ريحانيات
ثقافة
الحوار
" إِنََ
الحَقِيقَةَ
التِي
يَبْحَثُ
عَنْهَا الفَرْدُ
فِي
حَيَاتِهِ
هِيَ عَيْنُ
الحَقِيقَةِ
التِي
يَبْحَثُ
عَنْهَا النصَُ
الأَدَبِيَُ:"أَنْ
يَكُونَ
ذَاتَهُ" "
أجرت
الحوار:
الشاعرة
والصحفية
الليبية خلود
الفلاح
محمد
سعيد الريحانى
قاص ومترجم
وباحث مغربي
غزير
الإنتاج،
غزارة يرجعها
شخصيا إلى
حكمتين
اثنتين آمن بهما ولا
يزال: الحكمة
الأولى
للفيلسوف جورج
برنارد شو
ومفادها أن
الكاتب عليه،
قبل أن يخطو
أية خطوة في
مشوار
الكتابة، أن يؤسس
لنفسه نسقه
الخاص به
وفلسفته
الجمالية
الخاصة به
حتى إذا ما
باشر الكتابة
أنتج خطابا
واحدا في كل
أعماله طيلة حياته.
أما الحكمة
الثانية،
فهي حكمة شرقية
قديمة، وهى
تنصح بتحديد "الصورة الكبرى"
قبل أي مبادرة
أو إجراء أو
فعل في أي
مجال من مجالات
الحياة الفردية
والجماعية.
ضمن
مشاريعه
الكبرى التي
يؤسس لها
مشروع"الحاءات
الثلاث: أنطولوجيا
القصة المغربية
الجديدة"
الرامي إلى
ثلاث غايات أولها
التعريف
بالقصة
القصيرة المغربية
عالميا وثانيها
التعبئة بين
أوساط
المبدعات
والمبدعين
المغاربة لجعل
المغرب يحتل
مكانته
الأدبية
كعاصمة للقصة
القصيرة في
المغرب
العربي إلى جانب
الجزائر
عاصمة
الرواية
وتونس عاصمة
الشعر وثالثها
التأسيس لـ"مدرسة"
مغربية قادمة
للقصة
القصيرة.
وقد
صدر للكاتب محمد
سعيد الريحانى: "فى
انتظار
الصباح" و"هكذا
تكلمت سيدة المقام
الأخضر"
الحائزة على جائزة
مؤسسة ناجى النعمان
للثقافة،
فرع
الإبداع "2005"
و"موسم
الهجرة إلى أي
مكان".
سؤال:
الكاتب،
في رأي جان جونيه، يكتب
ليغير العالم. هل
تتفق مع هذا
الرأي؟ وهل
تعتبر القارئ
شريكا للكاتب
بمعنى أن هناك
دائما قارئا
افتراضيا نكتب
له؟ ومن هو
القارئ الذي تستدعيه
أثناء عملية
الكتابة؟
جواب: كل
إنتاج ثقافي
هو إنتاج "تَغْيِيرِي" بالضرورة. فالعلم
"يُغَيَِرُ"
الوسائل
والأدوات
المادية خدمة
لراحة وصحة
الإنسان
وغالبا ما
يؤدي به
دلك إلى "تغيير"
حقائق كانت
قبل دلك اليوم
مسلمات لا
تقبل بالجدل،
والفلسفة "تُغَيَِرُ" وتؤطر
أشكال
تفكيرنا
وتحليلنا
لقضايانا،
والفن "يُغَيَِرُ"
وينمي أشكال
تذوقنا
للحياة...
"التغيير"
كفعل هو قانون
شامل ترافقه
في دلك واجهة
تحققه على أرض
الواقع: "التغَيَُر". إن "التغيير"
هو
حركة التاريخ.
ولأنه كدلك،
فقد ارتبط
دخول التاريخ
بالالتزام
بمبدأ "التغيير" وإن
اختلفت
المناهج
المتفرعة عنه.
ولأن
الكاتب هو
فاعل تاريخي،
فقد كان
بديهيا أن يرتبط
فعله المكتوب
بمبدأ "التغيير". لكن
"التغيير"، في
الفن عموما
والأدب
خصوصا،
تتجاذبه مدرستان
كبيرتان:
المدرسة
الأولى هي
مدرسة "تغيير"
العالم ليصبح أجمل مما
كان وهو "تغيير"
مُنْصَبٌَ
على "الشكل"؛ أما
المدرسة
الثانية فهي
مدرسة "تغيير"
العالم ليصبح حقيقيا وهو "تغيير"
مُنْصَبٌَ
على "المضمون".
