ريحانيات
موائد مستديرة:
"الأدب
والإنسان في
زمن
النهايات"
المائدة
الثانية
تنشيط: محمد
سعيد
الريحاني
في
مائدة
مستديرة حول
موضوع "الأدب
والإنسان في
زمن النهايات"
شارك فيها
نخبة من
المبدعين
والنقاد
العرب في أفق
بلورة رؤى
أدبية تساهم في
فهم الراهن
الأدبي
وتنمية سبل
كفيلة
بتطويره. وقد
تركزت مداخلات
الأساتذة
المشاركين
حول المحاور
الستة التالية:
1-
ما جدوى
الكتابة
والقراءة في
زمننا
المعاصر وماذا
تبقى من قيمة
الإنسان
قارئا
وكاتبا؟
2-
ما بين
الإنسان
المستمع في
ثقافة السمع
التقليدية
والإنسان
المشاهد في
الثقافة
الحديثة،
ثقافة العين
والصورة والحقيقة
، ما محل
القراءة
والإنسان
القارئ؟
3-
في زمن
الموت
والنهايات
(نهاية
الفلسفة، نهاية
الإيديولوجيا، نهاية
التاريخ،
نهاية
الإنسان...)، هل
تعتقد بمقولة
"موت المؤلف"
في التنظير
النقدي الأدبي؟
4-
التخلي
عن التأزيم
والتباكي
والعرقلة
والتشاؤم
والسوداوية
هي السمة
المميزة للأدب
النامي
عالميا منذ
أواخر القرن
الماضي مقابل
العودة إلى
البراءة
والتفاؤل
والحب والحلم
والحرية. أين تموقع
الإنتاج
الإبداعي
العربي
الجديد؟
5-
عرف
الإبداع
السردي تطورا
مستمرا لصورة
"الإنسان" في
مرآة العمل
الإبداعي ابتداء
من "البطل
الأسطوري"
ومرورا
ب"البطل المنكسر"
ووصولا
ب"الشخصية
العادية". أي
المرايا أصدق
لعكس صورة
الإنسان
العربي؟
6-
في زمن
العولمة
والقرية
الكوكبية
والتقارب بين
الشعوب، هل
تعتقد أن هذا
التقارب يتم
لفائدة
الإنسان أم
على حسابه؟
المحور
الأول
من
المائدة
المستديرة
تقديم
محمد سعيد
الريحاني
للإشكال: ما جدوى
الكتابة
والقراءة في
زمننا هذا
وماذا تبقى من
قيمة الإنسان
قارئا وكاتبا؟
مداخلة القاصة
والمترجمة
زهرة رميج:
لا شك أن هذا
السؤال: "ما
جدوى الكتابة
في زمننا هذا؟
" سؤال مشروع و
ملح. عندما
نلقي نظرة على
الواقع
العالمي و على
واقعنا
العربي على وجه
الخصوص، نصاب
باليأس و
الإحباط. فالقيم
الإنسانية
النبيلة التي
تغنى بها
الكتاب و
المبدعون منذ
الأزل، لم تعد
في عصرنا
الراهن، تحتل
مكانتها
السامية أمام
الحسابات
السياسية و
المصالح
الضيقة للقوى
المتقدمة
اقتصاديا و
على رأسها
القوة الأمريكية
التي فرضت
هيمنتها على
العالم و أصبحت
تحرك خريطته
حسب مصالحها
دون أن تعير
اهتماما
لكرامة
الشعوب و حريتها.
و أصبحت هذه
القيم نفسها،
ذات مفاهيم
متعددة تتغير
بتغير الزمان
و المكان و
المصالح . فالحرية
و
الديمقراطية
و حقوق
الإنسان و
غيرها من القيم
لم تعد تحمل
معاني محددة و
ثابتة و إنما
معاني تختلف
باختلاف
درجات التقدم
الاقتصادي ما
بين دول
العالم. و الإنسان
في العالم
الثالث و منه
العالم
العربي، أصبح مجرد
أداة من أدوات
الإنتاج التي
تستغلها المؤسسات
الغربية و
مجرد فأر
تجارب
للأسلحة المحظورة
و للأدوية غير
المضمونة
العواقب و للمواد
الغذائية
المصنعة. كما
أصبحت
البلدان العربية
نفسها مجرد
مزابل
للنفايات
الصناعية و كل
الملوثات
الخطيرة.
