ريحانيات

 

موائد مستديرة:

 

"الأدب والإنسان في زمن النهايات"

 

 

 

المائدة الأولى

 

 

 

 

تنشيط:  محمد سعيد الريحاني

 

 

في مائدة مستديرة حول موضوع "الأدب والإنسان في زمن النهايات" شارك فيها نخبة من المبدعين والنقاد العرب في أفق بلورة رؤى أدبية تساهم في  فهم الراهن الأدبي وتنمية سبل كفيلة بتطويره. وقد تركزت مداخلات الأساتذة المشاركين حول المحاور الستة التالية:

1-    ما جدوى الكتابة والقراءة في زمننا المعاصر وماذا تبقى من قيمة الإنسان قارئا وكاتبا؟

2-    ما بين الإنسان المستمع في ثقافة السمع التقليدية والإنسان المشاهد في الثقافة الحديثة، ثقافة العين والصورة والحقيقة ، ما محل القراءة والإنسان القارئ؟

1-    في زمن الموت والنهايات (نهاية الفلسفة، نهاية الإيديولوجيا،  نهاية التاريخ، نهاية الإنسان...)، هل تعتقد بمقولة "موت المؤلف" في التنظير النقدي الأدبي؟

2-    التخلي عن التأزيم والتباكي والعرقلة والتشاؤم والسوداوية هي السمة المميزة للأدب النامي عالميا منذ أواخر القرن الماضي مقابل العودة إلى البراءة والتفاؤل والحب والحلم والحرية. أين تموقع الإنتاج الإبداعي العربي الجديد؟

3-    عرف الإبداع السردي تطورا مستمرا لصورة "الإنسان" في مرآة العمل الإبداعي ابتداء من "البطل  الأسطوري" ومرورا ب"البطل  المنكسر" ووصولا ب"الشخصية العادية". أي المرايا أصدق لعكس صورة الإنسان العربي؟

4-    في زمن العولمة والقرية الكوكبية والتقارب بين الشعوب، هل تعتقد أن هذا التقارب يتم لفائدة الإنسان أم على حسابه؟

 


المحور الأول

من المائدة المستديرة

 

 تقديم محمد سعيد الريحاني للإشكال:  ما جدوى الكتابة والقراءة   في زمننا هذا وماذا تبقى من قيمة الإنسان قارئا وكاتبا؟

 

 

 

 

مداخلة  الروائي العراقي برهان الخطيب: أرى سؤالك يحمل هما غائرا إلى آمال عريضة محبطة في أعماقك، ربما لك بعض الحق في ذلك، العالم اليوم كثير الصخب، متعدد المشاكل، من كل الأنواع. شريحة واسعة من الناس لا تجد في الواقع فسحة تستوعب إمكاناتها، تحقق طموحاتها عليها، على صعيد أعلى، أمتنا تتعرض لتجريح مادي وثقافي سنوات طويلة، التقصير هنا وهناك ليس من الخارج دائما، من الداخل أراه أكثر، على صعيد عموم العالم تواجه الناس مشاكل تصحر وتلوث بيئة وتدمير مناطق خضراء بقياسات كارثية وازدياد هوة بين الفقراء والأغنياء مصحوبا بازدياد نزعات مادية تقربنا إلى حالة حيونة وغيره مما يترك آثارا موجعة في النفس خاصة المرهفة. في مثل هذا الحال طبيعي أن نتساءل، بل ويتسرب شك إلينا، عن جدوى القراءة والكتابة، وقيمة الإنسان قارئا وكاتبا. هذا جد طبيعي، المدن والبنايات صارت تبنى لا حسب مقاسات الإنسان وإمكاناته، كما كانت سابقا في المدن العربية والإغريقية القديمة، بل حسب استيعابها لحركة جمهور وحافلات وأهداف دولة، جعل ذلك البعض يشعر غربة حتى في مدينته دع عنك المدن الغريبة. والدي زارني مرة في مدينة أوربية، دهش لعرض الشارع، قال: ما هذا؟ لازم نأخذ تاكسي لنعبر الشارع، الواحد لا يجد نفسه هنا!

