يضيء لـها البيت في
الظلام
إنها حفصة بنت سيرين
، أم هزيل ، الفقهية ، الأنصارية . روى عن إياس بن معاوية ، قال : ما
أدركت أحداً أُفضله عليها . وقال : قرأت القرآن وهي بنت أثنتي عشرة سنة
، وعاشت سبعين سنة ، فذكروا له الحسن وابن سيرين فقال : أما أنا فما
أفضل عليها أحداً .وقال مهدي بن ميمون : مكثت حفصة بنت سيرين ثلاثين
سنة لا تخرج من مصلاها إلا لقائلة أو قضاء حاجة .وكان يأتيها أنس بن
مالك ، وأبو العالية مسلمون عليها . وكانت حفصة تسرج سراجها من الليل
ثم تقوم من مصلاها ، فربما طفئ السراج فيضيء لها البيت حتى تصب
فضل
الصبر والبر
قالت حفصة : بلغ من بر ابني الهذيل بي أنه كان يكسر
القصب في الصيف فيوقد لي في الشتاء –
أي لئلا يكون له دخان –
قالت : وكان يحلب ناقته بالغداة فيأتيني به فيقول : اشربي يا أم الهذيل
، فإن أطيب اللبن ما بات في الضرع . ثم مات فرزقت عليه من الصبر ما شاء
أن يرزقني ، فكنت أجد مع ذلك حرارة في صدري لا تكاد تسكن . قالت :
فأتيت ليلة من الليالي على هذه الآية : { ما عندكم ينفذ وما عند الله
باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [ النحل : 96]
فذهب عني ما كنت أجد .
|
|
عبد الواحد بن زيد
والإعجاز الإلـهي
كان رحمه الله
متعبداً زاهداً ، كثير البكاء ، يقص على أصحابه فيموت في المجلس جماعة
.
عن أبي سليمان الداراني رحمه الله قال :
أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج
، فسأل
الله أن يطلقه في وقت الوضوء ، فإذا أراد أن يتوضأ انطلق ، وإذا رجع
إلى سريره عاد إليه الفالج .
قلت : سبحان الله ! هذا هو الصدق في الدعاء وهذا هو
الصدق في الحياء والحب والشوق إلى الله .
|
|
تعالجـه الملائكة من الطاعون !!
إنه العبد الصالح :
داود بن أبي هند ، ولد بسرخس ، وروى عن أنس ، وسعيد بن المسيب ،والحسن
وغيرهم ، وكان يفتي في زمن الحسن .
وعن سفيان قال : سمعت داود بن أبي هند يقول :
أصابني – يعني
الطاعون – فأغمى علي
، وكان اثنان أتياني ، فغمر أحدهما عكوة لساني ، وغمر الآخر أخمص قدمي
، فقال : أي شيء تجد ؟ فقال : تسبيحاً وتكبيراً ، وشيئاً من قراءة
القرآن . قال : ولم أكن أخذت القرآن حينئذ ، فعوفيت وأقبلت على القرآن
فتعلمته .
ويقول ابن أبي عدي : صام داود أربعين سنة لا يعلم
به أهله كان خزازاً يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق ويرجع
عشياً فيفطر معهم .
|
|
رضاه عني أحب إليَّ من
الدنيا وما فيها
أتسمع أخي المسلم عن
أبي رهم الغفاري ؟
إنه من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم ، أسلم بعد قدوم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
المدينة ، وشهد معه أُحداً ، فرمي يومئذ بسهم فوقع في نحره ، فجاء إلى
رسول فبصق عليه فبرأ، وكان يسمى " المنحور ".
قال محمد بن عمرو :
بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير من الطائف إلى الجعرانة وأبو
رهم إلى جنبه على ناقة له ، وفي رجليه نعلان غليظان إذ زحمت ناقته ناقة
رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) .
قال أبو رهم : فوقع
حرف نعلي على ساقه فأوجعته ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) :
(أوجعتني أخر رجلك ) وقرع رجلي بالسوط ، فأخذني ما تقدم من أمري وما
تأخر ، وخشيت أن ينزل في قرآن عظيم فيما صنعت ، فلما أصبحنا بالجعرانة
خرجت أرعى الظهر وما هو يومي فرقاً أن يأتي للنبي (صلى الله عليه
وسلم)رسول يطلبني ، فلما روحت الركاب سألت ، فقالوا : طلبك النبي صلى
الله عليه وسلم فقلت : إحداهن والله ، فجئته وأنا أترقب ، فقال : ( إنك
أوجعتني برجلك فقرعتك بالسوط وأوجعتك فخذ هذه الغنم عوضاً من ضربتي ) .
قال : (فرضاه عني كان
أحب إلي من الدنيا وما فيها ) .
|
|
تخاف الفقر وأنا ربك ؟!
أتعرف عزيزي القارئ علي
بن الموفق ؟
إنه العابد القانت .
قال عنه ابن الجوزي : (
حدث عن منصور بن عمار ، وأحمد بن أبي الحواري ، وكان ثقة ).
وقال عبد الرحمن بن عبد
الباقي : سمعت بعض مشايخنا يقول : قال علي بن الموفق : لما تم لي ستون
حجة خرجت من الطواف ، وجلست بحذاء الميزاب ، وجعلت أتفكر لا أدري كيف
حالي عند الله وقد كثر ترددي إلى هذا المكان ؟
قال : فغلبتني عيني ،
وكأن قائلاً يقول : يا علي أتدعوا إلى بيتك إلا من تحب ؟ فانتبهت وقد
سُري عني ما كنت فيه.