لكني
أعتقد أن زمن
الرداءة هذا،
هو زمن
الكتابة بامتياز.
في هذا الزمن
بالذات، زمن
العولمة و السعى
إلى طمس
الهوية و
خصوصيات
الشعوب و تشكيلها
حسب النموذج
الجاهز، تصبح الكتابة
فعلا ضروريا
للتعبير عن الرفض
و تحريك سطح
البركة
الآسنة؛ بل
وسيلة مهمة من
وسائل
المقاومة و
التشبث
بالجذور للحفاظ
على الهوية.
ذلك أن
الكتابة – على
عكس السياسة -
تستطيع
القيام بمثل
هذه المهمة
الصعبة على
غرار ما قامت به
الكتابة في
أمريكا
اللاتينية
التي تقول عنها
الكاتبة الشيلية
إزابيل الليندي:
"إننا
في أمريكا
الجنوبية
احتفظنا
بثقافتنا،
وفي هذه
النقطة نجح
الكتابُ
والشعراءُ
فيما فشل فيه
الساسة
والحكام. لقد
استطاع
الكتابُ
والشعراءُ أن
ينسجوا في مخيلتهم
ماضيًا وكان
ذلك يظهر في
كتاباتهم ـ
وبطريقتهم
الخاصة ـ
فيروون
ويكتبون
تاريخ أمريكا
اللاتينية
للعالم
ويكتبون عنا
لنا.."
جدوى الكتابة
اليوم، يتمثل
في ضرورة
المقاومة و التنديد
بما يعانيه
الإنسان في ظل
زمن حلم
الكثيرون
بتحقق
السعادة
البشرية فيه.
إذ من كان
يعتقد أن
الألفية
الثالثة التي
تطور فيها
العلم تطورا
مبهرا، سيعود
فيها العالم
إلى عصور الظلام
و الاستبداد و
سيتراجع فيه
العقل العربي
مئات السنين
إلى الوراء،
محتميا
بالفكر الغيبي
الذي تجند
زعماء
الإصلاح قبل
قرن فقط، لمحاربته
و لإعادة
الاعتبار
إلى
الفكر العلمي
و فتح باب
الاجتهاد
الذي مكن
الحضارة
الإسلامية
من أن تحتل
المكانة
الرفيعة التي
احتلتها في
عصرها
الذهبي؟
هذا
الواقع، يفرض
على الكتاب
مسؤولية
كبيرة في
مواجهة
نتائجه
المدمرة
للإنسان. و ما
طرح إشكالية
جدوى الكتابة
إلا لكون المثقف
العربي تخلى
عن دوره
التاريخي إما
بتقوقعه على
ذاته و اجترار
أحزانه و
آلامه فقط، أو
بتدجينه
من طرف السلطة
التي لا تزال تعاني
من رهاب
المثقف و تسعى
دوما إلى
احتوائه
لتلميع صورتها.
من
هذا المنطلق،
أعتقد أن قيمة
الكاتب كفاعل
ضروري في
المجتمع، لا
تزال قائمة.
لكن ما يغيّب هذه
القيمة هو
ابتعاد
الكاتب عن
الساحة أو انجذابه
لإغراءات
السلطة و
ابتعاده عن
الهموم العامة.أما
القارئ فلا
يزال موجودا،
بل ومرغوبا
فيه كقيمة
نوعية في ظل
سيادة
السطحية و
النظرة
الضيقة. لكنه
يحتاج بدوره،
إلى الكاتب
الذي يجتهد و
يسخر كل
الوسائل
للوصول إليه.
ذلك أن قيمة
الكاتب مرتبطة
بالضرورة
بقيمة القارئ.
مداخلة القاص
والباحث التجاني
بولعوالي: في
واقع الأمر،
إن الحديث عن
تجربة
الكتابة والقراءة
وجدواها
ينبغي أن يُربط
بالسياق الذي
تندرج فيه هذه
التجربة،
لأنه من اللامنطقي
أن نفصل فعل
الكتابة أو
القراءة عن
الحيز الذي
يحتضنهما،
وإلا فإننا
سوف نمارس
الإسقاط، ونطلق
الأحكام المسبقة،
وعلى سبيل
المثال فإن
راهن الكتابة
والقراءة في الغرب
أو في اليابان
أو في غيرهما
من البلدان المتقدمة،
ليس هو نفسه
في العالم
العربي أو الثالثي،
حيث يسود
الحديث عن
أزمة القراءة
ورداءة الكتابة
وما إلى ذلك
من المعضلات،
التي تبعث على
التشاؤم
واليأس واللاجدوى.
