الدكتور
حسان شمسي باشا
رغم أننا نقضي ثلث عمرنا
في النوم ، إلا أننا لا نعلم إلا القليل عن النوم . والفكرة السائدة بين العلماء
هي أن للنوم وظيفة مرممة وشافية للدماغ .
وليس الدماغ هو
المستفيد الوحيد من النوم ، بل إن في
النوم سكنا وراحة للجسم كله .
قال تعالى : (( ألم
يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيها والنهار مبصرا )) النمل 86 .
ولكن بعض الناس -
وللأسف الشديد - يقلب ليله نهارا ، ونهاره ليلا وخاصة في رمضان.
والحقيقة أن في
الدماغ ما يسمى بالساعة البيولوجية التي تجعلنا نستيقظ من النوم في ساعة محددة كل
صباح ، وتشعرنا بالنعاس في الوقت ذاته من كل مساء إذا ما اعتدنا على ذلك.
ولا ينفرد الإنسان
بوجود هذه الساعة بل هي موجودة عند الحيوانات أيضا . فمن المعروف أن الصراصير
والبوم والخفاش والجرذان تنشط ليلا وتهجع في النهار ، بينما الحيوانات الأخرى يكون
نشاطها الأعظم أثناء النهار .
وقد تم نقل نحلات من
منطقة باريس إلى نيويورك فلوحظ أنها تنطلق للحقول لجمع الرحيق في نيويورك عندما
يحين موعد جمع الرحيق في باريس . وليس موعد الجمع في نيويورك ، إذ أن ساعتها
البيولوجية ما زالت مبرمجة على توقيت باريس .
ويعتقد الباحثون أن
الغدة الصنوبرية التي تفرز الميلاتونين هي التي تمثل الساعة البيولوجية عنده .
وعندما ينتقل أحدنا غربا إلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية ، حيث يتأخر الوقت نحو
12 ساعة ، نلاحظ أنه ينشط عندما يحين منتصف الليل . فجسمنا مبرمج لأن نكون نشيطين
في الساعة 12 ظهرا حسب توقيت بلادنا ، أي عندما ينتصف الليل في نصف الكرة الآخر ،
والعكس صحيح . من أجل ذلك تضطرب حياة من يضطر بحكم عمله إلى الانتقال باستمرار
شرقا وغربا ، كما هو الحال مع أطقم الطائرات ، وكذلك حياة من يضطرون للقيام
بمناوبات ليلية ونهارية كالممرضات . وينطبق على ذلك من يحيلون ليلهم إلى نهار
ونهارهم إلى ليل .
فإذا عملت أثناء
الليل أو سافرت لمسافة بعيدة بالطائرة ، فربما تتكيف ساعة الجسم مع التوقيت الجديد
للنوم ، ولكن قد يحتاج ذلك إلى بضعة أيام . وقد يشكو هؤلاء خلال ذلك من بعض
الأعراض التي تشمل الأرق والإعياء والصداع وضعف التركيز .
وتشير الدراسات
الأولية إلى أن استخدام حبوب الميلاتونين يمكن أن يفيد في التخفيف من أعراض السفر
الطويل .
وقد أكد الأطباء أن
أهنأ نوم هو ما كان في أوائل الليل ، وأن ساعة نوم قبل منتصف الليل تعدل ساعات من
النوم المتأخر ، ويقول الدكتور شابيرو في كتاب Body
Clock : إن الذهاب إلى النوم في وقت محدد كل مساء
والاستيقاظ في وقت معين كل صباح لا يحسن نشاط المرء في النهار فحسب ، بل يهيئ
الشخص لنوم جيد في الليلة التالية .
ويقول البروفسور
أوزولد : " إذا كنت تريد أن تنام بسرعة حين تخلد إلى النوم فانهض باكرا في
الصباح . وافعل ذلك بانتظام ، فبذلك تحصل على أفضل أنواع النوم . وتكون أكثر سعادة
وأعظم نشاطا طوال النهار " .
أليس هذا ما كان
يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ! ألم يقل عليه الصلاة والسلام : ((
إياك والسمر بعد هدأة الرجل ، فإنكم لا تدرون ما يأتي الله في خلقه )) . فلم يكن
الصحابة يسهرون الليالي الطوال يتحادثون ويتسامرون ، بل كانوا ينامون بعد فترة
قصيرة من العشاء .
وفي ليالي رمضان
يطيب قيام الليل لا بالحديث والسمر ، بل بالصلاة والتقرب إلى الله تعالى . وقد وصف
رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة داود عليه السلام فقال :
(( أحب الصلاة إلى
الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم
ثلثه ، وينام سدسه . ويصوم يوما ، ويفطر يوما )) متفق عليه .
ولا شك أن في قيام
الليل رياضة روحية وجسدية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( عليكم بقيام
الليل ، فإنه دأب الصالحين من قبلكم ، وهو مطردة للداء عن الجسد ))
رواه أحمد والحاكم .
فلنجعل من رسول الله
صلى الله عليه وسلم وصحبه قدوة لنا في رمضان نأخذ قسطا وافيا من النوم ، ثم نقوم
لقيام الليل ، ونعمل في النهار بلا كسل ولا فتور .