هوامش سوسيولوجية على هامش كتاب

 

 

الدرس البورديوزي

في ساحتنا الثقافية ٭

 

 

    "السوسيولوجيا كما أفهمها، تتمثل في تحويل مشكلات ميتافيزيقية إلى مشكلات قابلة لأن تعالج معالجة علمية ثم سياسية".

(بيير بورديو، مسائل سوسيولوجية، مينوي، باريس، 1980).

 

    مقدمة: بعد مسيرة حافلة في مجال الترجمة في النقد الأدبي وغيره، بدأ اهتمام الأستاذ عبد الجليل الأزدي يتجه نحو العلوم الإنسانية؛ هـذا وان كانت السوسيولوجيا عامة تعتبر الأدب جزءا من اهتمامها في إطار سوسيولوجيا الآداب عامة، ليأتي مجهوده الفكري حول سوسيولوجيا بيير بورديو المتضمن في الكتاب الـذي أعده ووطأ له ووسمه بـ: "بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف"1 بمثابة دليل ساطع على هـذا الانشغال المتعدد. ترى ما هي مكانة هـذا الكتاب ضمن خريطة التأليف السوسيولوجي بالمغرب؟ وما هي أهمية الدرس البورديوزي في ساحتنا الثقافية؟

 

1\ ربط الكتاب بمسار التأليف السوسيولوجي بالمغرب:

 قطع التأليف السوسيولوجي بالمغرب أشواطا متعددة وشاقة في آن، نظرا لطبيعة المشتغلين عليه وبه من جهة، والمحن التي اعترضته من جهة ثانية. إذا أردنا أن نعتبر فعلا (وفي الأمر نقاش) بأن ابن خلدون كان سباقا - من حيث لا يدري – بتأسيس البوادر الأولى للسوسيولوجيا، فيمكن اعتبار "المقدمة" من المؤلفات الهامة التي تتضمن مباحث في العمران البشري لازالت جدتها سارية المفعول إلى اليوم داخل مجتمعنا نظرا لاعتمادها ميكانيزمات خاصة في رصد أحوال وطباﺌـع التغيرات الاجتماعية.

وإذا كانت أهمية البحث السوسيولوجي ضرورية لتمهيد الطريق أمام المستعمر، نظرا للارتباط الوثيق للسياسيين الغربيين بنتاج البحث العلمي، فقد كان المغرب بؤرة لتوافد مجموعة من الاثنوغرافيين والأنتروبولوجيين والسوسيولوجيين الفرنسيين والأمريكيين على الخصوص...2 لقد أثمرت سياسة ليوطي حين اعتمد على فريق علمي يترأسه "لوشاتوليي" الذي سيشرف على تأسيس أول بعثة علمية في المغرب سنة 1902 بمدينة طنجة ذات الصيت الذائع والملتقى المفضل للأدباء والفنانين والباحثين أنداك نظرا لطابعها الدولي؛ وهكـذا سيتم خلق مجلة "العالم الإسلامي" التي بدأت تنشر عدة مقالات وأبحاث تفيد في تفسير و فهم نمط الحياة في المغرب متوسلين بكل ما هو مكتوب وما هو شفهي وما هو شعبي... الشيء الـذي سيخلف تراكما ستظهر ملامحه الواضحة من خلال مجلة "المدن والقبال بالمغرب"...

وحتى لا ندخل في التفاصيل، نشير إلى أن هـذا المخاض قد ساهم في بروز شعبة السوسيولوجيا ضمن معهد الدراسات العليا المغربية على يد ج. هاردي، ليأتي بعد دلك تأسيس مجموعة بحث متعدد الاختصاصات في مجال العلوم الإنسانية بدافع من بول باسكون ولازاريف،  وهي المجموعة التي مهدت لتأسيس معهد السوسيولوجيا في بداية الستينات من القرن المنصرم...