على
هذا الأساس،
فإن الرأي
الذي يقول
بتراجع فعل
القراءة لدى
المتلقي
العربي، يظل
نسبيا، لأنه
يبني توقعاته
على التفسير
التقليدي
لفعل الكتابة
أو القراءة،
لأننا في الزمن
المعاصر أمام
أشكال جديدة
من الكتابة،
التي تتولد
عنها سلوكات
قرائية
جديدة،
كالقراءة
الرقمية،
وقراءة الصورة،
وغيرهما. فالرواية
التي كانت
تقرأ أو تشاهد
بالقراءة،
أصبحت تشاهد
أو تقرأ
بالمشاهدة،
والكتب
الثقافية والتاريخية
التي كانت
تقرأ ورقيا،
صارت تُتلقى
عبر البرامج
الوثائقية،
والأخبار التي
كانت تأتي بها
الجرائد
الصفراء،
صارت تنقل عبر
الأقمار الاصطناعية
والفضائيات،
وهكذا دواليك.
ثم
إن جدوى
الكتابة
والقراءة تظل
مرهونة بمقياس
وطبيعة الوعي
الذي يتحلى به القاريء،
حيث كلما
ازداد الوعي
والإدراك،
كلما ازداد
الإقبال على
القراءة،
فانتعش بذلك
فعل الكتابة،
وتتضافر
عوامل عدة
لبلورة وعي
يؤمن بجدوى
الكتابة
والقراءة،
كالتربية
والتعليم
والإعلام والديموقراطية
والعدل وغير
ذلك. مما
يرد الاعتبار
للإنسان من
حيث أنه مخلوق
يتميز ببعده
الثقافي،
الذي يمنحه قيم
الوجود
والاستمرار
والتعارف.
وما
قيمة القراءة
والكتابة لدى
الإنسان إلا ملمح
من ملامح
وجوده، تظل
حاضرة في حياة
الإنسان وبعد
مماته، لذلك
فإن التشاؤم
الذي يحذو بعض
التنظيرات
العربية
المعاصرة حول
قيمة الكتابة
والقراءة، ماهو إلا
حكم طاريء
لا يتجاوز
السياق الذي
ينبع منه ذلك
التنظير، وإلا
فأين نموضع
العديد من
الكتب
الغربية التي
تباع بملايين
النسخ؟
مداخلة القاص
والباحث محمد البوزيدي: في
هذا العصر نحس
وكأن هناك من
بيننا من
يحاول أن يلغي
دور الإنسان
في هذه الحياة
المفتوحة على الآفاق
الواسعة
وتحويله إلى
آلة أو شيء
عادي جدا،
فرويدا رويدا أصبحنا
نخشى من فقدان
إنسانية الإنسان،
والسبب في هذا
راجع إلى محاولة
فرض هيمنة
الاقتصاد على
الفكر وتكريس
المادة على
حساب الروح ،
ومن هنا تبرز
أهمية
الكتابة
والنحت على
البياض
لمحاولة إيجاد
توازن ذاتي للكاتب
للإحساس
بذاته
وإنسانيته عوض
الهروب إلى
الخيال
والابتعاد عن الرداءة
التي تجتذب
يوما عن يوم
المزيد من
الأنصار، وان كانوا
من الذين يتموقعون
في صفوف
المثقفين .
القراءة
تعني تحليقا
في الأعالي للإحساس
بقيمة الإنسان،
ومن خلاله
بقيمة الحياة
ووزنها ، فحين
يكتب الكاتب يحس
أن هناك روحا
أخرى تنبعث
فيه بشكل أو
بآخر تبعده عن
روتين الحياة،
حياة لا ندري
حدودها
القصوى في
تقديس المادة ولو
على حساب
المتحكم فيها
وهو الإنسان
الذي صنعها
ذات يوم..
