ريحانيات
في انتظار الصباح
(مجموعة قصصية)
افتـح يـا سمسم
إلىشاب جامعي معطل
ما هذا ؟ …
مرتبي
؟ …
هل أصبح لي عمل ؟…
هل هذا تعويض عن عطالتي
؟…
أنا لم ألف المفاجآت في حياتي … و الآن؟… هل أحلم؟… هل أعيش حياة ثانية؟… مئات الدراهم!…
في جيبي أوراق نقدية من فئة مئة دراهم !…
عجبا! …
أتحسس الأوراق… الواحدة تلو الأخرى …أثنيها أكمشها …
هبة من السماء! …
أرفعها قبالة الشمس… أتفحص
الخيط الفضي داخلها …
الخيط هناك …
الخيط واضح و
غليظ مثل هراوة…عبارة
التهديد مكتوبة أسفل الورقة المالية بالعربية الفصحى :
"كل من حرف أوراق
البنك أو زورها أو ساعد على ذلك سيعاقب طبقا للقوانين والقرارات الجاري بها العمل"…
لا
مجال للشك … الأوراق
البنكية حقيقية…
-"الآن أصبحت مسؤولا
عن أسرتك… يجب أن تشتري ملابس لاخويك …هناك متجر في المنعطف".
انتبهت الى مصدر
الصوت عند قدمي …
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! …
من
هذا الذي يرشدني؟ … متسول حاف عار يستر عورته بيديه…! إنه يعرف ما يدور في دماغي! … و هؤلاء الرجال المعتصمون قبالة تلك البوابة وهم يئنون شعارات حزينة، هل هم يموتون؟… إنهم يكترون … شكاويهم تملأ المكان
صخبا : -
- أنا مطرود"…
-" أنا موقوف" …
-"أنا مرفوض" …
-"أنا
.."..
-"أنا .."..
-"أنا .."..
يغمرني الخوف… أضطرب… تسود الدنيا أما عيني … سواد ظلام دامس… أتحسس الحاجز أمامي … أبحث عن مخرج … هذا باب … باب موصد … باب خشبي …حديدي… حجري … أقرع الباب…
لا
أحد يجيب …
أنادي بكل قواي :
-"افتح يا رفيق!"
سكون …
-"افتح يا
أخ !"…
سكون
-"افتح يا
سمسم ! "…
وينفتح الكون! …و ينجلي السواد !… وتنقشع الظلمة عن رجل و طفلين … عن بائع و … اخواي الصغيرين!...
يا
للصدفة ! … اخواي!... ها هما
يقيسان القمصان … يشاوران البائع … في اللون … في الطول … في العرض … يااااااااا!ا… يا العجب ! … سبقاني للمتجر! شيء ما حدث! … لم تبق لي أسرار … حياتي لم تعد لي
وحدي … أصبح غيري يعرف أسراري و يسمع أفكاري … أصبحت أخاف أن أفكر …
-لا تخف! … يقاطع البائع تفكيري
يربت على كتفي … لا تخف فكر كما تريد … ما يحدث هو مجرد
تفاهم …
ينحني البائع
على الطفلين … يقبلهما… أسناهما تزداد بياضا
تحت بسمة الفرحة بكسوة العيد … أؤدي ثمن القميصين … و لأول مرة أحس بمـتعة صــرف المال ! … متعة المسؤولية …! يقبلني أخواي … ينصرفان … نشيطين على غير عادتهما … يقفزان … يجريان… يتوقفان … يطالبان المارة أن
يقرؤوا لهما الكتابة على صدر قميصهما… يرددانها … يفرحان بها …يجريان … يطلقان ذراعهما الصغيرتين ليطيرا … يحاكيان اللقلاق القادم من الجنوب ،السابح على مهل في زرقة السماء،
باسطا جناحيه الطويلتين وهو يميل يمنة
ويسرة يمنة ويسرة دون أن يحرك جناحيه … يعلو… ينحني… يهزهز جناحيه قليلا … يستريح وهو يحوم … جناحاه دائما مبسوطتان … يعلو… يعلو… فوق الربيع … فوق النخيل … فوق الجبال … فوق السماء… فوق الشمس البيضاء بياض اللبن …
كم اشتقت للبن! …
-اللبن يطهر الجسم … الحامض منه خاصة …
هكذا يقول النادل للزبناء
المتهالكين على الكراسي …
-السكر والحلوى مفيدان
للحنجرة أيضا … يضيف من وراء منضدته البيضاء كقبر عظيم …
المقهى كله قبور … قبور بيضاء … قبور في شكل موائد حولها كراسي يتهالك عليها الأحياء من أهل المدينة .… يفتخر مالك المقهى بمقهاه … " مقهى أحياء و أموات "… يطالبنا بالصمت :
-اشششش !…
الأمر الأبدي بالصمت يثير احتجاج الموتى تحت القبور المبنية
بالحجر … يثير قلق من حولي من الأحياء … أنا الآن أتفهم
توترهم نحن لا ننبس ببنت شفة حتى يطالبنا أحد بالصمت … هذا ظلم !
يجيب مالك المقهى :
- أنا لا أظلم أحد … كلامكم يعرض مقهاي
للخطر …يعلق المالك لوحة على الجدار قبالة الجميع :
"الرجاء من الزبناء
الكرام عدم التدخين و الكلام والصراخ حفاظا على الصالح العام".
ينفجر القبر الأول … ينفجر الثاني … الثالث… تثور ثائرة الأحياء و الأموات … كل الزبناء… الموتى .. المجانين ..ماسحي الأحذية .. المومسات.. بائعي السجائر… المتسولين… شباب يستر عورته بشواهده الجامعية … يستقيم الجميع… يجربون حناجرهم … ينتفون لوحة الأمر و النهي عن الجدار … يكسرونها … يفتتونها يلقون بفتات الأمر بعيدا … ينصتون للوحي للإلهام … لأنشودة الخلود… لصوت عبد الرحمان المجذوب …