  قبل التوغل بعيدا في الرد علينا الانتباه كي لا يجرنا السؤال، أي سؤال، إلى مصادر صياغته، يلون ردنا بلونه، يفرض علينا ردا خافيا في ثناياه، فنكون غير موضوعيين، غير منصفين للواقع الحقيقي، الذي هو غير الواقع المفترض، الذي تنطلق منه تصوراتنا وأسئلتنا، بل وأجوبتنا أيضا. نقيض هذا يقال  انتهى الواقع الموضوعي. الواقع الذاتي فقط هو المؤثر حاليا. لكل واقع حقائقه. الحقائق تتصارع. الغلبة للقوي. والقوي يكون قويا بمعرفته. في رأيي إن المعرفة التي تتيح صنع سلاح مثلا يُتغلب به على خصم لا قيمة لها إذا لم تمتزج بمعرفة كيف ومتى ولماذا يُستخدم في الأقل. إذا لم يُحسن الصنع قد ينقلب السلاح وبالا على مستخدمه، كما حدث في العراق مثلا. المعرفة التقنية أو امتلاك التقنية غير كافية إذن لامتلك وأدافع عن حقيقتي، هويتي، ذاتي، ضروري لها المنطق الذي به أصون المعرفة وأحقق أهدافي. وصلنا مستوى ثالثا من التفكير: إذا  كان يهمني فقط تحقيق أهدافي فإن ذلك قد يجرني على المدى البعيد إلى تدميرها إذا لم أحسب لكل شئ حسابه، خذ الضفدعة التي ظلت تشرب الماء لتصبح كبيرة كالبقرة فإذا بها تنفجر، نشاطات المعامل والشركات التي تنتج ولا تفكر بالبيئة، النتيجة ثقب طبقة الأوزون، صلع يغزو رأس أمنا الأرض، نشاطات الساسة الذين يفكرون بمصالح بلدانهم فقط ويحتقرون غيرهم، النتيجة تزايد العنف، تحول العالم إلى مكان للعذاب بدل أن يكون فردوسا حقيقيا، وهذا ممكن، بتضافر الجهود والتفاهم، السويد قطعت شوطا في هذا المضمار، بنظرتها الانسانية إلى شعبها وإلى شعوب العالم في آن، ربما ليس على درجة بارزة لتعقد الوضع العالمي، لكنها تفعل ما في الوسع لملائمة المطلوب بالطموح. ضروري أن تكون المعرفة ذات بعد إنساني لجعل هذا العالم طيبا، قد تقول ابتعدنا عن موضوعنا، لا بأس، التحليق ضروري لرؤية موضع صحيحا، التعامل مع العالم يعتمد على مقدار ونوعية معرفتك، من هنا تأتي اهمية القراءة والكتابة وجدواهما، من هنا تبقى للكتّاب قيمة كبيرة، ليس كل الكتاب طبعا، هؤلاء أنواع، كما في أي صنف، الكاتب الذي يساعد في التعامل مع العالم بطريقة تجعله أفضل والقارئ أفضل غير الكاتب الذي يعرض الجانب المظلم منه ومن الآخرين. هكذا الكتب، هكذا القراء، هؤلاء يبنون العالم أيضا بما قرأوا وعرفوا، ليس بما موجود فقط أمامهم تبنى تصوراتهم، سلوكهم، نتائجه. إذن للكتاب التنويري والنبيل والمتفائل عن معرفة لا عن غفلة أفضلية، مَن يختاره يقرأ على النهج الصحيح.

 

 عالمنا الآن مكون من عوالم صغيرة، لكل منا عالمه الخاص دون أن نعلم ربما، بالقراءة نتعلم كيف نؤثث عالمنا بأفكار وتصورات ومشاعر وسلوك بطريقة مريحة لنا ولغيرنا، البعض يرمي الكتاب جانبا ويكتفي بالتلفزيون والمقهى، هذا شأنه، الكتاب يعلم التفكير أي الأصالة، غيره يعلم التقليد أي العيش في الظل، هكذا يختار كل منا الحياة التي يريد، ويكون الإنسان الذي يريد، ليست كل الطيور نسورا.

