أونطولوجيا الحـب المغربي

-مختارات من القصة المغربية الجديدة-

"من السماء إلى الأرض"

 

"الحب هبة الله للإنسان، الذي يبخل على أن يظهر هذه الهبة لنفسه أو لغيره!"

 

- التيجاني بولعوالي-
باحث وشاعر وقاص مغربي مقيم في هولندا

من مواليد 1973 بقرية الدريوش / إقليم الناظور شمال المغرب

 

صدر له:

المسلمون في الغرب: بين تناقضات الواقع وتحديات المستقبل

(دراسة)

 

له قيد الإعداد للطبع:

 الإسلام والأمازيغية: نحو فهم وسطي للقضية الأمازيغية

(دراسة)

 في مهب اليتم

(مجموعة شعرية)

الطين يعشب حزنا في وطني

(مجموعة شعرية)

أسنان (الشوك)

 (مجموعة شعرية أمازيغية)

 

 

الموقع على الإنترنت:

  www.tijaniboulaouali.nl

 

 

 

انزويت في ركن وضيع من الحافلة الهرمة، التي تقلنا كل يوم أربع مرات، من البيت إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى البيت وهي تحرق تحت وطأة عجلاتها المشحوذة في كل مرة أكثر من ستة عشر كيلومتر، في صمت...

 وضعت رأسي على زجاج الشرفة، لأعلن انفصالي عن رحم الكينونة، صوفي المزاج  يدق أوتاد خبائه في الذاكرة، يبذر حبات تطرفه في الخفاء، ويردد أني لا أعرف عدا أشياء لا تُعرف!

 

إني أسبر ثنايا هذا الدجى الخريفي الفسيح، والحافلة تشق بنا طريقها نحو نقطة البدء  التي تنطلق منها كل يوم  باستثناء أيام العطل التي كلما تكاثرت اعترى وجوهنا الشاحبة ما يشبه الانشراح...

 

على سطح زجاج الشرفة أنا، بشكلي المتهدل وبشحوبي الصوفي غير آبه بهدير الحافلة التي تمزق سكينة الليل ولا بأجساد الركاب المتهالكين، التي تملأ فضاء الحافلة المزدحم وقد أضناها يوم حافل بأتعاب العمل.

 

عبر زجاج الشرفة، فضاء متألق يستهويني لجلوس أريحي تحت البدر السارح في قصيدة عنوانها السماء، أخلد امتداد السكون العنيد الذي تنغصه من فينة لأخرى قهقهات الركاب المشبعة برائحة الوجد المثخن بالجراح. تهزني صواعقه إليك، أنت الجالسة قبالتي، كلما باغتني الليل وهو محفوف بالاغتراب أو غرد الحزن في مملكتي مواله العتيق فاعتزل الصخب وأزاول صمتي.

 

برودة المقعد الخشبي تسري في دمي، تغازل كياني النحيل، ونظري يشق بجناحيه بكارة الفضاء اللامتناهي، هذه نجوم مترامية.. هذه سحب تتسابق.. هذه تضاريس "تمسمان" الشامخة شموخ الريف.. هذه شناخيب تتمايل وإيقاع ذاتي.. أنسى وجودي على حافة الكتمان، أزيغ، أجري مجرى آخر، يقذفني الآن نحو قاع المجهول، أكاد أغرق وبأعجوبة أنقذ قلبي من مخالب الافتراس فأقول أني جربت: أنا رجل تجربة!

 

تخطو أمامي. ألاحقها في ظمأ أخرس. تسحبني من حيزي. أستلذها رغيفا من شهوة. وأنشد لو أني أحل في بسمتها الوردية. أو تغمرني عبرتها الممزوجة بملح الشبق. ألتفت. صاحبي "سيزيف" يربت على كتفي الأيسر أستاء وأكرر ما قالته الشمس وهي تغطس في عرض البحر وأمشي تارة منصتا وأخرى هاذيا!

 

ما فتئت أنخرط في فضاء الحافلة، أمل هذا الليل الذي كلما آنت لحظة الرواح، أضيع في انجذاباته  وبين سطوره يغني شرودي فأغيب عن جثماني وأتيه في خواء الخواء. ألمح "لونجا" من جديد وهي ترفل في مرقص الكلمات تعكسها المرايا حرفا عذريا. تهتز أشياؤها في خشوع  فتتدلى من شرفاتي أعلاق الرغبة. تتمايل في غنج حلو ترشف ولا تثمل. أفارق دمي. أنسلخ و... ما يزال هدير الحافلة يتسلق أنحائي. تعاتب بمقلتيها الثملتين شخصي الذي ينزاح عنها. تغتالني لأفيق من سهوي المزمن. أفتح ذاتي المذبلة. أرمقها أمامي، خلفي.. تتفاقم في خيالي الهواجس والاستفهامات...