لقد كان يصدر معهد السوسيولوجيا قبل إغلاقه بدوافع سياسية محضة، نشراته الخاصة التي كانت تصدر تحت عنوان: "دفاتر معهد السوسيولوجيا"، ولعل إغلاق المعهد سيساهم في انسداد أفق السوسيولوجيا في المغرب، حيث بادرت عدة جهات إلى ملء الفراغ كالمعهد الجامعي للبحث العلمي الذي سيصدر "Bulletin Economique et Social du Maroc" وهي التي ستتحول إلى "المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع"...

إن البنية التي أسست لها البحوث الكولونيالية، سيضاف لها معطى آخر منافس يتجلى في السوسيولوجيا الأنجلوساكسونية التي دخلت مجال البحث في المغرب، حيث سيصبح المغرب مجالا بكرا لمدارات البحث الميداني والتنظيري في مجال علم الاجتماع بكافة أنواعه، نشطها باحثون مغاربة وأجانب نذكر منهم: روبير مونطاني، جاك بيرك، ميشو بيلير، ديل ايكلمان، واتر بوري، بول باسكون، عبد الكبير الخطيبي... لقد خلفت تلك السوسيولوجيا تراكما مهما في مجالات علم الاجتماع تراكما مهما في مجالات علم الاجتماع القروي والسياسي، واستطاعت أن تشغل مفاهيم سوسيولوجية متعددة من قبيل القبيلة والمخزن والمجتمع المركب والانقسامية والنقد المزدوج... لتتبعها مبادرات أخرى كمجلة "علم الاجتماع السياسي" و "أبحاث" لاستكمال المهمة، أو مؤلفات سوسيولوجية على يد أساتذة السوسيولوجيا أو غيرهم: سعيد بنسعيد، محمد جسوس، عبد الله حمودي، رحمة بورقية، سمية نعمان جسوس، فاطمة المرنيسي، المختار الهراس، عبد الصمد الديالمي...

إن البحث السوسيولوجي في المغرب قد عرف تراكما مهما لا يجب التراجع عنه، ويستدعي تقويته عبر المساءلة والتفتيت والتجاوز سواء عبر الانفتاح على نظريات سوسيولوجية جديدة أو عبر دراسات اجتهادية تتبث جدارة "المدرسة السوسيولوجية المغربية" للخروج من تبعية الزخم الكولونيالي والتحرر من الـذاتية المركزية الغربية "l’égocentrisme"...

إن ما يهمنا في هدا التقديم التاريخي الموجز لبوادر البحث السوسيولوجي بالمغرب، هو رصده قصد ربط الحاضر بالماضي واستشراف المستقبل بغرض رصد التابث والمتحول... ثم لنجعله مقدمة معرفية لربط مبادرة الأستاذ عبد الجليل الأزدي بمسار التأليف السوسيولوجي في المغرب، وبالتالي نجعل لها موقعا موضوعيا في دربه الشاك. ترى هل استطاعت هده المبادرة أن تقرب القاريء من تجربة النظرية البورديوزية ومن مـذهبه في الحياة والبحث؟

 

2\ مكانة وأهمية الدرس البورديوزي:

 يشكل الدرس البورديوزي طفرة مهمة في مسار السوسيولوجيا العالمية، لأنه استطاع أن ينتج منهجا خاصا به في مجال البحث السوسيولوجي مستفيدا من الوضعية والماركسية والفيبيرية والبنيوية... كما أنه نحث لنفسه مفاهيمه الخاصة كالحقل والهابيتوس (التي ترجمها الأستاذ الأزدي بالسمت مع ما في الأمر من نقاش) والسلطة الرمزية والرأسمال الرمزي والعنف الرمزي والهيمنة الـذكورية... لقد فتح بيير بورديو السوسيولوجيا على حقول متعددة (انشغل بالأدب والاتصال الجماهيري [التلفزيون والصحافة] والتعليم والسياسة والفن...)، ونزل بها إلى الشارع (جعل من مساره كشخص رمزا لنوع من النضال السوسيولوجي خلال معارضته الشديدة للعولمة، ومؤازرته للمهاجرين والمعطلين...)؛ ولم يقتصر بحثه على المجتمع الغربي (فرنسا) بل تجاوزه إلى المجتمع العالمثالتي (الجزاﺌر)...