 

مداخلة القاص المغربي محمد اشويكة: من البديهي أن سكان العالم ككل ليسوا كتابا ولا قراء.. ومن البديهي أيضا أن من يقرأ ويكتب، ليس مبدعا بالتأكيد.. لذلك فالمبدع ـ ككاتب ـ كائن مغاير تماما، له حساسية خاصة، يعيش بمزاج منفرد، وله علاقة خاصة مع العالم.. يستمع إلى كل هؤلاء الذين يقرؤون أو لا يقرؤون، الذين يكتبون أو لا يكتبون.. ليعبر في لحظات "توتر/ارتخاء" عن بعض من حالاتهم، وعن شيء من غموض الكون. إن العالم في حاجة دائما إلى من يشاكسه عبر الرصد والقبض والتفتيت والتمزيق.. إنه لا يستقيم إلا إذا أحس بأن أناسا ممن "يثقلونه" يتعاملون معه كعاهرة تعرض نفسها في غنج، ولا تدري بأن من بين من يراها لا يشتهيها دائما بل قد يشتمها. إن الإنسان المبدع أو الكاتب المبدع كالناظر إلى العاهرة: ظاهره يعطي الانطباع بأنه سـ.. وداخله يريد فهمها.

أظن أن فعل القراءة هو الذي يجعل منا أرقى كائنات الكون روحانية، وفعل الكتابة ما يجعلنا أناسا بالفعل. إن القراءة ليست مجرد بَحْلَقَةٍ بصرية في السواد على البياض، والكتابة ليست تشتيتا عشوائيا للسواد على البياض... بل هما فعلان يعليان قيمة الإنسان المفكر ويجعلانه سيد التجريد.

                                 

                                                                    

مداخلة الناقد المغربي محمد الإحسايني: السؤال عن جدوى القراءة والكتابة هو متعلق بـ فعل ملازم للكاتب – أي كاتب- والقراءة والكتابة ببساطة، من غير التعمق في دلالتهما، ترتبطان مبدئياً بعلاقة دياليكتيكية: الكتابة تبدو فعلاً ملازماً لا يتعدى عند ولادته، فاعله، أي الكاتب؛ لكن بعد أن تتم الإطلالة الموضوعية، تخرج من ملكية الكاتب، فتتعدى الكتابة ُ بوصفها فعلاً قابلا للتحريك إلى أهداف معينة، أوتنتكس، فترتد إلى لازميتها. وهذا يعني موتها في المهد، ما لم يطور الكاتب أدوات اتصاله بـ القارئ من مختلف أوجه التطوير. أما الفراءة؛ فهي نوع من التلقي، ولكنه  يفرض على الكاتب قبل أن يفرض على المتلقي الذي يسعى الكاتب إلى إيجاده. ومن هنا؛ فكل كاتب ، هو بالضرورة قارئ؛ لكن من أي نوع؟ الجواب من فئة خاصة،لا يقرأ أي شيء قابل للقراءة أوغير قابل لها، ولا يستمع إلى أي شيء قابل للسماع أولا، ولا يصرف نظره إلى أي شيء يُرى...بل ينتقي حسب قناعة جمالية ومعرفية، ما يقرؤه، وما يسمعه، وما يراه، وما ينطبع في ذهنه من أفكار‘ فهو يتعالى على ثرثرة الصحف، وخطب الساسة المرهقة للأعصاب. ومع ذلك،هناك نوع من التلقي يُفرض على الكاتب فرضاً، فليس اختيارياً كسوابقه من التلقيات...                               

