ما هو علم الأيقونات

 

ما هو علم الأيقونات؟*

 

تأليف: فانسون تروجر.

ترجمة: محمد اشويكة.

 

 

 

يتميز علم الأيقونات عن تاريخ الفن وعن الاستيتيقا،لكونه يهتم بتأويل المحتوى وشروط إنتاج الأعمال الفنية، ويعتبر إروين بانوفسكي Erwin PANOFSKY مؤسسا لهذا العلم. فقد تأثر تاريخ الفن منذ العشرينيات بقوة بأعماله[1]. إذ حاول هذا الأستاذ بجامعة برينستون أن يضع منهجا للتحليل قابلا للإحاطة ببنية ومعنى أي عمل فني مهما كان مؤلفه، ثم بفترة ومكان إنتاجه. لقد تتبع في ذلك مشروعا تقليديا في الفلسفة كان يتأسس على الاشتغال على مفهوم "الجميل" ومحاولة فهم الدلالة في للفكر البشري. انخرط بانوفسكي تحديدا في متابعة اثنين من سابقيه، هنريش وولفلين Heinrich WöLFFLIN وابي إبورك Aby WARBURG. لكن إسهامه الحاسم تجسد في إرادته إعادة تجديد الأنواع التقليدية للفلسفة والتاريخ داخل تحليل الأعمال الفنية عن طريق استعمال معايير مأخوذة من المناهج العلمية. لقد كتب قائلا: "إن ما لنظرية الفن من تاريخه، ما للشعرية وللبلاغة من الأدب"[2]. ولكي يرسم معالم طريقه ويؤصله، حَيَّنَ مصطلحا تم استعماله في عصر النهضة: "علم الأيقونات" (Iconologie). من ناحية علمية، تأسس منهج تحليل العمل الفني هذا بطريقة هرمية وفق ثلاثة مستويات:

 

انعتاق الفن من الديني والميتافيزيقا:

يستند الجزء الأول أساسا على أنواع المعنى المشترك المُضافةِ إلى الحد الأدنى من المعرفة التي يمدنا بها سياق إنتاج العمل الفني. وهذا ما يجعل أحد المتلقين مثلا ـ ولو تم تنبيهه قليلا ـ يفرق على الفور بين عمل فني تشكيلي قروسطوي ينتمي إلى القرن السابع عشر أو الثامن عشر ويمكن أن يحددهما تقريبا في الزمن، وذلك من حيث فروقهما الفارزة المرتبطة بإتقان الأبعاد ومعالجة الظلال والمواضيع التي تطرحها من جهة، ومن حيث معارفه التاريخية الأساسية الخاصة من جهة أخرى.

أما الجزء الثاني من التحليل الذي يقترحه إ. بانوفسكي، فيسمح بتحليل الدلالات القصدية للعمل الفني بشكل صحيح سواء كانت رمزية أو استيعارية أو تاريخية. ويفترض ذلك ثقافة عامة كافية من أجل فهم مضمون العمل الفني وتحديده تاريخيا، ومقاربته تحديدا بالأعمال الفنية أو النصوص المعاصرة. ومن وجهة النظر هاته، فإن معرفة أهم الأساطير القديمة، والتوفر على حد أدنى من الثقافة الدينية أمر ضروري لضبط وفهم جل الأعمال الفنية التي تم إنتاجها ابتداء من عصر النهضة إلى القرن التاسع عشر.

يقود الجزء الثالث من التحليل حسب إ. بانوفسكي إلى تأويل مضمون العمل الفني وفهم القصدية الفنية لمُؤَلِّفِهِ، مع السماح بتجاوز تلك القصدية بغرض فهم أهميتها الرمزية الكونية. ويتعلق الأمر بإعادة تحديد إنتاج العمل الفني مقارنة مع مجموع الإنتاجات الفكرية التي أنتجت في تلك المرحلة، واستيعاب مكانة ذلك الإنتاج في تمثيله للدلالات الرمزية والتمثلات المهيمنة أثناء فترته؟

 

رَأَى إ. بانوفسكي بصفته متخصصا في عصر النهضة، أن الإنتاج الفني لتلك الفترة قد شكل ثورة لقطيعة فكرية أساسية. فعلا، مع تشكل الرؤية المنظورية "La perspective"** التي ترتكز قواعدها الأساسية على الرياضيات، ففنان عصر النهضة قد أفنى وقته بحثا في الوسائل التي تمكنه من إعادة إنتاج الواقع بكل وفاء، فأصبح بذلك رجل العِلم بمعنى من المعاني.