وهـذا ما استطاع الأستاذ عبد الجليل الأزدي أن ينفـذ إليه من خلال كتابه " بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف"، حيث استطاع أن يقدم للقاريء تصورا يعتبر بمثابة خريطة الطريق لاكتشاف القارة البورديوزية...

إن الكتاب جاء ليغطي الخصاص الـذي يعاني منه نكوص الدرس البورديوزي في الجامعة المغربية، خاصة وأنه لازال خجولا ولم يدخلها إلا بشكل متشـذر وغير مكتمل، فغالبا ما يأتي وسط تيارات أخرى أو من باب الاستشهاد داخل بحوث أخرى. إن السوسيولوجيا البورديوزية قابلة للتطبيق في مجتمعنا (بشرط تبيـتها)، لاسيما وأنها انطلقت من مجتمع شبيه لنا كالجزاﺋر التي أفرد لها بيير بورديو كتابات متعددة أشهرها:  « Sociologie de l’Algérie »؛ « Le sens pratique »

… « Le déracinement »

 

كما ولج بيير بورديو الجامعة المغربية عبر مجهودات أساتذة أجلاء أدهشهم الدرس البورديوزي، فتجاوبوا معه سواء عبر التدريس أو التأطير، حيث قاموا بمجهودات شخصية منعزلة عن أي استراتيجية ضمن مؤسسة تهتم بالظاهرة البورديوزية، ونذكر من بين هؤلاء الأستاذ محمد بودودو بالرباط والأستاذ حسن المجاهيد بمراكش وغيرهم، ونتمنى أن يدخله الأستاذ الأزدي ضمن اجتماعيات الأدب لخلخلة الدرس الأدبي من الداخل لطلبته بالكلية لأن بيير بورديو يقدم تناولا مخالفا من حيث جدته في مجال الدراسة الاجتماعية للأدب ولعل كتاب: "Les règles de l'art: Genèse et structure du champ littéraire" يقدم ذلك بشكل تطبيقي. نشير إلى أن نتاج بيير بورديو لم يترجم منه الشيء الكثير الى اللغة العربية، ففي حدود مواكبتي المتواضعة، لم أطلع سوى على خمسة كتب مترجمة: ثلاثة في المشرق العربي واثنان في المغرب إضافة إلى كتاب الأستاذ عبد الجليل الأزدي الذي جاء مختلفا من حيث تصوره لأنه يجمع بين الترجمة والتجميع والقراءة الشخصية... لقد جمع الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي مقالات لبيير بورديو في كتاب سماه "الرمز والسلطة"، وترجم الأستاذ عبد الجليل الكور كتاب "أسـﺋلة علم الاجتماع: في علم الاجتماع الانعكاسي"3 وهو الكتاب المشترك بين بورديو وج. د. فاكونت، وذلك تحت إشراف ومراجعة الأستاذ محمد بودودو. أما في المشرق فقد ترجم عادل العوا كتاب "العقلانية العلمية/حول الأسباب العلمية ونظريتها"، كما ترجم نظير جاهل كتاب "حرفة عالم الاجتماع" وهو الكتاب المشترك بين بورديو وباسرون وشامبوردون، وترجم إبراهيم فتحي كتاب "قواعد الفن"... إن هذه الحصيلة - على قلتها- تحمل بين طياتها الغث والسمين، فمن يقرأ كتاب "Le métier de sociologue" في أصله الفرنسي، سيقف على الأخطاء المتعددة التي ارتكبها المترجم، وهو ما حاولت الترجمات الأخرى تفاديه مع اختلاف واضح في درجات الاجتهاد بين الترجمة المغربية والمشرقية. ان تلك السقطات قد حاول أيضا الأستاذ عبد الجليل الأزدي تفاديها بدرجات متباينة لأنه اطلع على مجملها، كما أنه لم يقدم بيير بورديو كديماغوجي أو كمنظر جديد لفكر الهيمنة أو غير ذلك من الأوصاف التي قدمها خصومه للتشويش على مشروعه السوسيولوجي القائم على خلخلة التابث في المجتمع الغربي... لأن بعض الدارسين لبورديو أو المترجمين له قدموه بشكل مجتزأ، مما جعل أفكاره تؤول خارج سياق مشروعه ككل منسجم، فجاءت كتاباته عبارة عن أفكار مليئة بالإيديولوجيا أو التضليل المعرفي أو النقد الساخط الذي يدخل ضمن المزايدة المجانية وينفلت بالتالي من علمية السوسيولوجيا.