 

ومن هنا،تبدو العلاقة الجدلية بين القراءة والكتابة في اللحظات الأولي التي يُفترض أنها هي المؤسسة لفعل القراءة والكتابة الصامت في مجمع الكلمات، وإن بدا أن تلك اللحظات يصعب رصدها.فحينما ينغمس الكاتب في فعل الكتابة، وحتى عندما لا يصل إلى هدف منشود،يجد أن ذلك عادة فاضلة،وأنه قد كتب شياً ما،وخرج من دائرة الكبت لحرية ما. بيد أن الكتابة ليست هي الرغبة أو بديلاً لها دائماً،فمعاناة الكاتب كثيراً ما ينساها المجتمع الذي يصدر الأحكام عن تهور،وسوء بصيرة. إن كان هناك من رغبة، وهذه مفارقة،فيصعب إرجاعها إلى قراءة النصوص وحدها، في تغافل عما يترسب في أعماق اللاشعور.ومن ثم، تأتي رغبة عارمة، تجتاح الكاتب،تدعوه من طرف خفيّ،إلى قراءة النصوص، والبحث عن فهمها تحت سلطان التأمل، أي حب الحياة الإنسانية بمختلف أبعادها، وتهذيب الميول الجامحة الخارجة عن النطاق الإنساني، أو مواجهتها بالتضامن، والتحسيس بفداحتها بين الحين والآخر.

 الخلاصة: الكتابة أو القراءة، من خلال ما تقدم، ظاهرتان ثقافيتان ملازمتان لوعي الإنسان ملازمة أدوات التعبير الأخرى المباشرة والضمنية.وهناك الطالب الجامعي الذي تنتهي عنده القراءة والكتابة، عند أوراق الامتحان والتخرج، فينزوي مثل أستاذه، في وظيفة ما، وفي السؤال عن الترقية ليس إلا، فيموت موتاً بطيئاً في منفى الأصقاع الباردة معتقداً أن مهمته انتهت عند الشهادة العليا، أوعند التقاعد. وإذا مااستمررنا في التوسيع في القراءة بدلالا تها الوظيفية،نجد أسبابها وغاياتها أخذت تتضاءل وتتفاوت في تلاشيها بين المد والجزر، وبشكل مخيف،إذ أخذت تفقد استقلالها في الغرب الذي يحتذى. ففي بلجيكا وغيرها من البلدان الأوربية، يمارس أصحاب الأسهم سلطتهم على التحرير، وعاد الصحافي المسكين إل عاداته القديمة التي لم تعد تجديه شيئاً، كما أشارت إلى ذلك صحيقة " بوليتيك" اكتوبر 2006، فإن الأمر لا يتعلق هذه المرة بـ" الحيوانات المرضى بالطاعون"؛ بل بوسائل الإعلام حيث يعاني التحرير فيها مالم يكن يعانيه من قبل، إلا نادراً من تأثير الضغوط الاقتصادية، والخسائر بالنسبة للمساهم الذي لم يكن له أدنى تخوف.وقد عرفت الصحافة البلجيكية في السنين الأخيرة عدة وفيات مدوية فأصيبت الجرائد الفرنكوفونية اليومية لليسار، واعتبرت سنة1999 سنة سوداء بفقدان نحو 120 وظيفة، إلا أن وسائل الإعلام الأخرى لوحظ تصاعد نفوذها فأخذت المشاريع الصحافية تتنامى إجابياً. هذا ما قد نظنه باقياً من قيمة الإنسان في دول أوروبا الغربية، قارئاً وكاتباً، أمام زحف وهيمنة وسائل السمع البصرية المتطورة بشكل هائل. فما هو القول في العالم الثالث، والدول النامية؟

 

 

مداخلة القاص المغربي محمد زيتون: الكتابة والقراءة هما فعل يأتيه الإنسان، بتلقائية أو بإصرار و التزام. هذا الفعل لابد له كغيره من الأفعال من شروط، يتعذر عليه أن يقوم من دونها. ومن هذه الشروط ما هو معرفي ثقافي، ومنها ما هو نفسي، ومنها ما هو اقتصادي اجتماعي..إلخ. والسؤال عن جدوى هذا الفعل اليوم لابد يقتضي استحضار ما حضي به قبل اليوم من جدوى، على سبيل المقارنة من جهة، وعلى سبيل تدارك الشق الثاني من السؤال المتمثل في" قيمة" الإنسان. أي هل كانت للإنسان قيمة كقارئ وكاتب فيما مضى؟ أم أنه كان فقط يتوهم هذه القيمة؟