المحور
الثاني
من
المائدة
المستديرة
تقديم
محمد سعيد الريحاني
للإشكال: ما بين
الإنسان
المستمع في
ثقافة السمع
التقليدية
والإنسان
المشاهد في
الثقافة
الحديثة،
ثقافة العين
والصورة
والحقيقة ، ما
محل القراءة
والإنسان
القارئ؟
مداخلة القاصة
والمترجمة
زهرة رميج:
من المعلوم
أن ثقافة
القراءة
تعاني اليوم
من غزو ثقافة
العين و
الصورة
الناتجة عن
التقدم التكنولوجي
الهائل الذي
عرفه عصرنا. و هذا ما
انعكس سلبا
على نسبة
القراءة و جعل
الكتاب يكاد
يكون عدوا
للشباب بعدما
كان الصديق
الوفي لهم في
مراحل
تاريخية
سابقة. و جعل
هذه القراءة
تتراجع بشكل
مخيف بحيث جاء
في تقرير
اليونسكو
بمناسبة
اليوم
العالمي
للكتاب و حقوق
المؤلف لهذه
السنة، بأن
القراءة في العالم
العربي تكاد
تصل إلى أدنى
مستوى في العالم
أجمع و ذلك
بنسبة كتاب
واحد لأكثر من
ثلاثمائة ألف
شخص! و أن كل
ما يستهلكه
العالم
العربي من ورق
في صناعة الكتب
بكل أنواعها،
يكاد يصل ما
تستهلكه دار نشر
غربية واحدة ! و لنا أن
تتصور فداحة
الأمر عندما
نعلم أن
النسبة
الهائلة من
هذا الورق
توظف لنشر
الكتب التي
تروج للخرافة
و الشعوذة و
التزمت الفكري
و كل ما من
شأنه أن يغتال
العقل بأبشع
الطرق !
هذا
الواقع
المخجل و
المخيف يدفع
بالتأكيد، إلى
التساؤل عن تموقع
القارئ
راهنا، و
مصيره
مستقبليا. فهل
معنى هذا أن
القارئ يعيش
لحظات
احتضاره الأخيرة؟
هل هذا الكائن
الورقي
سينقرض تماما
بعد عشر أو
عشرين عاما؟ أم أن
الكتاب له من
مؤهلات
البقاء ما
سيمد في عمره
بل و يحافظ
على وجوده
الدائم و معه
وجود الإنسان
القارئ؟
عندما
أتأمل هذه
الإشكالية،
تحضرني تجارب
بعض الدول
الغربية التي
لا يزال
الكتاب فيها،
رغم تطورها
التكنولوجي،
يحتل مكانة
كبيرة من خلال
عدد
المطبوعات و
عدد النسخ
التي تبلغ
مئات الآلاف.
تحضرني كذلك
نسبة الأمية
المرتفعة جدا
في وطننا
العربي و نسبة
مستخدمي الأنترنيت
الضئيلة
بالقياس إلى
الغرب. و
تحضرني
السياسات
الارتجالية
التي تتبناها وزارات
الثقافة و
وزارات
التربية و
التعليم في
عالمنا
العربي.
كل هذه
المعطيات
تؤكد أن مشكل
القراءة
تساهم فيه
بالدرجة
الأولى
المؤسسات
الرسمية المعنية
بهذا الأمر. فلو أن هذه
المؤسسات
تفكر جديا في
مشكل القراءة
و الكتاب، لما
كنا اليوم
نتحدث عن هذا
المشكل. ذلك
أن الطفولة
المبكرة هي الأساس و
التعليم الابتدائي
هو الركيزة
التي تنبني
عليها القراءة.
فمن المعلوم
أن شخصية
الإنسان
تتشكل خلال الست
سنوات الأولى
من طفولته. و
أن العادات
التي يكتسبها
في هذه
المرحلة من
الصعب التخلي
عنها. لذلك،
فالبذرة
الأولى
للقراءة تزرع
في هذه
المرحلة
أساسا و تستمر
في المراحل الطفولية
التي تليها.
فالطفل الذي
يفتح عينيه
على الكتاب في
بيته و في
الروض و في
المدرسة و تستمتع
يداه بملامسة
ورقه الصقيل و
يتعود على مرافقته
أينما حل و
ارتحل، لا
يمكنه أبدا أن
يتخلى عن
عادته. و لكن
أين هي
السياسات
التعليمية
التي تولي هذه
المرحلة ما
تستحقه من الاهتمام
و تشجع الكتاب
الأكفاء
المسكونين بالطفولة
و الميالين
إلى هذا النوع
من الكتابة التي
ليست في
متناول
الجميع كما
يعتقد البعض؟
أين هي
المؤسسات
التي تشجع و
تحفز
الفنانين التشكيلين
بما يليق بمجهوداتهم في
تجسيد
الحكايات عبر
رسوم مثيرة لشهية
الطفل
المسكون بالألوان
و الأشكال
الجميلة؟ أين
هو دور المؤسسات
التعليمية في
تحبيب
القراءة عن
طريق أندية
للقراءة و
للكتابة تبدأ
منذ المرحلة
الابتدائية و
تستمر حتى
نهاية المرحلة
الثانوية؟ لو أن
وزارات
الثقافة و
وزارات
التربية و
التعليم تفكر
في هذا الأمر
البسيط
ظاهريا، و توفر
له كل شروط
النجاح،
لقدمت خدمة
عظيمة للقراءة
و الكتاب و
الثقافة بشكل
عام.