-                  عاهتي أنني لا أرفل.

-                  وأنا عاهتي أنني أرفل، وبهذا الفعل أحقق قسما من وجودي.

-                  عذرا، فالأذواق تختلف..

-                  لكن، الحقيقة لا تختلف والإنسان في حقيقته واحد.

-                  غير أنه في تصوره متعدد.

-                  وإن تعدد التصور، توحد في ماهيته.

 

 تصارحني بخدعة من نار، وتقول أنها فاكهة من أشجانه، ولا تدري أنها محرمة، وأن قافلة الدهر قادتها إلى رحابه، فشيدت خيمتها بجواره معتقدة أنه جدير بها.

 

-                  إني ما اعتقدتك هكذا، تطلبين الطموح طلابا.

-                  لقد اكتمل ذوباني فيك.

-                  والطامة الكبرى أني لم أحس بعد!

-                  أنت شيطان إنسي!

-                  إنسي شيطاني!

-                  إن الصروح التي أسرفت في بنائها قسطا من عمري  تتهاوى الآن.

-                  وأنا لا أراها.

-                  إني أراها وحدي.

-                  وأين هي؟

-                  إنها في ذاتي.

-                  نرجسية أنت!

-                  بل فيلسوفة!

 

تهاتفني من خلف القناع ولا أراها. تتجول رفقة الدجى. تسامر جنوني حين أتطرف. أتقلد خطى أفلاطون في سموه وتقول فيحسبها الجالس جنبي موجا ليليا...

 

بين تضاريس الوجود أدرك هويتها وفي تجاويف السماء ألمح قدها الفاتن فتسحرني وتخلبني نكهته فأترنح وأذوب على زجاج النافذة  الذي هو متكأ رأسي منذ حين لأراها تتراقص في بؤبؤي عيني وفوق أنوار "تفرسيت" المتموجة...

 

-                  فيم تتأمل؟

-                  في ذاتي. في هذا الخلق المنظوم.

 

تنتصب "لونجا"، يذكرني قوامها الممشوق بصيف الشاطئ. تتسلل نحو أحشائي لتحل في. أنحتها تمثالا وأرجو لمس راحتها البضة في الخفاء حتى لا تراني أو أراها!

 

لفحة من لفحات الخريف تفيض على مبسمها الفواح  فأحدج فيها وجهي العبوس  وهو يبسم، وطموحي المشروخ وهو يتألق. ثم تختفي وراء أسوار المبنى فينهار طموحي  وألتقطه بسرعة فأكتشف أني الهائم من دون دليل.. فأزجر شخصي المذهول.

 

ما انفك الليل يضاجع أشيائي المقرورة ويشحن سكونه البارد في دمائي، تأتي "لونجا" من حيث لا أدري. تشدو في متاهتي الموشومة باليتم أهزوجتها السارية. تعزف على حفيف الأوراق. أضع نبضات قلبي على لحنها الشجي فأفيض نشاطا ويكون صحوا ويكون تماسا ويكون حلولا.

 

حين يتلاشى وجودك في الخفاء، أكسر قيثارتي التي بها أعزفك لحنا خالدا وأمزق فواصل السمفونية فألقي بذاتي في عين الصمت لأعلن عزلتي.

 

ترصدني عيون الليل في حيرة. ينهار فراغي ويغيض الأسى  فأخجل من نفسي  ويتمرآى وجهي على الزجاج فابتسم...

 

 لما أدركت أن الرحلة قد انتهت  وأننا على مشارف الوصول إلى بيوتنا الدافئة، انتصب، فأحذو حذو النازلين من الحافلة، نازلا من السماء إلى الأرض!

 

 

 

***************

 

(*) استمرت هذه الرحلة الواقعية والنفسية سبع سنوات كاملة! وقد تم اختصارها.

 

 

 

الرجوع إلى مواد الاونطولوجيا

 

الصفحة الرئيسية- روابط ثقافية- دراسات إسمية- - دراسات في الأغنية العربية- أونطولوجيا القصة المغربية -  مدير الموقع- مقالات- منتدى الثقافة- نصوص سردية - حوارات- بيانات- شهادات - FRANCAIS - ENGLISH

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

 

ALL RIGHTS RESERVED

 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

<<title>http://raihani.free.fr/arabicversion-anthology2-index.htm</title>

<meta name="description" content="التيجاني بولعوالي">

<meta name="keywords" content="قاص مغربي، كاتب مغربي