وعن محمد بن أحمد المهدي
قال : سمعت علي بن الموفق يقول : خرجت يوماً لأوذن ، فأصبت قرطاساً
فأخذته، فوضعته في كمي ، فأقمت وصليت ، فلما صليت قرأته ، فإذا مكتوب :
( بسم الله الرحمن الرحيم : يا علي بن الموفق ، تخاف الفقر وأنا ربك )
.
|
|
رد
الله عليه بصره !!
إنه العابد المجتهد :
يونس بن يوسف ، أبو عمر بن حماس .
قال ابن الجوزي : وكان عابداً مجتهداً يصوم الدهر
وقوم الليل ، وكان مستجاب الدعوة .
وعن مالك بن أنس قال : كان يونس بن يوسف من العباد
– أو قال من خيار
الناس – فأقبل ذات
يوم وهو رائح من المسجد ، فلقيته امرأة ، فوقع في نفسه منها ، فقال :
اللهم إنك جعلت لي بصري نعمة وقد خشيت أن يكون علي نقمة فاقبضه إليك .
قال : فعمى ، وكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له ، فإذا استقبل به
الأسطوانة اشتغل الصبي بلعب مع الصبيان فإن أتته حاجة حصبة فأقبل إليه
، فبينما هو ذات ضحوة في المسجد إذ حس في بطنه بشيء فحصب الصبي فاشتغل
عنه مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه ، اللهم إنك كنت جعلت لي بصري
نعمة وخشيت أن يكون نقمة فسألتك فقبضته إليك ، وقد خشيت الفضيحة فرده
علي .
فانصرف إلى منزله صحيحاً يمشي .
قال مالك : فرأيته أعمى ورأيته صحيحاً .
|
|
|
يغتسل بماء السماء !!
عندما يتصل الإنسان
بربه ، ويشد الحال لمولاه : ( فالرب الذي يشدون الحال إلى رحابه ليس
فقط الأول في وجوده .. بل والأول في جوده ..!! ) .
يجد الإنسان عندها : ( كل قوى السماء والأرض توضع
على الفور في خدمة ذلك العبد المشتاق الذي آثر الله وأراده ، فكان له
من الله ما يؤثر وما يريد ..!!! وهنا نلتقي بـ ( أبي وائل شقيق بن سلمة
) يقول : [ نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا ] .
ونلتقي على متن هذه الصفحة مع أحد العباد الأتقياء
الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا إنه : (
شيبان الراعي ) .
قال عنه ابن الجوزي : " حج مع سفيان الثوري ، فلقيا
سبعاً ، فعرك شيبان أذنه وقال : لولا مكان الشهرة ما وضعت زادي إلا على
ظهره . وعن محمد بن حمزة الربضي قال : كان شيبان الراعي إذا أجنب
– أي أصابته جنابة
– وليس عنده ماء دعا
ربه ، فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها ، وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على
غنمه فيجدها لم تتحرك ".
|
|
عند
الصباح يحمد القوم السُّري
قال القاسم بن راشد الشيباني : كان زمعة
– أي زمعة بن صالح المكي
– نازلاً عندنا ،
وكان له أهل وبنات ، وكان يقوم فيصلي ليلاً طويلاً ، فإذا كان السحر
نادى بأعلى صوته : أيها الركب المعرسون ، أكلّ هذا الليل ترقدون ، ألا
تقومون ، فترحلون . فيسمع من هاهنا باك ، ومن هاهنا داع ومن هاهنا قارئ
، ومن هاهنا متوضئ . فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته : ( عند الصباح
يحمد القوم السّري ).
|
|
قد
علمت أنها إصبع جبار
قائل هذه العبارة هو
العابد الأوّاب : عبد العزيز بن أبي رواد .
عن شعيب بن حرب قال :
جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد فجلس فما أحسب أن صاحب الشمال كتب
شيئاً .
وقال يوسف بن أسباط :مكث عبد العزيز بن رواد أربعين
سنة لم يرفع طرفه إلى السماء ، فبينما هو يطوف حول الكعبة إذ طعنه
المنصور أبو جعفر بإصبعه في خاصرته فالتفت إليه فقال : ( قد علمت إنها
إصبع جبار ).
|
|
تعلم
أن قلبي يحبك
لما حضرت معاذ بن جبل
رضي الله عنه الوفاة قال : اللهم إني كنت أخافك ،وأنا اليوم أرجوك ،
اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار
ولا لغرس الأشجار ، ولكن لظمأ الـهواجر، ومكابدة الساعات ومزاحمة
العلماء بالركب عند حلق الذكر .
فلما اشتد به النزع كان كلما أفاق فتح طرفه ثم قال
:
رب اخنقني خنقك فو عزتك تعلم أن قلبي يحبك .
ويروى أنه لما طعن أبو عبيدة
– أي أصابه الطاعون
– استخلف معاذ واشتد الأمر
فقال الناس لمعاذ : ادع الله يرفع عنا هذا الرجز : فقال إنه ليس برجز
ولكنة دعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، وشهادة يختص بها من يشاء
منكم ، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفر من هذه الرحمة !! فطُعن ابناه .
فقال : كيف تجدانكما ؟ فقالوا: يا أبانا : { الحق من ربك فلا تكونن من
الممترين } [ البقرة : 147]. قال وأنا : { ستجدني إن شاء الله من
الصابرين } [ الصافات : 102 ] ثم طعنت امرأتاه فهلكتا ، وطعن هو في
إبهامه فجعل يمسها بنفسه ويقول : ( اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك
تبارك في الصغير ، حتى مات به ) .
|
|
|
من كتاب ( 200 ) قصة من
حياة الصالحين |
|
لسعد يوسف ابو عزيز |
 |