 

من وجهة نظري كواحد من أفراد المجتمع العربي الإسلامي،أرى أن المدرسة لقنتني أن للإنسان ،عالما كان أو متعلما، أهمية وستظل هذه الأهمية، إلا في حال ما إذا غادر هذا المجتمع عباءة قيمه المؤسسة له، لأن كل مجتمع تبنيه قيمه. والإنسان قارئا أو كاتبا هو بالضرورة  أحد الشقين، إما عالم بفن أو متعلم لفن ما. ليبقى السؤال : أي علم نتعلم؟ و أي عالم نريد؟ وقياسا عليه، ماذا نقرأ؟ و أي مقروء نروج له؟

 

أما عن قيمة الإنسان فإننا، فيما أرى، إلى الآن لم نوجد "كإنسان" لكي نوجد كذوات ذات" قيمة" . فكما أنك تجد في دولة من الدول العربية استقلالا ممنوحا، ودستورا ممنوحا، ووزارة ممنوحة، و امتيازا ممنوحا... تجد"إنسانا" ممنوحا، وقيمة ممنوحة...في الغرب الإنسانية أبدعت نفسها بإبداعها لمفهوم وتصور خاص عن نفسها، انطلاقا من استحضارها في مجال الإدراك لعموم ما يشكل قضيتها الحياتية. فما كان للتاريخ إلا أن يعين على ترسيخ مجموع تصورات الكائن ومفاهيمه في علاقته بذاته و بالآخر. فأضحى الحل هنا والآن، ومبدعه هذا الإنسان الذي يمشي فوق الأرض. فالفكر يتجدد والأزمات تتخطى.. والإنسان يبدع نفسه، لأنه معني بكل شيء، ولأنه حدد أبعاد قضاياه الوجودية وانصرف إليها...

 

أما نحن فإلى الآن ندرس البطولة ونحن خارج مدار البطولة، ندعي العلم ونحن نشيد معوقاته، ندرس مبادئ الاتكال والقطيعية باسم الحرية والإخاء... وننسج الأسطورة لكي نحفل بمصالحة مع عظيم تناقضاتنا . فكيف بمن هو جائع يمكن أن يقرأ؟ وكيف بمن هو مشرد أن يقرأ؟ وكيف بمن تقصف مدرسته أن يقرأ؟ وكيف بمن لم يرى المدرسة قط أن يقرأ؟ وماذا سيقرأ؟ إذا كان أصلا وجودك ككاتب محتاج إلى بطاقة اعتراف وكتابك محتاج إلى رخصة للصدور..محتاج لبطاقة الحزب لكي يستفيد من الدعم الحكومي، ومحتاج لوسطاء وظروف..وكواليس ليرى النور ! لذلك فأنا لا أرى من قيمة للإنسان في وضعنا قارئا أو كاتبا إلا في طابور النضال، لصياغة الوجود وصياغة المعنى. ولا أرى أن القراءة والكتابة ذات جدوى إذا لم تنهمك في ذلك.

 

مداخلة المسرحي المغربي أحمد الفطناسي: أميل الى اعتبار ملفوظ كلمة إنساني كمدخل لفهم هذا الحضور الفاعل والحقيقي للكاتب ولصوته المتفرد الراوي أو الشاعر أو التشكيلي أو السينمائي..هذا المبدع الفنان الذي يجعل الكتابة وسيطا للتعبير عن لحظات الألم والفرح والرغبة والحلم..، إذ عبر هذه القيمة المعرفية تنفتح مسافات للتفكير، ومن خلال صوته الذي ينكتب ويقول..كل ذلك فقط من أجل هذه الرغبة المسكونة لفن القول ولفن الكتابة، وأعتبر أن فعل الكتابة والتعبير يمكننا أن نوسع فجوة الإنساني بالمقارنة مع باقي فصائل الموجودات...

