 1396هـ - 1976م )    .

[89]  الصليحيون ص ( 95- 98 ) . 

[90]   المصدر السابق ص ( 99 ) .

[91]  المفيد من أخبار صنعاء وزبيد ص ( 126-127 ) .

[92] المصدر السابق ص ( 128 ) ، وانظر : التعليق رقم ( 1 ) على نفس الصفحة

[93] المصدر السابق ص (134) .

[94]االصليحيون ص (134) . وانظر: الأضرحة في اليمن من القرن الرابع الهجري " العاشر الميلادي "وحتى نهاية القرن العاشر العاشر الهجري "السادس عشر الميلادي " "دراسة أثرية معمارية "ص (39) ، وهي رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة في الآثار الإسلامية من قسم الآثار كلية الآداب جامعة صنعاء د.علي سعيد سيف ، كتاب مصفوف بالكمبيوتر (1419 هـ -1998 م ) .

 [95] المفيد ص (133)

[96]  السلوك ( 1/263 ) ، ملاحظة : على العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله الاعتبار بهذه الحادثة و الانتباه لمكائد الخصوم الذين يعملون على تفريق الكلمة وتشتيت صف أهل العلم والدعوة إلى الله .

[97]  كشف أسرار الباطنية ( 63 ) .

[98] فصلت الآية(35) .

[99]   كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة ص ( 63-70 )

[100]  مقدمة كشف أسرار الباطنية ص ( 45-46 ) .

[101]  طبع في القاهرة سنة (1387هـ ) .

[102]  الخطط المقريزية ( 2 /133 ) .

[103]  الإسماعيلية تاريخ وعقائد من ص ( 499 – 522 )، وأصول الإسماعيلية ( 2/ 649-662 ) .

[104]  تاريخ الإسماعيلية ص ( 42 ) .

[105]  فضائح الباطنية ص (30) لأبي حامد الغزالي طبع دار البشير عمان ط الأولى (1413هـ -1993م ).

[106]  السلوك ( 1/173 )

[107]  العسجد المسبوك فيمن ولي اليمن من الملوك – مخطوط مصور صورته وزارة الإعلام والثقافة ضمن مشروع الكتاب        6/1 (70 ) الفضل المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد ص ( 39 ) تحقيق الدكتور يوسف شلحد ، طبع مركز الدراسات والبحوث اليمني سنة ( 1983م ).وفي قرة العيون مصدر سابق ( 70 ) .

[108] عبدالرحمن بن علي الشيباني المعروف بابن الديبع عالم محدث مؤرخ ، من علماء زبيد ، و إليه ينسب المولد المشهور بمولد    " الديبعي " ، لديه تناقض كبير ، فبينما هو من أهل الحديث والفقه إذ به يأتي في ذلك المولد بالطامات ، وهذا شأن من سلم لأهل التصوف ، فإنه لا يكاد ينفعه ما لديه من العلم ، وخير مثال على ما أقول هذا الرجل والشرجي الزبيدي صاحب التجريد الصريح في الحديث وطبقات الخواص المليء بالدجل والخرافة . توفي ( 944 هـ ) . انظر ترجمته : النور السافر ص       ( 191 ) ، والبدر الطالع ( 1/335 ) .

[109]  بلوغ المرام ص .( 9 )

[110]  تاريخ صنعاء للطبري المذكور ص ( 25 )  تحقيق عبدالله الحبشي ، وطبع مكتبة السنحاني بصنعاء بدون تاريخ.

[111]  تاريخ مدينة صنعاء للرازي ص ( 85 ) تحقيق حسين عبدالله العمري ، طبع مكتبة الفكر المعاصر ببيروت ، ودار الفكر دمشق ، الطبعة الثالثة  ( 1409هـ -1989 هـ ).

[112]  الأضرحة في اليمن ص ( 28 ) .

[113]  السلوك ( 1/212 )

[114]  المصدر السابق الموضع نفسه.

[115]  فرة العيون ص ( 150 ) .

[116]  المفيد ص ( 85-86 ) .

[117]  الفضل المزيد ص ( 55 ) .

[118]  المسجد المسبوك ص ( 104 ) .

[119]  المفيد ص ( 134 ) .

[120] الصليحيون ص ( 134 ) وفي الهامش يقول: ( نقل صاحب العيون " 7/116 " ومشهد الصليحي اليوم قد عفى المتغلبون الظالمون آثاره ،وهدموا مناره ، فإن عنايتهم في ذلك كثيرة ، وفي هدم القبور أفعال نكيرة ، وذلك شيء يتحاماه الكفار والمسلمون ويأنفون عنه وهؤلاء يقدمون ) ، قلت : وهذه هي حجج القبورية في كل زمان ومكان ، يتباكون على هدم المشاهد وتسوية القبور المشرفة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسويتها . انظر للمزيد عن مشهد الصليحي بصنعاء : الأضرحة              في اليمن ( 39 ) .

[121]  الصليحيون ص ( 207-208 ) وانظر : الأضرحة ص ( 240 ) وما بعدها .

[122]  الصليحيون ص (208)،وهذا القاضي هو من الإسماعيلية فلا غرابة أن يقبل قبر الملكة ، و أن يستف ترابه فهذه ديانتهم .

[123]  الأضرحة ص ( 49) .

[124]  المصدر السابق نفس الموضع .

[125]  المصدر السابق ص ( 49 – 58 ) .

[126]  المصدر السابق ص ( 51 ) .

[127]  الصليحيون ص( 268 ) .

[128] المصدر السابق ص (298) .

[129] قال زبارة في نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف طبع مركز الدراسات والبحوث اليمني صنعاء ط الثانية (1405هـ-1985م )   (3/312):( قال صاحب مطلع الأقمار , ونقلت من خطه أن القبر الذي غربي الصومعة الشرقية بجامع صنعاء هو قبر الحسن بن عبدالله بن الحسن بن جعفر بن محمد بن عبدالله بن العباس بن عبدالله بن العباس بن علي بن أبى طالب انتهى ) . قلت : فلعلهم يزورون هذا القبر المزعوم .

[130] انظر هجر العلم (2/796-797)