أما أنا
فمنشغل
للغاية
بتوحيد الشكل
والمضمون، والتعبير
بالشكل
السردي
الأنسب
للمضمون
المحكي.
إذا
كان أفق
الكاتب هو أن
يصبح فاعلا
تاريخيا،
فالأجدر به
أن يبدأ بالتجذر
في محلية
تربته وفهم
دواخلها
وأشكال دوران
الحياة فيها
وليس بالتمادي
على قطف
الثمار
السهلة
المتدلية على
أغصان أشجار
مجاورة لم
يساهم في
سقيها وشذبها
والعناية بها.
إن أزمة
الإبداع
العربي تبدأ
بغياب نظرية
أدبية عربية
أصيلة وتنتهي
ب"التسيب"
الشامل الذي
يفتح المجال
أمام كل "متمدرس" بأن
يقدم نفسه كمثقف أو كمبدع.
وتأسيسا
على دلك،
فانشغالي
بتوحيد الشكل
والمضمون نابع
من "السكيزوفرينيا" الاجتماعية
والثقافية والسياسية
والاقتصادية
للمجتمعات
العربية.
فالمزارع
التابعة
لِكُبْرَيَاتِ
المؤسسات الفلاحية
المفترض أن
تعزز الأمن
الغذائي
الداخلي تصدر منتوجاتها
الفلاحية
المعروفة
بالجودة
للخارج بينما
تحتفظ بالسوق
الداخلي كسوق
احتياطي واق
من الخسائر
يستوعب المرجوعات
الفلاحية
من الأسواق
الخارجية؛
والانتخابات
السياسية
المفترض أن
تكون أداة
ديمقراطية
لترسيخ الديمقراطية
ليست أكثر من
واجهة مغشوشة
للإيقاع بالرساميل
الأجنبية في
فخاخ
الاستثمار
والتمويل
وإعادة
جدولة
الديون؛
والتهافت على
احتلال
المواقع في
المؤسسات
والمنابر
الثقافية المفترض
أن يحركه دافع
خدمة الثقافة
والمثقفين
ليس أكثر من
فرصة للحصول
على راتب
إضافي أو فرصة
للانتقام من الخصوم
من خلال احتلال
موقع أعلى...
لكل هده
الأسباب،
اشتغل حاليا
على "توحيد"
الشكل
والمضمون ب"مصالحتهما"
بحيث يتوحد
معها القول
والفعل،
الوظيفة
والأداء...
هكذا
أقرأ التاريخ
كفعل تغييري
يساهم فيه
المبدع
بإنتاج
إبداعي "صِحَِي"
متصالح مع
شكله ومنسجم
مع مضمونه خال
من كل أشكال "الفصام" و"السكيزوفرينيا" و"ازدواجية
الشخصية".
إدا كانت
الثقافة هي
ضمير
المجتمع، فإن الإبداع هو مخيلة
الأمة ولا
مستقبل لأمة
مزدوجة
الضمير و
مزدوجة
المخيلة و
مزدوجة
الإحساس و
مزدوجة السلوك
ومزدوجة
المواقف...
وإذا كنت
أقضي وقتا
أطول في
التأسيس
لمشروع سردي يميز
أعمالي
الإبداعية،
فلأنني أضع
نصب عيني صورة
قارئ مفترض
غير راض على
الإنتاج
الثقافي
الحالي... فكلنا
ننتصر
للحرية،
ولكن "الهدف"
يسبق "الحرية"
ويسبق "الفعل".
ف"الهدف"
يحدد ل "الحرية"
سياقها
ومسارها
ويكسبها
الشرعية..
الكتابة تبقى
حرة بالضرورة
ولكن بدون هدف،
أي نظرية أدبية،
أعتقد أن
الأدب لن يكون
مقنعا (حين
يتعلق الأمر
بالأدب
المعرفي)
ولا بإمكانه ان يكون ممتعا (حين
يتعلق الأمر
بالأدب
الجمالي) لعموم
القراء على مر
العصور، لا
القراء المفترضين
ولا القراء
الواقعيين.
سؤال: متى
تختلف مع نصك؟
وما الذي على
نصك أن يقوله وأن
يسمعه؟
جواب: خلال
الكتابة،
أشعر بنوع من
التوحد مع
النص المكتوب
لدرجة يصعب
فيها التمييز
بين من يكتب من.