 


المحور الثاني

من المائدة المستديرة

 

 تقديم محمد سعيد الريحاني للإشكالما بين الإنسان المستمع في ثقافة السمع التقليدية والإنسان المشاهد في الثقافة الحديثة، ثقافة العين والصورة والحقيقة ، ما محل القراءة والإنسان القارئ؟

 

 

 

مداخلة الروائي العراقي برهان الخطيب:  أفهم من سؤالك أنك ترى أن الانسان تحول من عهد الاستماع بالراديو إلى عهد الفرجة على التلفزيون. هذا واقع. موضوع الحقيقة آخر، هذه لها مؤسسات تصوغها وتسوقها لعالم تتصارع فيه حقائق متنوعة مختلفة، كيف؟ هذا موضوع خاص لا نناقشه هنا لسعته. لكن ما محل صمت القراءة والانسان القارئ في هذا العالم الصاخب المليء بالصوت واللون فهاذا سؤال حيوي يفرض وجوده. التفكير العميق عملية كيمياوية تدور في رأس الإنسان، حاجة بيولوجية لا يستطيع الإنسان المعاصر الاستغناء عنها، لذلك لن يستغني عن الكتاب، إذ يحفز إمكانيته على تطوير واستثمار أفكاره لصالحه بنسبة عالية أكثر مما يوفره له منها التلفزيون والراديو، لذلك سوف يظل المفكر يلجأ إليه. ارتفاع مستوى المعيشة، ما يسير العالم إليه، لصالح هذه الميزة، تميزنا عن حيوان مستسلم لقدره، المفكر يروض قدره. ليس مصادفة يقرأ الشخص في السويد مثلا بمعدل كتاب واحد في الأسبوع، رغم وجود آلاف القنوات السمعية والبصرية حوله، هذا مؤشر حاسم لحال تسأل عنه.

 

لاحظ أيضا ان القراءة اليوم لم تعد مقتصرة على الامساك بكتاب والتمدد في الفراش والسباحة مع الخيال كما كنا نفعل سابقا في الخمسينات والستينات وبعدهما، القراءة الآن أصبحت أكثر ديناميكية وسعة وفعالية من السابق، بالكومبيوتر يمكنك وضع مئات الكتب تحت يديك خلال دقائق، كتب كنت تسمع بها فقط فإذا بها بلمسة تفتح أمامك، تتصفح جريدة واحدة خلال اليوم سابقا الآن كل الجرائد أمامك. الواحد منا يحيا اليوم عدة حيوات في آن. نحن محظوظون جدا بهذا. أنا أغبط نفسي لأني أعيش في هذا العصر الذي يشهد ثورة معلومات وتكنولوجيا. غدا ينتشر الكومبيوتر الكفي وتحمل معك مكتبة كاملة اينما ذهبت، هذا مكسب كبير للإنسان عموما. بمتناول إنسان الغد معلومات أوفر مما كان  في الأمس، هكذا يفهم غيره من البشر ويتواصل أسرع وأفضل، فتخف حدة الحساسية بين الشعوب، تنقرض الكراهية أخيرا من هذا الكوكب المخلوق للحب. هذه الوفرة من المعلومات والعروض تتسابق من ذاتها على اكتساب عقل القارئ. نوعية القارئ تلعب دورا في نحت مصيره. القراء أنواع ايضا. هناك المفكر، هناك المستهلك فقط، وهناك الكسول، إلخ، البقاء للأصلح قانون الغاب سوف يفرض نفسه في مجال العقول أيضا، لكن بلطف هذه المرة..

 

مداخلة  القاص المغربي محمد اشويكة: أظن أن الإنسان الكائن الوحيد، إن لم نقل الأوحد الذي يستعمل حواسه وعقله وقلبه وحدسه... حَدَّ الاستنزاف في كثير من الأحيان، بل يدمرها من أجل المتعة والبحث عن الحقيقة... فكم نستعمل أعيننا للملاحظة والقراءة ونعرضها للخطر من أجل بلوغ "حقيقة ما" نؤمن بجدوى البحث عنها.

  حقيقة، إن الزمن الذي نعيشه قد خلق