المجموعة الأولى

 

       

       
               
       
       
       

يضيء لـها البيت في الظلام

إنها حفصة بنت سيرين ، أم هزيل ، الفقهية ، الأنصارية . روى عن إياس بن معاوية ، قال : ما أدركت أحداً أُفضله عليها . وقال : قرأت القرآن وهي بنت أثنتي عشرة سنة ، وعاشت سبعين سنة ، فذكروا له الحسن وابن سيرين فقال : أما أنا فما أفضل عليها أحداً .وقال مهدي بن ميمون : مكثت حفصة بنت سيرين ثلاثين سنة لا تخرج من مصلاها إلا لقائلة أو قضاء حاجة .وكان يأتيها أنس بن مالك ، وأبو العالية مسلمون عليها . وكانت حفصة تسرج سراجها من الليل ثم تقوم من مصلاها ، فربما طفئ السراج فيضيء لها البيت حتى تصب


فضل الصبر والبر

قالت حفصة : بلغ من بر ابني الهذيل بي أنه كان يكسر القصب في الصيف فيوقد لي في الشتاء أي لئلا يكون له دخان قالت : وكان يحلب ناقته بالغداة فيأتيني به فيقول : اشربي يا أم الهذيل ، فإن أطيب اللبن ما بات في الضرع . ثم مات فرزقت عليه من الصبر ما شاء أن يرزقني ، فكنت أجد مع ذلك حرارة في صدري لا تكاد تسكن . قالت : فأتيت ليلة من الليالي على هذه الآية : { ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [ النحل : 96] فذهب عني ما كنت أجد .

 


عبد الواحد بن زيد والإعجاز الإلـهي

كان رحمه الله متعبداً زاهداً ، كثير البكاء ، يقص على أصحابه فيموت في المجلس جماعة .

عن أبي سليمان الداراني رحمه الله قال :

أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج [1] ، فسأل الله أن يطلقه في وقت الوضوء ، فإذا أراد أن يتوضأ انطلق ، وإذا رجع إلى سريره عاد إليه الفالج .

قلت : سبحان الله ! هذا هو الصدق في الدعاء وهذا هو الصدق في الحياء والحب والشوق إلى الله .


 

 

(1)     الفالج : شلل يصيب نصف البدن .

 

 


تعالجـه الملائكة من الطاعون !!

إنه العبد الصالح : داود بن أبي هند ، ولد بسرخس ، وروى عن أنس ، وسعيد بن المسيب ،والحسن وغيرهم ، وكان يفتي في زمن الحسن .

وعن سفيان قال : سمعت داود بن أبي هند يقول : أصابني يعني الطاعون فأغمى علي ، وكان اثنان أتياني ، فغمر أحدهما عكوة لساني ، وغمر الآخر أخمص قدمي ، فقال : أي شيء تجد ؟ فقال : تسبيحاً وتكبيراً ، وشيئاً من قراءة القرآن . قال : ولم أكن أخذت القرآن حينئذ ، فعوفيت وأقبلت على القرآن فتعلمته .

ويقول ابن أبي عدي : صام داود أربعين سنة لا يعلم به أهله كان خزازاً يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق ويرجع عشياً فيفطر معهم .

 


رضاه عني أحب إليَّ من الدنيا وما فيها

أتسمع أخي المسلم عن أبي رهم الغفاري ؟

إنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أسلم بعد قدوم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة ، وشهد معه أُحداً ، فرمي يومئذ بسهم فوقع في نحره ، فجاء إلى رسول فبصق عليه فبرأ، وكان يسمى " المنحور ".

قال محمد بن عمرو : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير من الطائف إلى الجعرانة وأبو رهم إلى جنبه على ناقة له ، وفي رجليه نعلان غليظان إذ زحمت ناقته ناقة رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) .

قال أبو رهم : فوقع حرف نعلي على ساقه فأوجعته ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : (أوجعتني أخر رجلك ) وقرع رجلي بالسوط ، فأخذني ما تقدم من أمري وما تأخر ، وخشيت أن ينزل في قرآن عظيم فيما صنعت ، فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهر وما هو يومي فرقاً أن يأتي للنبي (صلى الله عليه وسلم)رسول يطلبني ، فلما روحت الركاب سألت ، فقالوا : طلبك النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إحداهن والله ، فجئته وأنا أترقب ، فقال : ( إنك أوجعتني برجلك فقرعتك بالسوط وأوجعتك فخذ هذه الغنم عوضاً من ضربتي ) .

قال : (فرضاه عني كان أحب إلي من الدنيا وما فيها ) .

 

 


تخاف الفقر وأنا ربك ؟!

أتعرف عزيزي القارئ علي بن الموفق ؟

إنه العابد القانت .

قال عنه ابن الجوزي : ( حدث عن منصور بن عمار ، وأحمد بن أبي الحواري ، وكان ثقة ).

وقال عبد الرحمن بن عبد الباقي : سمعت بعض مشايخنا يقول : قال علي بن الموفق : لما تم لي ستون حجة خرجت من الطواف ، وجلست بحذاء الميزاب ، وجعلت أتفكر لا أدري كيف حالي عند الله وقد كثر ترددي إلى هذا المكان ؟

قال : فغلبتني عيني ، وكأن قائلاً يقول : يا علي أتدعوا إلى بيتك إلا من تحب ؟ فانتبهت وقد سُري عني ما كنت فيه.