لكن فور
الانتهاء من
الكتابة
تتباعد
المسافة بيني
وبين المادة
المكتوبة. آنذاك،
يبدأ خلافي مع
نصي لأنني
أصبحت أراه من
منظور جديد
مختلف وعلاقتي
به صارت
تحكمها
الموضوعي
وليست
الذاتية. وقد
يقودني خلافي
معه إلى
التريث في
نشره أحيانا
لمدة خمسة عشر
عاما كما حدث
لي مع نص "عاشق" أو
عشر سنوات كما
حدث لي مع نص "الفرجة
والضباب
والمشروع" أو "في
انتظار
الصباح" أو
ثمان سنوات
كما حدث لي مع
نص "الحياة
بملامح مجرم"...
فليس كل ما
كُتِبَ هو
صالح للنشر والقراءة
والتداول. إن
الأمر يتعلق
بالمساهمة في
صناعة ذوق
جمالي
لأجيال
القراء وليس
بالحضور
اليومي على صفحات
الجرائد وغير
الجرائد...
فالنصوص
الحقيقية
الصالحة
للنشر عليها أن تكون حرة
وتعبر بحرية
وتتواصل بحرية مع
قارئ حر.
سؤال: النصوص
لا تعكس
العالم فحسب
بل هي تعكس،
في نفس الوقت،
رغبات كتابها.
في رأيك،
هل يعول
الكاتب اليوم
على التقاء
هذه الرغبات
مع رغبات المتلقي
أكثر من إنتاج
عالم موجود
بطريقة مختلفة؟
جواب: تاريخ
الفنون تاريخ
واحد. وما حدث
للفنون التشكيلية
عبر
العصور حدث
لباقي الفنون
الأخرى ومنها
الأدب. فقد
عرفت اللوحة
التشكيلية
تطورا من
نقل الواقع
الخارجي
إلى نقل
الأفكار
الداخلية.
فقد
كانت اللوحة
التشكيلية
منذ العصور
القديمة تحكي
"قصة" عن
حدث ما يضم
فضاء وشخوصا
ومركز
اهتمام؛ ثم تقلص
مجال اللوحة
في عصر
النهضة
ليركز بشكل
شبه حصري على الإنسان
أكثر من سواه
فنشط فن "البورتريهات"
كما عرف به
ليوناردو دا فينشي وميكائيل أنجيلو؛
ثم بدأت
اللوحة مع
المدرسة
الانطباعية تدخل
تدريجيا إلى "ذات"
الفنان لترسم
انطباعاته
عن الموضوع
المرسوم وليس
الموضوع
القائم على
أرض الواقع
ومن هؤلاء فينسنت
فان غوخ وصديقه
بول غوغان؛
ثم غرقت
اللوحة تماما في
ذات الفنان
مع الإسباني بابلو بيكاسو
الذي كان يقول
بأنه لا يرسم
غير أفكاره...
وعلى
خطى التطور
الذي عرفته
اللوحة
التشكيلية،
سارت باقي
الفنون من
مسرح وسينما
وموسيقى وشعر
وتطورت من نقل
الواقع
الخارجي
القائم إلى
خلق واقع
داخلي ذاتي. إنه
تحول من
الحقيقة
المطلقة إلى
الحقيقة
النسبية، من
سلبية
الإنسان
إزاء واقعه
إلى تحرير
الإنسان
وتحرير حواسه وانطباعاته
وأفكاره...
سؤال: هل من
الممكن أن
تنشأ حميمية
بينك وبين
شخصياتك
القصصية؟
جواب: نص "افتح،
يا سمسم !"
المكتوب سنة
1991كان أول
نصوصي
القصصية
القصيرة
باللغة
العربية
بعدما لفظتنا
الجامعية إلى
واقع البطالة
باسم "التخرج".
وقد كتب
النص بتقنية
التداعي الحر
المميز
للأحلام
والخواطر
الحرة. وككل
نص أول،
عرضته على
جلسائي في المقهى
للقراءة
وسماع الآراء.
وقد أعجب به
أحدهم أيما
إعجاب وطلب
مني السماح له
بأخذ النص
للبيت لإعادة
قراءته. لكنه
أضاع النسخة
الأصلية من
النص في
أسبوعه الأول.
لذلك،
كان علي، بعد
ثلاث سنوات،
إعادة كتابة
النص من وحي
الذاكرة
وبنفس العنوان
وإرساله إلى
ملحق » بيان
اليوم
الثقافي«،
أحد الملاحق
الثقافية
الرائدة
آنذاك.
لكنني لم
أقرأ النص
منشورا على
صفحات الملحق. وبعد
ثلاث سنوات
أخرى، أعدت
كتابة النص
مرة ثالثة (سنة
1997) بعنوان
جديد، "أحلام
الظهيرة"،
لكنني لم
أقرأه منشورا.