يمكن القول بطريقة أخرى، إن فن تلك المرحلة قد انخرط في رؤية جديدة للعالم تتمظهر في كل الأنشطة الإنسانية الأخرى لتلك الفترة، والتي من أجلها أصبحت الملاحظة الموضوعية (عن بُعد) للطبيعة والناس ممكنة، وتتم بواسطة موضوع وَاعٍ باستقلاليته. ولكي نفصل ذلك: لقد انعتق الفن إذا من رؤية دينية استثنائية للعالَم ومن المفهوم الميتافيزيقي للجمال من أجل البحث عن الانسجام داخل الملاحظة العقلانية للطبيعة. فإروين بانوفسكي وضح أيضا أن الفن عندما مُنِحَت له الوسائل لإعادة تقديم الطبيعة بكل وفاء، أصبح أداة للملاحظة بالنسبة للمعرفة العلمية وساهم في تقدمها. ويمكن أن نُذكرَ في هذا الباب بالدور الحاسم لألواح الرسم بالنسبة [لصناعة] الموسوعة. لقد انخرط فن عصر النهضة بشكل كلي في عملية تحول حضاري أَوَّلَهَا كل فنان بطريقته ووفقا لعبقريته الخاصة، وهذا ما حاول علم الأيقونات أن يساهم في كشفه. فتح هذا التصور التجريدي لتاريخ الفن، مجال تحليل الأعمال الفنية على مقاربات أكثر تنوعا مقارنة مع الخطابات الأكاديمية أو الفلسفية السابقة التي لا زالت ممنوعة إلى حد الآن. رغم ذلك، استدعى معاصرو إ. بانوفسكي وسابقوه العلوم الإنسانية من أجل بناء نظريات الفن وبلورة مناهج التحليل: ستتعاقب الإثنولوجيا والسوسيولوجيا والتحليل النفسي والسيميولوجيا مرحليا لتقديم الوسائل التأويلية لمؤرخي الفن، وستساعد على المطالبة باستقلالية التخصص. ويمكن ذكر العمل الذي قام به عالم الاجتماع الفرنسي بيير فرانكاسلي Pierre FRANCASLET[3].

 

لعبة الجدل بين الواقعي والخيالي:

لقد وضع عالم الاجتماع الفرنسي بيير فرانكاسلي مبدأ استقلالية الفن باعتباره "تفكيرا جماليا"، إذ كتب: "إن التفكير الجمالي ممكن بدون شك كواحد من أكبر عُقََدِ التأمل [الفكر] والفعل، إذ يتجلى التصرف الذي يتيح مشاهدة الكون داخل الأفعال أو اللغات الخاصة". وركز خصوصا على البعد التقني للفن رافضا تمييز الفن عن التقنية، مبينا الاستقلال المتداخل والدائم لكل واحد منهما، وهذا ما يشارك في أصالة هذا النوع من التفكير في العالم. لكن بيير فرانكاسلي يناقش الفن كعالم اجتماع، ويسطر بعد إ. بانوفسكي انخراط الفن العميق في المجتمع الذي أنتجه أيضا. اقترح تأويلا دياليكتيكيا للأعمال الفنية، فالفنانون نتاج المجتمع الذي يحيون فيه من جهة، ومنتجون لرؤية أصيلة تساهم في تشكيل ذلك المجتمع من جهة ثانية. ركز خصوصا على قدرة الفنانين على خلق رهان دياليكتيكي دائم بين الواقعي والخيالي يُخَلِّفُ وَقْعاً على المتلقي، وذلك استنادا إلى حذقهم التقني داخل أعمالهم الفنية.

إن سؤال المتلقي بالضبط، وكذا إدراكاته وأحاسيسه، قادت بعض مؤرخي الفن إلى انتقاد أسس علم الأيقونات وإعادة طرح سؤال الموضوعية بمعنى من المعاني سواء بالنسبة للمتلقي أو الفنان. ومع تأثر غالبية هؤلاء المؤلفين بالتحليل النفسي، فقد أكدوا على إعادة طرح عبارة مؤرخ الفن دانييل أراس Daniel ARASSE[4] بصفته متخصصا في عصر النهضة وأستاذا بمدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية: "التخلص من التنقيب قصد الوصول إلى المُؤَلَّفِ"، ويتعلق الأمر بتجاوز أسلوب معين بالنسبة لمؤرخ الفن.

■       ■          ■

انتهاجا لنفس المنطق الواحد أسس المؤلف فكرة أخرى تكون قادرة على "إدراك المكونات التي لم يتم رسمها لكي تكون مرئية". "وهو الذي قال: أريد أن أتحدث من وجهة نظر مؤرخ الفن الخاصة، وكان لهذا إذا بعض الحظ في عدم إصابة الأهم" على حد قول جورج ديديي إيبيرمانGeorges Didier HUBERMAN الأستاذ بـ (L'EHESS).

