ريحانيات

هكدا تكلمت سيدة المقام الاخضر

مجموعة قصصية

        

عالـم حالم

 

 

 

منزلا دون القصـور

هل اتخذت الغاب مثلـي

وتسلقت الصـخـور

وتـــتبعت السواقـي

وتنشــفت بنــور

هــــل تحممت بعطر

في كؤوس من أثير

وشربت الفجر خمـرا  

جبران خليل جبران

- أعطيني الناي-

 

 

            السكينة أو اللطافة أو النقاء هي أسماء متعددة لمسمى واحد: نسيم عليل بابه الأفق الأزرق الرحيب ومدرجه الأشجار المتنوعة الأصول والأشكال المتراصة في كل مكان في هذه المدينة الآمنة، في حدائق المنازل، في الساحات والحدائق العامة، على الطرقات، في البساتين، على الجبال المتاخمة للسماء...

 

        حفيف أوراق الشجر، تحت لمسات الهواء العليل، يملأ الكون تصفيقا خفيضا وهمسا عاشقا. لا صوت يعلو على حفيف الشجر وضحك الأطفال وهم يجرون بسعادة ظاهرة بين الأشجار الباسقة في الساحات والحدائق العامة ويتمرغون كالقطط الآمنة على العشب الندي تحت دفء الشمس الوديعة.

        أسراب من النساء والرجال، بملابس رياضية، تصل بين الفينة والأخرى في ركض خفيف إلى جنبات الحديقة العامة. يجرون بانسجام وتوازن ثم يتوقفون ليتنفسوا ملء الرئتين هدية السماوات العلى. يجددون وجودهم بالشهيق والزفير ويتبادلون النسيم بالنسيم. حتى إذا ما تجددوا هواء وحيوية، علت البسمة وجوههم من الرضا وواصلوا الجري دونما تسابق أو تخاذل حتى ينعطفوا خلف الأشجار الوارفة الظلال والورود المتشابكة السيقان حيث يجلس آباء وأمهات الأطفال في انتظار وصول الناقلة.

 

    بعض الآباء والأمهات يجلسون مستندين على جذع شجرة متشابكي الأيدي في حنين لذكريات لا تزال مشعة في لمعان العين وحرارة اللمسة وبياض البسمة. وبعضهم ينشد التوحد مع الصفاء: ينقر بمسمار معدني جرسا نحاسيا صغيرا يتدلى بين الإبهام والسبابة ثم يصغي للرنين الصافي وهو يتناقص ويتناقص ويتناقص حتى إذا ما تلاشى أثر الصوت أعاد  النقر والإصغاء للرنين الذي ينقله إلى الصفاء البعيد والتجدد الكامل. وبعضهم الآخر ممدد على العشب الأخضر يستمتع بخيوط الشمس الذهبية تلعق جلده والنسيم يعبث بشعره وزقزقة العصافير وحفيف الشجر ورنين الأجراس الصغيرة ينقي مسامعه فلا يتنبهون لمرور الزمن إلا على وقع نفير الناقلة المنضبطة لمواعيدها انضباط الفصول في التعاقب والشمس في الشروق والمطر في الهطول والمياه في الانسياب والربيع في النمو والأزهار في التفتح والطير في اللقاح...  

 

   سائق الناقلة، يعي جيدا سبب تخلي سكان المدينة عن سياراتهم الخاصة ودراجاتهم النارية. فهم لا يمكن أن يكونوا قد تخلوا عنها بسبب الإجراءات والتضييقات الجبائية الجديدة ما داموا هم أول من طالب بها: الضرائب العالية على السيارات القديمة، التسعيرة العالية لمواقف السيارات، العمل بالبنزين الخالي من الرصاص وحده دون سواه بعد حظر استعمال أنواع الوقود الرديء ذي الضرر العالي والذي تسبب في أمراض سرطانية لعدد غير قليل من سكان المدينة.

 

        لا هذا ولا ذاك. فسكان المدينة واعون بمسؤولياتهم اتجاه ما ورثوه من ثروة كبيرة: بيئتهم. ولذلك كان عليهم التحلي بالشجاعة اللازمة للحسم في مستقبلهم: فإما أن يحافظوا على هذا الإرث وإما أن يدمروه. ولوعيهم بأنهم هم أنفسهم البيئة التي تنتظر منهم الحسم في قراراتهم، فقد انتصروا لمبدأ الحفاظ على البيئة وحمايتها وتخلوا عن مشاريع التباهي بالسيارات وتسميم الهواء والشجر والبشر بعوادمها واتفقوا على أن تستغل السيارات فقط لنقل أكثر من ثلاثة ركاب، كما تم الإجماع على اتخاذ وسائل النقل العمومي وسيلة أساسية للتنقل والتحرك داخل وخارج المدينة.