وبينما كنت أستعد
لتحرير
النسخة
الرابعة من
النص سنة2000، أي
بعد عشر سنوات
من المسودة
الأولى، جاءت
المفاجأة
السارة: فقد
زارني أحد
أصدقاء
الطفولة
وأخبرني بإعجابه
بكتاباتي
القصصية ومن
ضمنها نص "افتح،
يا سمسم !" في نسختها
الثانية المنشورة
سنة 1994 ضمن مواد
ملحق فاتني
من » بيان
اليوم
الثقافي «
ونص " أحلام
الظهيرة"
المنشور سنة 2000.
وقد كانت
زيارة
استثنائية صالحتني
مع طفولتي في
شخص الصديق
الزائر كما صالحتني
مع بداياتي
الأولى مع جنس
أدبي أعشقه وهو
القصة
القصيرة ومع
قصص أخرى
لإصرار نصوص كتاب
آخرين على
الحياة
كقصة رواية "تحت
البركان" Under The Volcano التي
أعاد تحريرها
كاتبها مالكوم
لاوري Malcolm
Lowry ثمان
مرات بعد كل
مرة تعرضت
فيها الرواية
للضياع أو
الحرق أو
السرقة...
وإذا
كانت الحميمية
مع النص الأول
ظاهرة في هذا
الإصرار على
عدم الاستسلام
لسرقته أو
ضياعه أو
نسيانه، فإن
عدوى الحميمية تنتقل
تدريجيا
لتشمل باقي
مكونات النص
ومن ضمنها
الشخوص (Characters). ولذلك،
أعترف بأنني
بدأت مشواري
الإبداعي بتدوين أحلامي
وسردها إما
خامة أو في شكل
قصصي تخييلي
مُعَدََلٍ
ولا زلت
مواظبا على
ذلك؛ كما أعترف
بأن الكاتب،
مثل الممثل
الذي لا يمكنه
تمثيل غير
نفسه أمام
الكاميرات،
فهو لا يكتب
إلا عما تربطه
به
علاقات خاصة
من تيمات وفضاءات
وأزمنة
وشخوص؛
وأعترف أيضا
بأنني أرتاح
كثيرا لطريقة
السرد بضمير
المتكلم، رغم
أنها ليست
سمة نمطية
لنصوصي،
لكونها تتيح
ذلك "الحلول"
بمفهومه
الصوفي في
الشخصية
القصصية، "حلول"
الكاتب في
الشخصية عند
الكتابة ثم "حلول"
القارئ في
الشخصية عند
القراءة. وهدا
النوع من "الحلول"
هو أسمى أشكال
الحميمية
التي تنشأ بين
الكاتب
وشخوصه.
سؤال: يقول
أحد
المتخصصين
الفرنسيين في
مجال الترجمة أن "القرن العشرين
هو أروع عصر
للترجمة". إلى
أي حد يسهم
المترجم في
صياغة مفهوم العالم
الواحد؟
جواب: نشدان
السلام في
العالم يقتضي
العمل الدؤوب
على التقريب
بين الشعوب
والثقافات
واللغات،
والترجمة فاعل
رئيسي في هذا
المجال إذ
يمكنها
المساهمة في
إحلال
التقارب
والسلام
بثلاثة أشكال
هامة...
أولا،
الترجمة
تساهم في
تقارب
الثقافات
وحوارها وتواصلها
كما تساهم في
دحر التفكير
الإقليمي
والعرقي
المشبع
بالتفوق على
الآخرين محتكرا
المركز
ودافعا
الآخرين
للأطراف.
وعليه، فالترجمة،
خاصة ترجمة
الآداب،
بإمكانها أن تجعل
من كل الآداب
واللغات روافد
للأدب واللغة
الإنسانيتين
تماما كما تجاهد
اللسانيات،
على الجبهة
الأخرى، في
سبيل توحيد
القواعد
اللسانية
للغات
الإنسانية...
ثانيا،
يمكن للترجمة
أن تكون مرآة
للذات في
لغات الآخرين. فالشاعر
والفيلسوف
الألماني
المعروف وولفغانغ غوته مبدع
"فاوست"
فاجأته
النسخة
الانجليزية
من عمله
بقراءات كان
قد أغفلها هو
نفسه
حتى ترجمت
إلى لغة أخرى.
ثالثا، الترجمة توصل العمل إلى اللغات الحية لتحيا بها وفيها. إنها عملية إنقاذ ثقافي. وهده مسؤولية كل المثقفين حسب تخصصهم واهتمامهم. فمن غير المقبول أن يقدم مثقف في القرن الواحد والعشرين نفسه كناطق بلغة واحدة ويتراجع للخلف عازفا عن المساهمة في إنقاذ الأعمال الأدبية التي يراها مهددة بالزوال والفناء كما يرى