قام نفس المؤلف في كتاب بعنوان "فتح فينيسيا" (Ouvrir Vénus)[5] بتوضيح هذه الطريقة الجديدة، والتي هي في نفس الوقت امتداد للمشروع الإيقوني وادعاء لتجاوزه. انطلاقا من تحليله لكتاب "ولادة فينيسيا" (La naissance de Vénus) (V.1485) لمؤلفه ساندرو بوتيسولي Sandro BOTTICELLI، حاول أن يبين حدود المقاربة الكلاسيكية التي ترى في أن مفهوم المرأة كما رسمها الفنان، تم الصعود به مثاليا وتم تجريده من الحمولة الجنسية المرافقة للعري. وضدا على الرؤية الإنسية لفن عصر النهضة التي تحيل إلى سيجموند فرويد وجورج باطاي، طور تحليلا يركز على البعد الشهواني [الجسدي] المدنس الذي يعود خصوصا إلى تمثل الجسد. وهو تحليل يحيل إلى التحليل النفسي ويستدعي ضمنيا موضوعية الناقد والمؤرخ. والطريقة نفسها تعطي الأهمية [تُكرم] لتبحرِ المنهج الإيقوني مع رسم الحدود.

دخل مؤرخو ونقاد الفن في نقاش مفتوح. بين مفهوم "أيقوني" خالص يؤكد إمكانية تحليل مكانة عمل فني داخل مجموع إنتاج فكري لفترة معينة، الشيء الذي يعود بطريقة ما إلى اقتراح معايير موضوعية من أجل تقييمه، إن لم نقل من حيث الجودة، فعلى الأقل من حيث الأصالة والقوة الإبداعية؛ وبين وجهة نظر أخرى لا ترفض أية فرضية حول الدلالات الخفية أو الكامنة في العمل الفني. ولعل الفرق واضح. والحاصل، اتفاق مؤرخي ونقاد الفن حول ضرورة التبحر العلمي، إذ سيكون لكل واحد منهم رأيا مخالفا حول ما يمكن فعله بشكل مناسب. كما كتب جون لوك شليموJean Luc CHALUMEAU[6]: يعود دون شك "إلى كل ناقد أن يحدد بنفسه أداته المنهجية: بهذا الثمن يمكن لنتائج بحثه النضالي الجميل أن ينتشر".


 


* وردت هذه المقالة تحت عنوان: "Qu'est ce que l’iconologie?" للباحث الفرنسي:  Vincent TROGER؛ ضمن ملف خاص من ملفات المجلة المتخصصة Sciences Humaines  تحت محور: "Le monde de l'image"؛ العدد الفصلي: 43؛ دجنبر 2003 / يناير ـ فبراير 2004؛ صص: 18 ـ 20 [المترجم].

[1]- E. Panofsky; La perspective comme forme symbolique et autres essais; rééd. Minuit; 1997.

[2]- E. Panofsky; L’œuvre d’art et ses significations; Gallimard; 1969.

** فنيا، يشير مصطلح La perspective إلى تقنية إظهار الأشياء داخل المجال (الفضاء) إذ تمكن تلك الرؤية من الإحاطة بكل المحتويات داخل اللوحة التشكيلية أو اللقطة السينمائية... مع مراعاة خطوط القوة. يتداخل المصطلح أيضا مع مصطلحات: Vision Point de vue... وهو مصطلح رائج في مجال الهندسة كذلك. يشير أيضا إلى الشيء الممكن مستقبلا ضمن علم المستقبليات. فلسفيا، يشير إلى الكامن أو ما سيتحقق بالقوة. أما بصريا، فيعني زاوية النظر... للإحاطة بالمصطلح وتشعباته البصرية، نقترح العودة إلى كتاب محمد اشويكة: "الصورة السينمائية: التقنية والقراءة"، سعد الورزازي للنشر، الرباط، 2005 [المترجم].

[3]- Voir notamment P. Francastel; peinture et société; rééd. Denoël-Gonthier; 1965.

[4]- Voir notamment D. Arasse; Le détail, Une histoire rapprochée de la peinture; rééd. Flammarion, «Champs»; 1997 et Onn’y voit rien; Denoël; 2000.

[5]- G. Didi-Huberman; Ouvrir Vénus; Gallimard; 1999.

[6]- J.-L. Chalumeau; Les théories de l’art; Vuibert; 1994.