ريحانيات
مقالات
الجزائر: عاصمة للثقافة العربية أم عاصمة للثقافة
الجزائرية؟
بإيعاز
من منظمة اليونسكو، وابتداء من سنة 1996 تاريخ انطلاقتها
بالقاهرة، تعلن جامعة الدول العربية كل سنة عن المدينة
التي ستكون "عاصمة للثقافة العربية" لمدة سنة
كاملة حافلة بالأنشطة الثقافية تقدم خلالها الإنتاجات الثقافية والفنية المحلية
والعربية. ونظرا لنجاح المشروع، فقد اقتفت منظمة المؤتمر الإسلامي خطى جامعة
الدول العربية وأطلقت على لسان من ينوب عنها ثقافيا "المنظمة
الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم" (إيسيسكو) مشروعا موازيا أطلق عليه اسم "عاصمة الثقافة الإسلامية" وكانت أولى عواصمه مكة المكرمة سنة 2005.
نمت
فكرة "عاصمة الثقافة العربية"، أولا،
في وقت تعرف فيه الثقافتان العربية والإسلامية انحسارا وميلا للتقوقع على الذات لذلك تهدف فكرة العواصم الثقافية إلى تحرير
الإبداع وتقريب الثقافات العربية في المحيط الواحد وتعزيز الهوية
الثقافية ووضع الثقافة في صميم مشاريع التنمية
العربية وتعزيز التواصل بين الثقافات العربية
البينية وجعل الثقافة أساس العمل العربي المشترك. ثانيا، أنشئت فكرة "عاصمة
الثقافة العربية" لمقاومة الانجراف
وسط سيل العولمة الثقافية والإعلامية وإرادات الهيمنة للانفراد بتسيير العالم
وتوجيه الرأي والذوق. إنها دفاع عن الخصوصية ومقاومة للتهميش وأحادية الثقافة.
ثالثا، أنشئت فكرة "عاصمة الثقافة
العربية" للانفتاح على
الثقافة وتحريرها، فليس ثمة إنسان
حر لم يحرر فكره بعد.
ويعتبر لقب "عاصمة للثقافة
العربية" تشريفا وشهادة استحقاق على صدر
المدينة الموشحة والبلد الأم ومناسبة لإعادة الاعتبار للثقافات الوطنية على طول
الخريطة العربية. كما انها فرصة لاستكشاف الهوية والمصالحة مع الذات ومع الآخر. والعواصم
العربية التي نالت شرف لقب "عاصمة
للثقافة العربية"هي:
- 1996: القاهرة
- 1997: تونس
- 1998: الشارقة
- 1999: بيروت
- 2000: الرياض
- 2001: الكويت
- 2002: عمان
- 2003: الرباط
- 2004: صنعاء
- 2005: الخرطوم
- 2006: مسقط
- 2007: الجزائر
- 2008: دمشق
دول
المغرب العربي كانت دوما تتقاسم الريادة في الثقافة والفنون مما يجعل تكامها الثقافي محتملا لحظة وحدتها المنشودة. فإذا كان المغرب عاصمة للموسيقى والمسرح والقصة القصيرة والنقد الأدبي والفلسفة، فإن تونس عاصمة الشعر والسينما
والفنون التشكيلية، لكن الجزائر تبقى
العاصمة الأولى للفكر الإسلامي(مالك بن نبي ومحمد أركون...) والرواية (محمد ديب، آسيا جبار، الطاهر وطار، رشيد بوجدرة،
واسيني الأعرج، أحلام مستغانمي، مليكة مقدم...).
الجزائر، إذن، هي أصلا عاصمة ثقافية لكنها تتطلع لتوسيع مجالات
ريادتها ولمأسسة تقاليدها الثقافية والفنية وتكريسها في السلوك اليومي
والوجدان الثقافي للمجتمع. لذلك فتوشيحها "عاصمة
للثقافة العربية" قد يساعدها على تحقيق تطلعاتها إذا ما تم توخي الحذر من الارتجال التنظيمي والتعامل المناسباتي
والمقاربة الفولكلورية المؤسسة على الإرضاء والمجاملة.
يحتفظ
التاريخ بسجل لطريقين اثنين عبرت الأمم جسر التقدم من خلالهما ونجحت في إقلاعها المجتمعي: الطريق الأول هو طريق البناء الاقتصادي وسلكته دول نمور آسيا، أما الطريق الثاني فهو طريق البناء الثقافي وسلكته أوروبا واليابان موقعتين على أهم حضارتين في التاريخ معتمدتين في
قيامهما على "الكتب" بصيغة الجمع وليس "الكتاب"
بصيغة المفرد. فقد مرت الحضارة الغربية المعاصرة في شخص أوروبا، قبل أن
تستلهم اليابان تجربتها عبر بعثاتها الطلابية أواخر القرن الثامن عشر، بسبع
مراحل كانت حاسمة في تشكيل ملامح شخصية أوروبا الحديثة
والثقافة الأوروبية المعاصرة:
1- مرحلة الإحياء: زمن جمع
الكتب وتحقيقها وتصنيفها وترجمتها، وهو أيضا زمن إنشاء المكتبات العمومية
قصد تقريب الكتاب من المواطن.
2- مرحلة الطباعة: زمن
إخراج الكتب إلى الوجود.
3- مرحلة الثورة
العلمية: زمن تحرير العلم من الخرافة.
4- مرحلة الإصلاح
الديني: زمن مصالحة الدين مع الواقع.
5- مرحلة التنوير
الفكري: زمن تحرير الفكر من الأساطير.
6- مرحلة الثورة
الصناعية: زمن البرامج السياسية.