وعن محمد بن أحمد المهدي قال : سمعت علي بن الموفق يقول : خرجت يوماً لأوذن ، فأصبت قرطاساً فأخذته، فوضعته في كمي ، فأقمت وصليت ، فلما صليت قرأته ، فإذا مكتوب : ( بسم الله الرحمن الرحيم : يا علي بن الموفق ، تخاف الفقر وأنا ربك ) .

 


رد الله عليه بصره !!

إنه العابد المجتهد : يونس بن يوسف ، أبو عمر بن حماس .

قال ابن الجوزي : وكان عابداً مجتهداً يصوم الدهر وقوم الليل ، وكان مستجاب الدعوة .

وعن مالك بن أنس قال : كان يونس بن يوسف من العباد أو قال من خيار الناس فأقبل ذات يوم وهو رائح من المسجد ، فلقيته امرأة ، فوقع في نفسه منها ، فقال : اللهم إنك جعلت لي بصري نعمة وقد خشيت أن يكون علي نقمة فاقبضه إليك . قال : فعمى ، وكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له ، فإذا استقبل به الأسطوانة اشتغل الصبي بلعب مع الصبيان فإن أتته حاجة حصبة فأقبل إليه ، فبينما هو ذات ضحوة في المسجد إذ حس في بطنه بشيء فحصب الصبي فاشتغل عنه مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه ، اللهم إنك كنت جعلت لي بصري نعمة وخشيت أن يكون نقمة فسألتك فقبضته إليك ، وقد خشيت الفضيحة فرده علي .

فانصرف إلى منزله صحيحاً يمشي .

قال مالك : فرأيته أعمى ورأيته صحيحاً .

 


يغتسل بماء السماء !!

عندما يتصل الإنسان بربه ، ويشد الحال لمولاه : ( فالرب الذي يشدون الحال إلى رحابه ليس فقط الأول في وجوده .. بل والأول في جوده ..!! ) .

يجد الإنسان عندها : ( كل قوى السماء والأرض توضع على الفور في خدمة ذلك العبد المشتاق الذي آثر الله وأراده ، فكان له من الله ما يؤثر وما يريد ..!!! وهنا نلتقي بـ ( أبي وائل شقيق بن سلمة ) يقول : [ نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا ] .

ونلتقي على متن هذه الصفحة مع أحد العباد الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا إنه : ( شيبان الراعي ) .

قال عنه ابن الجوزي : " حج مع سفيان الثوري ، فلقيا سبعاً ، فعرك شيبان أذنه وقال : لولا مكان الشهرة ما وضعت زادي إلا على ظهره . وعن محمد بن حمزة الربضي قال : كان شيبان الراعي إذا أجنب أي أصابته جنابة وليس عنده ماء دعا ربه ، فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها ، وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجدها لم تتحرك ".

 


عند الصباح يحمد القوم السُّري

قال القاسم بن راشد الشيباني : كان زمعة أي زمعة بن صالح المكي نازلاً عندنا ، وكان له أهل وبنات ، وكان يقوم فيصلي ليلاً طويلاً ، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته : أيها الركب المعرسون ، أكلّ هذا الليل ترقدون ، ألا تقومون ، فترحلون . فيسمع من هاهنا باك ، ومن هاهنا داع ومن هاهنا قارئ ، ومن هاهنا متوضئ . فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته : ( عند الصباح يحمد القوم السّري ).

 


قد علمت أنها إصبع جبار

قائل هذه العبارة هو العابد الأوّاب : عبد العزيز بن أبي رواد .

عن شعيب بن حرب قال : جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد فجلس فما أحسب أن صاحب الشمال كتب شيئاً .

وقال يوسف بن أسباط :مكث عبد العزيز بن رواد أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء ، فبينما هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه المنصور أبو جعفر بإصبعه في خاصرته فالتفت إليه فقال : ( قد علمت إنها إصبع جبار ).

 


تعلم أن قلبي يحبك

لما حضرت معاذ بن جبل رضي الله عنه الوفاة قال : اللهم إني كنت أخافك ،وأنا اليوم أرجوك ، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ، ولكن لظمأ الـهواجر، ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر .

فلما اشتد به النزع كان كلما أفاق فتح طرفه ثم قال :

رب اخنقني خنقك فو عزتك تعلم أن قلبي يحبك .

ويروى أنه لما طعن أبو عبيدة أي أصابه الطاعون استخلف معاذ واشتد الأمر فقال الناس لمعاذ : ادع الله يرفع عنا هذا الرجز : فقال إنه ليس برجز ولكنة دعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، وشهادة يختص بها من يشاء منكم ، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفر من هذه الرحمة !! فطُعن ابناه . فقال : كيف تجدانكما ؟ فقالوا: يا أبانا : { الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } [ البقرة : 147]. قال وأنا : { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } [ الصافات : 102 ] ثم طعنت امرأتاه فهلكتا ، وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بنفسه ويقول : ( اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغير ، حتى مات به ) . 

 



من كتاب ( 200 ) قصة من حياة الصالحين

 لسعد يوسف ابو عزيز