في هذه الحلقة:
ذبح الصهاينة في خانيونس 525 مدنيًا فلسطينيًا وتركوهم في الشوارع حتي تعفنت
جثثهم!!
حفرت بعض المآسي التي عشتها أخاديد عميقة في ذاكرتي
هذه قصة كلية التمريض التي أسستها مع الدكتور محمود الزهار رغم أنف الصهاينة!
الدكتور عبد العزيز الرنتيسي هو أحد أهم رموز وقيادات
الإخوان المسلمين في فلسطين بعد عام 67م, وتكشف الأحداث التي مر بها جزءًا مهمًا من
تاريخ الشعب الفلسطيني في هذه الفترة بقطاع غزة, وتعكس حياته ملامح العلاقة بين
الاحتلال وشرائح المجتمع المختلفة, وتبين سياسة الحكومات الصهيونية المتعاقبة تجاه
الشعب الفلسطيني. د. الرنتيسي حاول عصر ذاكرته (رحمه الله) ووضع مشاعره تجاه بلدته
الأصلية «يبنا» الواقعة شمال قطاع غزة, والمحتلة منذ عام 1948م, وعراكه مع الإدارة
الاحتلالية, ودوره في تأسيس حماس, وحياته في سجون الاحتلال.. وغيرها من الأحداث,
ونترك قارئنا العزيز كي يعيش لحظات مع كلام الرنتيسي حيث يقول:
أينما وليت شطر ذكريات مرت بخيرها وشرها, وحلوها ومرها وجدت أن المعاناة الناجمة عن
احتلال فلسطين تصبغ كل شيء في حياتنا كشعب فلسطيني, وأجدني مضطرًا إلي العودة إلي
أحداث من تلافيف الماضي البعيد التي حتمًا ستسلط بعض الضوء علي حجم الكارثة التي
حاقت بالشعب الفلسطيني الذي لم يكن له من ذنب إلا أنه شعب فلسطيني مسلم, وقد غلف
اليهود جرائمهم بحق شعبنا المعذب علي أيديهم بغلاف توراتي أسطوري, ولقد حفرت بعض
المآسي أخاديد عميقة في الذاكرة فلا يمكن نسيانها ومنها:
مذبحة خانيونس عام 1956
في عام 1956 إبان العدوان الثلاثي علي مصر احتل الصهاينة قطاع غزة, وارتكبوا مجازر
بشعة كعادتهم ولكن هذه المرة في مدينة «خانيونس» حيث كنت أقيم في مخيمها منذ أُخرجت
مع أسرتي من قريتي «يبنا» التي تقع بين «أسدود» و«يافا» وأنا ابن ستة أشهر لأجد
نفسي في معسكر «خانيونس» للاجئين الفلسطينيين. لقد ارتكبت المجازر بحق المدنيين
الفلسطينيين, حيث كان اليهود يقتحمون البيوت ويقتلون جميع من فيها من رجال أمام
أزواجهم وأبنائهم, وكان لي عم يدعي «حامد الرنتيسي» ولم يكن لأبي إخوة غيره, ولقد
اقتحم اليهود بيته كما اقتحموا بيوت الجيران, وكان يجلس مع زوجته وأبنائه, فصوبوا
عليه السلاح فما كان من ابن عمي «موفق» ابن تسع سنوات إلا أن ألقي بنفسه علي والده,
ولكن القتلة اليهود لم يكترثوا لهذا المشهد, ولم يترددوا في إطلاق رصاص بنادقهم
فقتلوا الوالد وأصابوا الطفل بجراح متوسطة في ساعده, وبعد أن اقترفوا جريمتهم تلك
انتقلوا إلي البيت المجاور بيت آل «السعدوني» حيث كان أربعة إخوة فأمروهم بالوقوف
ووجوههم إلي الجدار, ثم أطلقوا عليهم الرصاص فحصدوا أرواح ثلاثة منهم وقفز الرابع
عن الجدار فأصابوه في قدمه ولكن تمكن من الفرار ليبقي شاهدًا علي المجزرة حتي يومنا
هذا وهو السيد خميس السعدوني.
