ريحانيات

رهانات الأغنية العربية

 الفصل الثامن:

"الحب العليل"في الأغنيةالعربية

 

 

I)- الحـب : المفاهيم والأشكـــال

 

إن مفهوم الحب هو في الأصل مفهوم ميتافيزيقي يختلف، من حيث التصور، من زوج من العشاق إلى زوج آخر نتيجة اختلاف العلاقة التفاعلية بين الحبيبين:

 

1- حب عادي (صوفي، عذري، بيولوجي...(

2- حب مازوكي/ سادي.

3- حب مصلحي، مادي.

 

هذه الحلقات الثلاث تتقاطع وتتفاعل فيما بينها إنما النوع المهيمن على العلاقة الغرامية هو الذي يحتكر اسم تلك العلاقة. لكن بما أن " العادة" هي القاعدة عند معظم الثقافات الإنسانية، فقد كان "الحب العادي" هو القاعدة في كل أنواع الحب بينما همش النوعان الآخران ...

 

II  )- "الحــــب العـــادي":

 

الحب، من حيث كونه نضجا عاطفيا وعقلانيا علائقيا ومهاريا، هو" القانون" عند كل الأحياء:

 

" المرء يحب لأن الحب يكسبه بهجة ونضجا"

ليو فليكس

-" الحب"-

تعريب: فؤاد شاكر

القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي،1989

 

الحب محاولة جبارة يقوم بها الفرد ليبدع صورة لمن يحب:

 

صورة خيالي  في عيونه          كيفاش يمكن يمحيها

(أغنية مغربية)

 

الحب عملية إنتاج صورة مثالية لشخص واقعي. وبذلك يتحول الحب من حب الشخص الواقعي الماثل أمام العين إلى حب الصورة المثالية المكونة عنه. الحب إذن يحيا على الوهم الجميل .فما هي بهجة العاشق العربي في مرآة الأغنية العربية ؟ وما هي الصور التي رسمتها الأغنية العربية للحبيب (ة) العربي (ة) ؟...

 

III )- لمـــاذا تتغنى الأغنية العربية بالحبيب الذكر علىأنه حبيبة أنثى؟

 

ثمة حكمة بليغة منسوبة ل ف.س. كابريو :

" التنقيب في اللاشعور يعادل الأكل من الشجرة المحرمة"

 إن الكنوز التي حيكت حولها الأساطير والروايات والقصص لم تكن موجودة في "مركز" من مراكز هذا العالم، بل في" الهوامش": أدغال، أعماق البحار، جزر نائية... ولكنها كنوز وكلفتها، أحيانا،"العمر" . لذلك كان النبش في المنسى، في اللاشعور، في المهمش غالبا ما يتوج بالكنز كجائزة. والرحلة في طريق الكنز تبدأ بخطوة، وقد تبدأ بسؤال، بمجرد سؤال كتالي:

 

" لماذا الأمور هكذا؟"

 

وبما أن الحب في الأغنية العربية هو موضوعنا، يمكننا إعادة طرح السؤال على الشكل التالي:

 

" لماذا يتغنى العرب إناثا وذكورا بالحبيب الذكر محل الأنثى أو كصورة لها ؟

 

IV )- "الحبيبة" في الأغنية العربية :

 

الكلمات التالية من لغات لاتينية وجرمانية وأنجلو-سكسونية مختلفة، القاسم المشترك بينها هو غياب التمييز الجنسي (gender distinction) بين " الحبيبة" و "الحبيب":

 

-Mon amour

-Mi amor

-Mein Liebe

-My Love…

 

وإذا كانت اللغة العربية تختلف عن اللغات الأوروبية في كونها لغة تميز بين "الحبيب" الذكر  و"الحبيبة" الأنثى فمن البديهي أن يحدو المتكلم باللغة العربية حدو لغته لكنه يفضل السباحة ضد تيار لغته ليخيب أفق انتظارنا جميعا مشغلا الصيغة الذكورية"الحبيب" كشكل وحيد من أشكال الوجود اللغوي للحب. ولعل مقاربة الأمر في سياقه الغنائي العربي سيبرز الشذوذ بشكل أصرخ وأفظع.

 

V)-" الحبيبة" في الأغنية الإنسانية :

 

الأغنية العربية لا تعشق سوى الرجل/ الذكر سواء كان المغني رجلا (فريد الأطرش) أو امرأة (أم كلثوم( :

 

أ)- نماذج من أغاني فريد الأطرش:

 

- أنا وأنت لوحدنا

- ما لو الحلو ما لو

- عش أنت

- يا بو ضحكة جنان

- أنا وأنت وبس

- هو بس هو

- جميل جمال

- حبيب العمر

- حبيبي...

 

ب)- نماذج من أغاني أم كلثوم:

 

- أمل حياتي

- أنت الحب

- أنساك

- أنت عمري

- هجرتك

- بتفكر في مين

- يا مسهرني

- أسأل روحك...