7- مرحلة الثورة
الثقافية أو الثورة الطلابية: زمن تحرير الفكر من الأيديولوجية.
لكن أهم هذه المراحل جميعا هو المرحلة الأساس، مرحلة
الإحياء، وهي المرحلة التي تحاول تجربة "عاصمة للثقافة
العربية" استلهامها من عصر النهضة
الأوروبية تماما كما استلهم الرياضيون تجربة "الألعاب
الأولمبية" من قديم عصور الإغريق.
فيوم 31
ديسمبر 2006 الموافق لليلة رأس السنة الميلادية الجديدة، سينطلق العرس الثقافي
العربي بالجزائر ك"عاصمة للثقافة العربية"
لمدة سنة كاملة تصبح بموجبها "قبلة للثقافة العربية" يطبع خلالها
كتاب كل يوم (365 كتاب خلال السنة)
بموازاة مع أنشطة ثقافية تغطي كل المجالات الثقافية وتدشين معاهد ومتاحف ومؤسسات
ثقافية موازية...
إن زمن الإحياء في
طبعته العربية يمكنه، بموازاة مع طبع الكتب وتوزيعها على المكتبات الجامعية
والبلدية والمدرسية في المدن والقرى، تشجيع إنتاج إطارات ثقافية فاعلة،وصحافة
ثقافية مواكبة، ودعم أنشطة ثقافية فاعلة،وعقد شراكات ثقافية،وتدشين انفتاح على
المجتمع، وتحقيق تعارف المثقفين، وتشجيع التعرف على ثقافات عربية أخرى،وإعداد
برنامج ثقافي ملزم يجعل الثقافة في خدمة للشعب، ناشرة
لقيم السلم والتسامح والإبداع والتلاقح والحوار والانفتاح وهي
القيم التي ضحى من أجلها مثقفو الإنسانية الأوائل بحياتهم فداء لغد أفضل...
إن مأسسة الثقافة هي"بذرة" ثقافة الإحياء والضامن لاستمرارية الثقافة على
أسس معقلنة وثابتة من خلال:
- إنشاء فضاءات ثقافية: معاهد موسيقية وفنية، متاحف، معارض، مسارح، سينمات، قاعات محاضرات،
مكتبات بلدية في المدن والقرى
- فتح مراكز ثقافية في الخارج.
- وضع آليات جديدة ومبتكرة للعمل
الثقافي.
- دعم الإطارات الثقافية ماليا ورمزيا...
- تعيين الرجل المناسب للمكان الثقافي المناسب.
ولعل
الميزانية المخصصة لتظاهرة "الجزائرعاصمة
للثقافة العربية" والتي تناهز الثلاثة ملايير
دينار جزائري تضمر توقعا رسميا لنتائج
أهمها: تأسيس تقاليد ثقافية جديدة وترسيخها في مراحل ما بعد 2007 فطبع
الكتب وفتح المعارض وإقامة المهرجانات يجب أن تبقى تقاليد ثقافية حتى بعد انتقال
شرف "عاصمة للثقافة العربية" لدمشق سنة
2008 وان تدين بالتأسيس لسنة 2007 وألا تنطفئ مع مرور سنة 2007؛ تعزيز اللامركزية
بجعل البلاد كلها تشع ثقافيا وليس فقط العاصمة الإدارية للبلاد فتنظيم 48 أسبوعا
ثقافيا، وهو نفسه عدد ولايات ومحافظات الجزائر، لن
يكون دالا إذا ما انحصر في
مدينة واحدة فاللامركزية ليست
فقط مطلبا سياسيا وإداريا، بل هي مطلب ثقافي أيضا.
لكن اللامركزية على
مستوى المدن الجزائرية، يجب أن توازيها لامركزية على مستوى جنسيات الأسماء الأدبية
المشاركة بحيث تطبع الكتب المقترحة للطبع بناء على جودتها وفائدتها وليس على انتماء كتابها للبلد المنظم للتظاهرة.
وإلا فما معنى أن تكون "الجزائر عاصمة للثقافة العربية"
وهي عاصمة نفسها، تشع لنفسها وتنشط السنة كاملة لأبنائها فيما تجلس الدول الخمسة
عشر على كراسي الضيوف؟ ما معنى أن تكون "الجزائر قبلة
للثقافة العربية" وهي مسيجة ضد دخول الكتاب العربي؟ بل ما جدوى
انتظار التتويج بلقب "عاصمة للثقافة العربية"
كي تنشر كل دولة أعمال أبنائها في الوقت
الذي يمكنها فعل ذلك متى شاءت ودون تتويج؟...
إن
الثقافة مكون من مكونات التنمية الشاملة المستدامة. فإذا كان للتنمية ذراع
مادي، فالثقافة هي ذراعها الرمزي الثاني ولا غنى للتنمية على ذراعيها: فلا
تنمية دون رواج اقتصادي ولا تنمية دون ثقافة. لكن الشعار الذي يسبق موكب التنمية هو ما يعطيها مصداقيتها أو يجردها
منها. والجزائر عليها إما أن تكون عاصمة للثقافة العربية فتسوي بين الكتاب العرب(من داخل وخارج الجزائر) المقترحين للنشر أو لا تكون وآنذاك وجب عليها تغيير الشعار.
الصفحة الرئيسية- روابط ثقافية- دراسات إسمية- - دراسات في
الأغنية العربية- أونطولوجيا القصة المغربية - مدير الموقع- مقالات- منتدى الثقافة- نصوص سردية - حوارات- بيانات- شهادات - FRANCAIS
- ENGLISH
جميع الحقوق
محفوظة للمؤلف
ALL RIGHTS
RESERVED
e-mail : saidraihani@hotmail.com