لقد قتل الصهاينة في مذبحة خانيونس بدم بارد 525 فلسطينيًا جميعهم من المدنيين
الأبرياء, ولقد تعفنت جثثهم في شوارع المخيم وكان الأمر لا يطاق فحسبنا الله ونعم
الوكيل .
في هذه الحلقة:
استجاب الله لدعائنا وأنزل المطر في يوم شديد الحر
عوقبت بثلاثة أشهر حبس انفرادي لرفضي الوقوف لمدير السجن
كنت أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين السبعة في «قطاع غزة»
عندما حدثت حادثة المقطورة, تلك الحادثة التي صدمت فيها مقطورة صهيونية سيارة لعمال
فلسطينيين فقتلت وأصابت جميع من في السيارة, واعتبرت هذه الحادثة عملاً متعمدًا
بهدف القتل مما أثار الشارع الفلسطيني, خاصة أن الحادثة جاءت بعد سلسلة من
الاستفزازات الصهيونية التي استهدفت كرامة الشباب الفلسطيني خاصة طلاب الجامعات
الذين كانوا دائمًا في حالة من الاستنفار والمواجهة شبهاليومية مع قوات الاحتلال,
وقد خرجت علي إثر حادثة السيارة المتعمدة هذه مسيرة عفوية غاضبة في جباليا أدت إلي
سقوط شهيد وعدد من الجرحي, فاجتمعنا نحن قادة الإخوان المسلمين في قطاع غزة علي إثر
ذلك وتدارسنا الأمر واتخذنا قرارًا مهمًا يقضي بإشعال انتفاضة في قطاع غزة ضد
الاحتلال الصهيوني, وتم اتخاذ ذلك القرار التاريخي في ليلة التاسع من ديسمبر 1987,
وقررنا الإعلان عن «حركة المقاومة الإسلامية» كعنوان للعمل الانتفاضي الذي يمثل
الحركة الإسلامية في فلسطين, وصدر البيان الأول موقعًا بـ«ح.م.س», هذا البيان
التاريخي الذي أعلن بداية انتفاضة سيكتب لها أن تغير وجه التاريخ بإذن الله, وبدأنا
الانتفاضة انطلاقًا من المساجد, واستجاب الناس, وبدأ الشعب الفلسطيني مرحلة من أفضل
مراحل جهاده, ولقد كنت مقيمًا في مخيم «خان يونس» في ذلك الوقت.
وفجأة بعد منتصف ليلة الجمعة الخامس عشر من يناير 1988 أي بعد 37 يومًا من اندلاع
الانتفاضة إذا بقوات كبيرة جدًا من جنود الاحتلال تحاصر البيت, بعض الجنود تسوروا
جدران فناء البيت بينما عدد آخر منهم أخذوا يحطمون الباب الخارجي بعنف شديد محدثين
أصواتًا فزع بسببها أطفالي الصغار وقد كانوا في غرفة مجاورة لغرفتي, فنهضت علي
الفور من الفراش, وخرجت من غرفة النوم لأتترس ببابها كي أمنع الجند من الدخول إلي
الغرفة, ولما حاول ثلاثة من الجنود اقتحام الغرفة عنوة وحاولوا الاعتداء عليّ
لإبعادي عن بابها دخلت معهم في اشتباك بالأيدي جُرح علي أثره أحد الجنود, وهنا
ارتفع صوت الضابط وهو يأمرهم بالابتعاد عن الغرفة والإقلاع عن الاشتباك, ثم طلب مني
ارتداء ملابسي ففعلت, وخرجت معهم فعصّبوا عيني وكبلوا يدي من الخلف بعنف شديد تورمت
علي أثره يداي, وفقدت الإحساس في أجزاء من يدي لمدة زمنية طويلة, وكان ضابط الأمن
الصهيوني المُلقب «بأبي رامي» وهو اسم أمني حركي يعاني جنون العظمة, فبعد اعتقالي
تناقل الناس فيما بينهم أنني ضربت «أبا رامي» ضربًا مبرحًا, فكان يتحرك في الشارع
برفقة جنوده المدججين بالسلاح ويقول للناس: انظروا إليّ فأين آثار الضرب وأنتم
تزعمون بأن الدكتور قد ضربني? والواقع أنه كان بعيدًا عندما اشتبكت مع الجنود ولم
يشارك في العراك.
