ريحانيات

في انتظار الصباح

(مجموعة قصصية)

Zone de Texte: ترجم
TRANSLATE
DICTIONARY

 

حديث غراب

 

"الإنسان الذي تطور من قرد سيعود قردا ،

ولن يكون هناك أي  أحد

 ليهتم بهذه النهاية الغريبة للكوميديا ()

 فمن المحتمل جدا كذلك

 أن تكون عاقبة الإنحطاط  المحتمل

 للحضارة الأرضية في شموليتها هي

 تبشيع فظيع جدا للإنسان،

لينحط في النهاية إلى حيوان ثم إلى قرد.

وبما أننا نستطيع  التفكير

 في هذا الإحتمال فقد نستطيع

تدارك انتهاء المستقبل إلى مثل هذا الأمر".

 

فريديريك نيتشه،

إنسان مفرط في إنسانيته

( الترجمة العربية ) ص.  139

 

إحساس غريب سيعتريك وأنت تخطو داخل هذه الضيعة فتتساءل :

-"هل نسيت أداة من أدواتي ؟"

تتفحص حقيبتك وتتأكد أنك لم نتس شيئا. لكن الإحساس الغريب سيلازمك وأنت تخطو بين أشجار البرتقال المتراصة على جانبي المدخل محددة لعينيك اتجاها وحيدا.

الإحساس الغامض يحتويك وتمرق بذاكرتك فجأة حكايات الأجداد عن أقوام الزمن الغابر الذين أساؤوا الفعل فمسخوا غربانا وقردة وخنازير...

 

فضاء الموت :

سيـقـــــف رب الضيعة، عند نهاية الممر، بانتظارك مادا يده للمصافحة ليقـــــول لك :

- علمت أمس أن معهد الفنون الجميلة وزع طلابه في مهمات فنية على عدة ضيعات بالبلاد...

ثم :

- أنت غير محظوظ...

وحين لا تدرك معنى الإشارة، يضيف :

- أنا أيضا أعشق فن التصوير، لكنني أفضل الطبيعة الميتة لخلوها من الحركة. الحركة معاناة. والإنسان بطبعه يكره المعاناة. الفن يجب أن يكون جميلا. متفائلا. ممتعا...

 

فضاء الخلق :

ستنصب حامل اللوحة وتخرج أدوات الرسم والتلوين من حقيبتك استعدادا للعمل وتجلس لترتيب الأصباغ على حاملة الألوان.

استرق    نظـــــرة     إلى    مـــــــلامـــــح     رب   الـضـــيعــة       وستــجـــده       مـ - ـغـ - تا – ظا- للـ - ـغا – ية !... لكنه سيفتعل  ابتسامة  متواطئة  ويقول    لك:

-       خذ راحتك !

 

فضاء الصمت :

الطــبـيعة أمام عينيك صامتة، مـيتة... إنما المنظر متوازن وجيد التأطير: الأشجار على حافتي اللوحة تقف إطارا لها تسمر في خلفيتها القريبة بغل  محمل بالأثقال، أما في خلفيتها البعيدة فــترعى ثيران مغلولة القوائم، يجر اقواها من القرنين عبد من عبيد الضيعة، ويتقدم به نـحو واجهة اللوحة

يتبع الثور العبد دون عصيان ليربطه في جدع شجرة مقطوعة، قبالتك، في منتصف اللوحة،في انتظار الآتي...

 

فضاء الأمر:

هنا لن تسمع سوى الأمر، ولن ترى سوى الطاعة :

-  ماذا تنتظر ؟ ابدأ ! ..

-"حاضر، سيدي "  ،     سيجيب "لمعلم " الخصاء وهو يندفع نحو الثور.

  هذا أمر، ومن السيد، رجل جبار يملك الأرض والثيران والبغال والعبيد الذين ورثهم عن أجداده أقوياء ومخصيين، لكنه رغم الإرث وشساعة ظل الأجداد، فقد بلغ به الإجتهاد في التفسير والتأويل حد مخالفة خط السلف في أمر جوهري : فهو من حين لآخر يقدم على عتق رقبة من رقابه تكفيرا عن يوم راود فيه إحدى زيجاته أو محظياته أو سراريه فأفطر وإياها رمضان. إلا أن أغلب العبيد المعتقين يعودون  ثانية    إلى هذه الضيعة رافضين حريتهم وكلهم حنين إلى حياة الماضي والخصاء.

 

فضاء الطاعة :

سيمسك " المعلم " الخصاء بالثور من منخريه ثم يلوي عنقه ويطرحه ارضا، يستل خصيتي الثور من بين فخديه ويدهنهما بالشحم ثم يضعهما بعناية على جذع الشجرة.

سيقول السيد ل"لمعلم ":

- أريد ثورا قويا، ثورا يحرث الأرض بمفرده، ويشغل السقاية لوحده... أما الفحل، فستحتاجه أبقارنا للتخصيب ساعة في السنة وآنذاك يمكنني كراؤه.

 

فضاء الصخب:

يظل الثور حول المقصلة، يشخر من الدوار حتى يهوي المخبط على خصيتيه :

ع ع ع ع ع ع ع ع ع ع ع !...

الثور يتمرغ في قيده... يحاول أن يركل من الألم... يصرخ... يعوي... ينبح... كأنه لم يكن يوما ثورا...

ع ع ع ع ع ع ع ع ع ع  ع !

قرب  الصراخ،  يقف البغل برأسه داخل كيس متدل من عنقه يعلف النخالة بنهم...

 

فضاء المسخ:

تنظر إلى اللوحة أمامك وتجدها بعد كل العنف والصخب خالية من كل حركة، مجرد طبيعة ميتة : أشجار برتقال على جانبي اللوحة تؤطر الفراغ الذي كان قبل قليل يعج بالألم والصياح المسعور... وتتساءل :

ماذا حدث للوحة ؟ ! .

ثم تنتبه للفرش بين قدميك على الأرض : مكسرة، مفتتة وتتساءل :

ماذا حدث للفرش ؟ !.

وتتذكر يديك فتتحسسهما :

با اااااا ردتان ...

مشلولتان ؟

يدا رجل آخر ؟

ليس كل ذلك مهما، المهم هو أن المسخ قد اختارك، وأنك التحقت بمسوخ التاريخ، ومرحبا بك  بيننا : قردًا على الأرض أو غرابًا في السماء.                                                    

                                                                                                                                          سنة 1997

 

 


النصوص

تصدير  أول

تصدير  ثان

العيد

المقص

التشظي

الفرجة، الضباب والمشروع

في انتظار الصباح

الأبدية

الأفواه الفاغرة

هوية

أرض الغيلان

الشرخ

حديث غراب

وطن العصافير المحبطة

افتح يا سمسم !

الحياة بملامح مجرم

نص لنيتشه : هل كان سقراط مجرما؟

 

 

 

الصفحة الرئيسية- روابط ثقافية- دراسات إسمية- - دراسات في الأغنية العربية مدير الموقع- مقالات- منتدى الثقافة- نصوص سردية - حوارات- بيانات- شهادات- FRANCAIS- ENGLISH

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

ALL RIGHTS RESERVED

 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

 

 

   <title>http://www.khayma.com/culture-space/arabicversion-shortstory-index.htm</title>

<meta name="description" content="في انتظار الصباح، مجموعة قصصية، محمد سعيد الريحاني

<meta name="keywords" content=" أضمومة، مجموعة قصصية، رواية، أقصوصة، قصة قصيرة، نص قصصي، نص سردي، نصوص سردية">