استعمل بيير بورديو مناهج متعددة ضمن الحقول السوسيولوجية التي كان يهتم بها، لقد كان من بين الذين لا يفضلون الفصل بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، واعتبر أن ذلك الفصل كان بدافع عرقي وإيديولوجي وليس بدافع علمي؛ كما أنه استعمل الطرق الإحصائية واستلهم المنهاج التنقيطي من حقل الفن التشكيلي ليجعل السوسيولوجيا منفتحة عن الفنون والعلوم والآداب... ولعل الشهادات التي تضمنها كتاب "بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف" تؤكد ذلك بجلاء.

 

3\ معمار كتاب "بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف":

ينبني الكتاب وفق تسلسل منطقي مضبوط يعرف هدفه دون ادعاء. فالكتاب تجميعي بالدرجة الأولى. يبدأ عبد الجليل الأزدي كتابه بتوطﺋة مستفيضة تقارب بشكل مركز مجمل المتن البورديوزي، وان كان يلام عليها غرقها في بعض المصطلحات الأدبية التي قد تعقد في بعض الأحيان وضوح المنهاج السوسيولوجي. أما المفاهيم التي قدمها الكتاب فهي جزء من الهرم المفاهيمي البورديوزي الثري والمتعدد، حيث أن عبد الجليل الأزدي قد اكتفى بالأهم في نظره ولم يورد المفاهيم الأخرى على أهميتها وترابطها.

يتضمن الكتاب قراءات وتقارير عن أهم منجزات بيير بورديو، فضلا عن شهادات لمجايليه والدارسين لمتنه الزاخر كيورگن هابرماس وألان تورين... كما أن الكتاب يقدم بعض المقالات المقتضبة والدالة حول بعض المسائل الجذرية في الظاهرة السوسيولوجية عند بيير بورديو كاهتمامه بصراع النخب في الشأن الثقافي والجامعي ومسألة الديمقراطية والليبيرالية الجديدة، إضافة إلى نضاله السياسي الذي جعل من السوسيولوجيا علما بدون وهم: أي العلم الذي يمزج بين البحث والممارسة...

يقدم لنا الكتاب أيضا ملحقا بيبلوغرافيا هاما باللغة الفرنسية، يضم جماع ما كتبه بيير بورديو أو ما كتب حوله سواء على صفحات المجلات والجرائد أو من خلال ما تقدمه بعض المواقع الإلكترونية على شبكة الأنترنيت، زيادة على الأعمال التي تناولته بالنقد...

إن الكتاب يعتبر وثيقة هامة لمن يريد ولوج عوالم القارة البورديوزية بصفتها عصية على الاكتشاف دون دليل.

 

 

 

الهوامش:

٭ ألقيت هـذه الورقة بكلية الآداب (جامعة القاضي عياض بمراكش) ضمن حلقة دراسية علمية في موضوع "بيير بورديو المتعدد" احتفاء بصدور كتاب: "بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف" لعبد الجليل الأزدي، وذلك يوم: 12 مارس 2004.

1/ عبد الجليل الأزدي، بيير بورديو: الفتى المتعدد والمضياف، منشورات الملتقى، الطبعة الأولى، مراكش، مارس 2003.

2/ راجع في هـذا الباب كتاب: "السوسيولوجيا المغربية المعاصرة: حصيلة وتقييم"، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم 11، 1988.

3/ حرصنا على أن نقدم عناوين الكتب كما تمت ترجمتها إلى اللغة العربية، لأن بعض الترجمات قد قدمت اجتهادات في تحوير العناوين الأصلية أو المقالات المجمعة.