أونطولوجيا الحـب المغربي

-مختارات من القصة المغربية الجديدة-

"قُبُلاَت"

 

" إذا كان الحب أوله هزل و آخره جد ،كما يقول ابن حزم ،فإن في  المسافة بين الهزل و الجد تكمن دلالة وجوهر الحب بكل معانيه و أبعاده .

فالحب مفهوم يتجاوز التصنيفات و المعاني، فهو زئبقي لا يرى إلا لمن تمرس و تفاعل مع ذاته و الآخرين. فالحب يرتبط وفق أشكال مختلفة بأخواته و أحفاده من المعاني الدالة عن الهوى و الهيام و العشق ،كما ينفرد بخاصية التعدد و الاختلاف، ففيه عدة ألوان كالحب العذري الأفلاطوني ...

 الحب بعيد عن التنميط والقوالب ، فهو حاضر بذاته في كل مكان و زمان و يحمل سر الاتصال والانفصال بين الكائنات الحية .

الحب لا يرتبط بحسن الجسد أو أطيافه أو بكلام ملطف أو بغراميات معينة. الحب له علاماته التي يحملها المدمن والعاقل والمتعقل للشهوة والمتلذذ والحربائي وغيره.

الحب هجرة وترحال من مكان إلى آخر ، فهو بعيد عن مناطق الظل أو الوقفات وإن تحققت الوقفة، فسيكون صاحبها الراحل بين فضاءات الحب ،يقف وقفة محارب. الحب يجمع كل الثنائيات المستعصية عن الفهم.

الحب يرتبط بتجارب الناس و أحوالهم وعلاقاتهم المنطوية على ألف سؤال و سؤال والبعيدة عن لحظات اليقظة و النوم ، وعن ثنائية الليل والنهار وعن لعنة الوصف وحب المخاطرة بالنظرات."

 

-  محمد نبيل-
صحفي وقاص مغربي مقيم في ألمانيا

 

 

كانت عائشة لا تتركني أتنفس, تخنقني, ترافقني كل يوم إلى المدرسة, وعند عودتي، تنتظر الوقت الذي أتخلص فيه من يدي أبي الغليظتين لتنقض علي كما يفعل الكلاب. تقبلني بحرارة, تمتص شفتيّ وتشد فمي كما تشد كيسا من الحليب, كانت دائما تقول لي: أكرهك لكنني أحب فمك الوردي حتى الجنون!

 

عندما يكون المعلم عائما في شرح الدرس داخل الفصل تنزل علي بوابل من الأسئلة الغبية: هل تستعمل أحمر الشفاه ؟هل تختلس علبة ماكياج أمك ؟ أجيبها بسخرية لاذعة: أمي لا تستعمل إلا" السواك البلدي"* و تجهل حتى كيفية وضع أحمر الشفاه على شفتيها. عائشة تتربص بي، لا تريد أن أتكلم مع زميلات أخريات في فترة الاستراحة; لا تغار إلا على فمي، أما بقية جسدي فإلى الجحيم. ترغب في الاستفراد بي, كم ألعنها عندما تقبلني خلسة أو تغرس أسنانها في لساني الذي يظل يؤلمني لأسابيع, تعرف جيدا أنني لا أستطيع أن أرفض عروضها الشاذة لأنها تغريني بالكتب الصفراء والأوراق البالية التي تسرقها من حانوت أبيها. كنت مدمنا على قراءة كل علامات التاريخ القديم وشم رائحتها، التي أعتبرها كنزا آيلا إلى الاندثار، لذلك كنت أغتنم الفرصة, في كثير من المرات كنت أضعها تحت إبطي أو فوق صدري كي تظل رائحتها ملتصقة بي، ترافقني كل صباح.

 

ذات مساء، خرجنا من الفصل كالثيران عندما يخلصها صاحبها من الإسطبل, صفعتني عائشة لأنني اتجهت بسرعة صوب أبي الذي ينتظرني أمام باب المدرسة, تركتها وحيدة، هائمة وكفتاة جائعة, عيناها جاحظتان، لعابها يسيل كدموع الفرح, تنظر إلي برأفة وكأنني مختطف أو أسير حرب.