 

بنظرة سريعة على لائحتي الأغاني التي بها ذاع صيت هذين القطبين للأغنية العذرية (Platonic Love Song)، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

 

1- الأغاني المدرجة أعلاه معتمدة على زجل وليس عن قصائد.

2- تغني الأنثى بالذكر وهو أمر طبيعي ومشروع.

3- تغني الذكر بالذكر وهو ينوي التغني بالأنثى أمر شاذ ويحتاج بالتالي لوقفة تحليلية.

 

VI )- "الحب العليل" أو " الحب الخائف":

 

هناك حقيقة ساطعة نحاول إخفاءها بالغربال وهي أن حرية التعبير في البلدان العربية رهينة باللغة المعبر بها: فالتعبير بلغة أجنبية هو الأكثر تحررا ويتربع على عرش المستفيدين من الحريات العامة، ودونه التعبير باللغة العربية الفصحى، وفي أسفل هرم الحريات ترزح اللهجات الدارجة المحلية ذات القاعدة العريضة.

فالمغني العربي، مثل الباحث أو الصحفي أو الكاتب العربي، يكون أكثر حرية حين يعبر بلغة أجنبية التي تعني في اللاوعي العربي" لغة الحرية" فتراه يتلخص من تشنجه ويرقص على إيقاع أغنيته التي قد يكون موضوعها" طابو" إذا ما أراد أداء ه بلغته العربية !... ونفس المغني تراه ينكمش وراء الميكروفون عند أداءه أغنية بلغته العربية الفصيحة مركزا على كل همة على أن يبدو جميلا ومبتسما ولو ضد مجرى النص الذي هو بصدد غنائه، ذاك النص الذي امتدت إليه الرقابات المتعددة الأشكال والمضامين لتختزله في نوع بئيس من الأغاني:"الحب العذري التجاري". ومع ذلك، فالغناء بالفصحى أكثر حرية من الغناء بالعامية. فمجرد الإحساس بأن اللغة الفصحى هي لغة الشعر والغزل الراقي يلغي إشكالية"نوع" الحبيب(ة.(

لنلاحظ التغير الذي يطرأ على عبد الحليم حافظ كلما غير لغة النص الغنائي من الفصحى إلى العامية، ولنرصد العجز الذي يرافقه عند أدائه باللهجة العامية المصرية بحيث لا يستطيع مخاطبة الأنثى إلا كذكر:

 

1-)- عبد الحليم يغني قصيدة فصيحة:

 

الرفاق حائرون

يفكرون، يتساءلون

في جنون

"حبيبتي، أنا، من تكون؟"

 

2)- عبد الحليم يغني زجلا عاميا:

 

حبيبي، الله لسه حبيبي والله

وحبيبي، مهما تقسى حبيبي واله

وحبيبي، عمري ما نسى حبيبي والله

ابقى افتكرني، حاول تفتكرني

ذي ليالي عشناها

أبدا مش حانساها

 

 قد يبدو الأمر صدفة من الصدف أو مزاجا غنائيا لدى مطرب واحد هو عبد الحليم، لكن الأمر يتكرر مع قمم غنائية أخرى: كاظم الساهر، عبد الهادي بلخياط،... فكاظم الساهر، من جهته، يبدو شجاعا حين يغني القصيدة العربية وأشعار نزار قباني: مدرسة الحب، اختاري، زيديني عشقا... ولكنه يعود لنسق الجبن العام حين يغني الزجل: باب الجار، مدلل، لك وحشة، ها حبيبي...ذ يتحول من عشق شجاع يتمرد على جماعته بإعلان حبه لامرأة يناديها "حبيبتي" إلى عاشق خائف يحذر نقمة جماعته عليها فيقبل بكل شيء حتى التخلي عن الحبيبة متغزلا بالذكورة... نفس الشيء بالنسبة لعبد الهادي بلخياط الذي بدأ مشواره الغنائي مع الموسيقار المتفرد عبد السلام عامر والقصيدة الشعرية فغنى قطعا شجاعة : ميعاد، حبيبتي... لكنه بعد وفاة عبد السلام عامر ارتد إلى النسق الغنائي العامي السائد وبدأ يغني أغاني عاطفية يتغزل فيها بالرجال وفي نيته التغزل بالنساء: ما تا قش بي (= لم يصدقني)، حبك محال، قطار الحياة، أمحبوبي، يا ذاك الإنسان...وكلها أغاني يتودد فيها المطرب الذكر بذكور في مجتمع ذكوري يلغي الأنوثة...

 

(VII- " الحب العليل" في الأغنية العربية العامية:

 

       بالإضافة إلى الجبن في إعلان المواقف، أو الجبن في إعلان امرأة من خلال اللجوء إلى الحب" الحب المثلي"... هناك تجل آخر من تجليات"الحب العليل" في الأغنية العامية العربية بحيث تصبح الحبيب(ة) أما على صورة:

 

1)- قريــــــب (ة):

 

أخوي اعملني من احبابك

لا تهجرني

راه قلبي بغاك ويبغيك

يا اخوي...

( غناء لطيفة رأفت)

 

2)- او غريـــــب (ة):