انطلاقا
مما سبق، لا
أعتقد أن
ثقافة الصورة
- إذا ما توفرت
الشروط التي
أشرت إليها
أعلاه - ستحل
محل ثقافة
القراءة. ذلك
أنهما
ثقافتان
ضروريتان و
متكاملتان لا غنى
لإحداهما عن
الأخرى. فثقافة
الصورة
يفرضها العصر
و التطور
التكنولوجي الهام
الذي يجب
استغلاله
استغلالا
إيجابيا لصالح
توسيع آفاق
الإنسان و
ثقافته مثلما
تم استغلال
ثقافة السمع
لصالح ثقافة
القراءة من قبل.
مداخلة القاص
والباحث التجاني
بولعوالي: كما
سبقت
الإشارة، إن
مفهوم
القراءة ينبغي
ألا يقيد
بالتفسيرات
التقليدية التي
تربطه بقراءة
القراطيس
والأسفار
والنصوص، إنه
أشمل من أن يسجن في
التلقي السلبي
لنص معين
يتشكل من حروف
وجمل وفقرات؛
فالأذن تقرأ
ما تسمع،
والصورة تُقرأ
ولو أنها لا
تكتب بأبجدية
ما، والفيلم
يستوعب أكثر
مما تفهم الرواية
المكتوبة، من
هذا المنطلق
فإن مكانة القراءة
صارت أكثر
حضورا في حياة
الإنسان،
الذي أصبح
يقرأ أكثر من
أي وقت مضى!
مداخلة القاص
والباحث محمد البوزيدي: لقد
هيمنت في
العصر الحاضر
بشكل أو بآخر
ثقافة الصورة
وهيمنت على
باقي الثقافات
الأخرى بفعل
ضغط الثورة الإعلامية
التي يشهدها
هذا العالم
الجريح والتائه،
وبغض النظر عن
أهمية ذلك في
تطور الحياة
البشرية
فتبقى
القراءة
والكتابة
ركيزة لفكر
وثقافة الإنسان.
لقد خلقت
لنا ثقافة
الصورة وقبلها
ثقافة السمع
ثقافة سطحية
وتافهة تستند
للشفوي عوض المكتوب،
والموثق
والعاطفي عوض
العلمي والأكاديمي.
إن
المستوى
المتدني الذي
وصلت إليه نسب
القراءة حاليا
يعزى إلى هيمنة
ثقافة
السمع والعين
ومنافستها
بشدة لثقافة
القراءة
والكتاب .
المحور
الثالث
من
المائدة
المستديرة
تقديم
محمد سعيد
الريحاني
للإشكال: في زمن
الموت
والنهايات
(نهاية
الفلسفة، نهاية
الإيديولوجيا، نهاية
التاريخ،
نهاية
الإنسان...)، هل تعتقد
بمقولة "موت المؤلف"
في التنظير
النقدي
الأدبي؟
مداخلة القاصة والمترجمة
زهرة رميج:
شخصيا، لا
أستسيغ هذه
المصطلحات
ذات الأحكام
القطعية و
اليقينية
التي يروج لها
بعض المفكرين.
ذلك أنهم لم يتركوا
شيئا إلا و تحدثوا
عن موته و
نهايته. فهناك
موت الفلسفة و
موت الإيديولوجيا
و موت التاريخ
و موت الواقع
و موت المعنى
و موت الأفكار
بل و موت
الإنسان
نفسه !...
ذلك أن
كلمة موت تحيل
على العدم، و
لا تترك أي
مجال للنسبية.
كما
أعتقد أن
الحديث عن
"زمن الموت و
النهايات" لا
يستقيم بخصوص
هذه القضايا
المرتبطة
بالإنسان في
تطوره عبر
مراحل انسيابية
في جوهرها. و أعني
بذلك، أن تطور
الأفكار لا
يأتي بشكل
فجائي و عنيف
لدرجة
القطيعة
المطلقة بين
مرحلة وأخرى.