 

        عنترة، سائق الناقلة، يعرف كل هذا. بل هو يساند هذه الخطوة نحو التطهير الشامل للبلاد والعباد. فهو يؤمن إيمانا راسخا بأن التطهير لا يمكنه أن يبدأ إلا من تطهير البيئة، بيئة النهر والنبتة والإنسان. البيئة الطاهرة، في نظره، لا تنتج إلا كائنات جميلة وعواطف طاهرة وثقافات حقيقية. ولإحساسه بدوره الخطير في إمكان حدوث ردة لدى سكان المدينة عن هذا الميثاق، يحرص عنترة أكثر من كل أمر على الانضباط لمواعيد الانطلاق والوصول إلى المحطات الفرعية والنهائية. بل هو يحرص أيضا على تذكير الركاب بأنه على وعده حتى الموت وأنه لا ردة عما اتفق عليه مهما كانت الظروف والتبريرات.

       

من نوافذ الناقلة، تطل الشمس المسائية تارة من زجاج الجهة اليمنى وتارة من الجهة اليسرى على وجوه الأطفال وقد ناموا، مطمئنين، على حجور أمهاتهم اللواتي توصلن اليوم صباحا برسائل تهنئة من إدارة المدرسة ليس فقط بمناسبة نجاح أطفالهن في دراستهم بل بهذا النبوغ الجديد والمتجدد الذي اختار أبناءهن فجأة. فقد أصبح الأطفال، بشكل استثنائي، قادرين على كل شيء: دقة الملاحظة، التفكيك، التركيب، روح المبادرة... كما تخلصوا من عادات سيئة كقضم الأظافر ومظاهر فزيولوجية مرضية كالسمنة والشحوب لفرط مكوثهم داخل البيت قبالة التلفاز لصرف انتباههم عن اللعب في الخارج مخافة حوادث السير ... ومع ذلك فلا أحد من الإداريين أو الأساتذة في المدرسة توصل لتفسير ذلك: وحدهن الأمهات يملكن مفاتيح فهم هذا التغير ولذلك فهن يواظبن على الذهاب للحدائق والمنتزهات مع أطفالهن بعدما خفت آثار التلوث بالمدينة.

       

آخر المحطات.

 

وقوف الناقلة.

 

سكوت المحرك عن الهدير.

 

الأمهات توقظ أطفالهن، استعدادا للنزول. يحرس عنترة، السائق، على تذكير النازلين من الناقلة، والبسمة لا تفارق محياه بوفائه بوعده وأنه لا ردة بعد اليوم. لكنه لا ينسى أن يسألهم عن مصادرهم في الطاقة ومشاكلهم معها في البيت. حتى إذا ما اندلع الحديث بين الناس وعبروا عن ارتياحهم لمصادرالطاقة النظيفة البديلة للكهرباء، قال:

    - الشمس بالمجان، كانت وستبقي. وهي تعطي دون أن تطلب. ومع ذلك فنحن نحترس في الاستفادة منها في أمورنا المنزلية!...

 

        فأيده آخر:         

- عندنا الشمس وعندنا الريح وعندنا الماء وعندنا كل مصادر الطاقة النظيفة المتجددة ولكن حين يكون التلوث سلوك يومي فلا يمكن الإضاءة إلا بمصادر طاقة ملوتة...

 

        وتدخلت امرأة لتختم وقد وطأت قدماها الأرٍض:

- قولوا " كنا عميانا" وكفى. فالأعمى لا يدرك درجة الحرمان الذي يحياه إلا بعدما تبصر عيناه النور. آنذاك يقارن بين فترتين من حياته ويندهش لكونه كان يقبل الحياة طول تلك المدة في الظلام...

 

        قالتها ثم ابتعدت عن السائق الذي كان يستعد للانطلاق وفي قرارة نفسه ترن عبارة المرأة الحكيمة: " كنا عميانا". ثم همهم وهو يحرك عجلة القيادة جهة الشارع الهادئ ليعاود الرحلة الدائرية وليثبت للأفواج المنتظرة من الركاب أنه على وعده إلى الأبد وأنه لا ردة إلى الماضي:

    - كنا عميانا، نعم. ولكننا أبصرنا النور وهذا ما سنورثه للأجيال القادمة.

 

4 ماي 2004


 

نصوص المجموعة

 

 رحلة الاستنزاف

عالم حالم

عاشق

شرفة على القلب

الأرض تتكلم لغتي

زهرة الذاكرة وشراب الخلود

حديقتي، مملكتي

حلم عصفور

مدرسة الحرية

العودة إلى البراءة

هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر

موعد مع الفرج

 

الصفحة الرئيسية- روابط ثقافية- دراسات إسمية- - دراسات في الأغنية العربية- أونطولوجيا القصة المغربية -  مدير الموقع- مقالات- منتدى الثقافة- نصوص سردية - حوارات- بيانات- شهادات - FRANCAIS - ENGLISH

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

ALL RIGHTS RESERVED

 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

 

   <title>http://raihani.free.fr/arabicversion-shortstory4-index.htm</title>

<meta name="description" content="هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر ، مجموعة قصصية، نصوص سردية، سرد، سرديات، قص، محكي، محكيات، محمد سعيد الريحاني

<meta name="keywords" content="  ">