 

حملت حقيبتي المرقعة وأمسكت بيد أبي, تركت ورائي عائشة كاليتيمة, وأنا أمشي على قارعة الطريق أحسست وكأن ساقي عائشة تطاردانني, صوت جسدها الثقيل يهزّ الأرض من تحت قدميّ. خوف مريع يسكنني ولا أقوى على الالتفات ورائي حتى لا ينكشف أمري. أريد رؤية لسانها عند ما تمسح به أنفها الأفطس, كنت ضحية مجيء أبي الذي لا يريد أن يمسني أحد بسوء, قصدت البيت وحدي بعدما تركني أمام مقر عمله, كان يريد أن يختبر قدرتي على تحمل المسؤولية في التعرف على البيت بدون أن أضيع بين الدروب , فجأة أتت عائشة كالملاك , وقفت أمامي وقالت لي بنبرة رجولية: لماذا لم تختبىء حتى لا يراك أبوك ؟ لقد فوتت علي فرصة تقبيلك اليوم. أنت حمار وسوف ترى ماذا سأفعل. أعرف أنها ستحرمني من الأوراق والكتب البالية التي تأتي بها كل صباح, أجبتها كمتهم يستعطف قاضيا: لا بأس يا عائشة، قبلات اليوم لن تطيل عمرك أو تزيدك جمالا" وقت ما جاء الخير ينفع"*

 

 ردت علي صائحة: اسكت, أنت لا تعرف شيئا, أنا الذي أقبلك ولست أنت, أنا الذي أعرف قيمة شفتيك عندما ألامس تجاعيد فمك, قلت لها باستغراب: إنه جسدي و أنا أعرفه وأحس به. غضبت وردت علي بعنف: أنت تقدم لي فمك فقط وأنا من يفعل كل شيء, أنت لا تساوي شيئا بدون هذا الفم المعسول.

كانت ملحة على أن أعوضها عن قبلات اليوم الضائعة وكأنها تطلب أجرا عن عمل قامت به من أجلي. وضعت يدي على ظهرها الأملس وقلت لها في هدوء طفولي : غدا سيطلع نهارك وسأتركك تفترسين فمي كما تشائين. غمرني إحساس غريب وكأنني أصبحت عبدا لا حق لي في شيء, أقدم فمي لعائشة تفعل به ما تشاء, بدون أي شرط, قد تعضني أو تمتص ما بقي لي من رحيق دون أن أرفض. سرعان ما أقول: إنها عبودية جميلة ورائعة ما دامت تجلب لي كتبا وأوراقا نفيسة. و أمام تلك المطمورة الموجودة قرب بيتنا فتحت فاها مبتسمة وكأنها راضية بما أقول, أما أنا فبدأت أتقزز من ابتزازها لي بهذه الطريقة العرجاء, فمي لا يجلب لي إلا المصائب والغرائب, خير لي أن أقطعه بدل هذه المعارك الجسدية.

 

 في الغد ،لم تأت عائشة إلى المدرسة. أحسست بحزن وشوق كبير وكأنني أدخل عالم الهوى لأول مرة, لم أكن حاضرا سوى بجسدي داخل القسم, كنت سارحا ولا أسمع ما يقوله المعلم وهو يفسر بعض الكلمات المتلاصقة على السبورة. طلب مني أن أصف ما يوجد داخل الصورة التي تتوسط السبورة, قلت مسترسلا و بسرعة: إنها صورة امرأة جميلة، شفتاها تشبهان الهلال...لم أكمل الجملة حتى نزلت على رأسي عصا المعلم كالصاعقة. بعدها هوت علي يداه بالضرب, سقطت على الأرض, لم أكن أعرف أنني كنت أصف عائشة بدلا من الصور المعلقة وهي لحيوان صغير مكتوب عليها بالأحمر قرد. لم أكن أفرق بين القرد الصغير و عائشة التي منعها أبوها من القدوم إلى المدرسة. أحد زملائي كان حسودا ولا يريد أن تمارس عائشة معي هذه الحماقات. قرر أن ينتقم منا وكشف المستور لأبيها الذي أقسم أن لا تطرق عائشة باب التعلم.

 

منذ ذلك اليوم الملعون رفضت أن أقبل كل الفتيات والنساء لأن القبلة التي وراءها ضياع امرأة، تعد قبلة خاسرة.

 

******************

*البلدي: التقليدي

*مثل مغربي

 

 

الرجوع إلى مواد الاونطولوجيا

 

الصفحة الرئيسية- روابط ثقافية- دراسات إسمية- - دراسات في الأغنية العربية- أونطولوجيا القصة المغربية -  مدير الموقع- مقالات- منتدى الثقافة- نصوص سردية - حوارات- بيانات- شهادات - FRANCAIS - ENGLISH

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

 

 

ALL RIGHTS RESERVED

 

 e-mail : saidraihani@hotmail.com

<<title>http://raihani.free.fr/arabicversion-anthology2-index.htm</title>

<meta name="description" content="محمد نبيل">

<meta name="keywords" content="قاص مغربي، كاتب مغربي