كما أن هذه
المصطلحات
نفسها تحمل
بين طياتها
رؤية فلسفية و
إيديولوجية
معينة. أليست
نظرية "نهاية
التاريخ"
مثلا، ترويجا
للهيمنة
المطلقة
للنظام
الرأسمالي و
القطب
الواحد؟ و نظرية
"موت الواقع"
إيغالا مطلقا
في الشك و
خلقا لعالم
بديل هو
العالم
الافتراضي و
كذلك إلغاء تاما
لعملية
الصراع التي
تشكل الوقود
الرئيسي
المحرك
للتاريخ؟ و
كيف يموت
الإنسان ما
دام هناك وعي
بهذا الموت؟
أما عن
النظرية
النقدية "موت
المؤلف" التي
روج لها رولان
بارت، فإنها و
رغم بعض الجوانب
الإيجابية
فيها، إلا
أنني لا أومن بها
كنظرية
شمولية و لا
بما ترتب عنها
من نظريات تعاملت
مع النصوص
الأدبية على
أنها ولدت من
عدم. فإذا
كانت هذه
النظرية تسعى
إلى إنصاف
النص و التعامل
معه ككائن
ناضج و مستقل،
فإنها
بالمقابل،
تحرم المؤلف
من حقه
الطبيعي في الخلق
و الإبداع، إذ
تعتبر اللغة
هي التي تتكلم
دون أن يكون
للكاتب حتى
فضل التفكير
في موضوع النص
من قبل. فقد
أصدر رولان
بارت حكمه
القاطع بقوله:
"إن موت
المؤلف هو
الشرط الوحيد
لولادة
القراءة". و
أكد دريدا
ذلك بقوله:"لا
شيء خارج
النص". معتبرا
النص كيانا
مستقلا و آلة
تعمل
بمفردها. إن قتل
المؤلف الذي
دعا إليه
رولان بارت،
أدي إلى مناهج
تفكيكية
تجاوزت قتل
المؤلف إلى
قتل النص
نفسه. فقد
تم التعامل مع
هذا النص
تعامل
الأطباء
المتخصصين مع
المريض الذي
لا ينظرون
إليه كوحدة كلية
و إنما كأعضاء
متفرقة لا
علاقة لبعضها
بالبعض الآخر.
لقد أصبح النص
تبعا لهذه
النظرية، مجرد
معادلات و
رموز لغوية و
أصوات و
علاقات داخلية
متشابكة. إن
عزل النص عن
سياقه
التاريخي و
النفسي و
الاجتماعي و
الانكباب على
تشريحه و
إعمال المقص
فيه و تفكيكه
إلى شظايا
صغيرة يعد
حكما
بالإعدام
عليه. فتلك
العملية تقتل
روح النص و
جوهره و
حمولته الفكرية
التي تكون
عادة، وراء
فعل الكتابة.
إذ هل يعقل أن
يكتب الكاتب و
هو في حالة
غيبوبة تامة و
بدو أدنى
خلفية ؟ أو
يكتب و هو
يقوم بتلك
العملية الإحصائية
التي يقوم بها
النقاد وهم
يشرحون النص و
يفككون كلماته
و حروفه و
أصواته؟
انطلاقا من
ذلك، تكون
الدعوة إلى
"موت المؤلف"
دعوة في نفس
الوقت، إلى"موت
المعنى حرمان
الكاتب من
تفرده و ما
يميزه عن سائر
كتاب زمانه أو
كتاب سائر
الأزمنة، خاصة
إذا ما أخذنا
بعين
الاعتبار تلك
النظرية التي تدعي
- بناء على
فكرة موت
المؤلف- بأن
كل نص لكاتب
ما يعتبر نصا
مشاعا بين
جميع الكتاب
سواء في العصر
الواحد أو في
كافة العصور،
مبررة ذلك بأن
كل كاتب يحمل
بداخله أفكار
كتاب آخرين تأثر
بهم و برزوا
بشكل واع أو
غير واع،
أثناء الكتابة !
و من ثمة،
يحق لهم أن
يقتسموا النص
مع صاحبه.
و إذا كانت المناهج الاجتماعية و التاريخية و النفسية قد أساءت – في مبالغاتها – إلى النص و قيم&