كرامات في المعتقل
كنا في المعتقل الصحراوي في النقب وذلك عام 988, وكنا في فصل الصيف حيث الحرارة
الشديدة, وفي اخر ليلة من رمضان استيقظنا لتناول السحور فإذا بالحرارة لا تطاق,
وشعرنا بأننا أمام يوم صعب, وانتظمنا في صلاة الفجر, وصلي بنا إمامًا طالب من طلاب
الجامعة الإسلامية, وقد حباه الله سبحانه صوتًا نديًا في تلاوة القرآن, وبعد القيام
من ركوع الركعة الثانية رفع إمامنا أكُف الضراعة باكيًا يدعو الله ونحن نؤمّن من
خلفه, وألهمه الله فقال في دعائه: اللهم سق إلينا الغمام, وأسقنا الغيث ولا تجعلنا
من القانطين, وألح في الدعاء وكان الواحد منا يقول في نفسه: ومن أين سيأتي الغمام
في يوم من أيام الصيف كهذا اليوموفي مكان صحراوي كصحراء النقب? وتنفس الصباح,
واشتعلت الأرض, إندخلنا الخيام فكأنها حمامات شمسية, وإن خرجنا من الخيام شعرنا كأن
جهنم تحيط بنا من كل جانب, وما هي إلا لحظات بعد ارتفاع الشمس قليلاً فإذا بغيمة
تتهادي من بعيد لتستقر فوق المعتقل مظللة جزءًا من خيام المعتقلين فلم نصدق عيوننا,
ثم تبعتها أخري, ثم جاء الغيم تباعًا حتي ظلل المعتقل كاملاً ومساحة حوله, فكنا
نشاهد علي الأرض حدود ظلال الغيوم من حولنا وبعدها تبدو أمام ناظرينا شمس تلفح سطح
الأرض, ثم تساقط المطر وتساقطت معه دموع المعتقلين الذين اعتبروا ذلك آية ورحمة من
الله سبحانه, وخرجنا علي الفور من الخيام وأخذت أدعو ويؤمّن المعتقلون من خلفي, ثم
تناوب الإخوة الدعاء والحمد والتسبيح تغمرنا فرحة استجابة الله لدعائنا في صلاة
الفجر.
ثلاثة أشهر في زنزانة انفرادي
في عام 1991 كنت في معتقل النقب أقضي حكمًا إداريًا لمدة عام, وكان المعتقلون منذ
افتتاح هذا المعتقل عام 1988 حتي ذلك الوقت محرومين من زيارات ذويهم, ومع إلحاح
المعتقلين واحتجاجاتهم المتكررة بدت هناك استعدادات لدي إدارة المعتقل بالسماح
للأهل بالزيارة, وقام مدير عام المعتقل وهو صاحب رتبة عسكرية رفيعة ويدعي «شلتئيل»
يطلب عقد لقاء مع ممثلي المعتقلين, ولقد اجتمع ممثلون عن مختلف الفصائل في خيمة من
خيام المعتقل في أحد أقسامه لتدارس الأمر قبل انعقاد اللقاء مع الإدارة, وأحب
المعتقلون أن أرافقهم وقد فعلت, وأثناء لقائنا في الخيمة سمعت بعض الشباب يحذر من
«شلتئيل» ويضخم من شأنه ويخشي من غضبه, فشعرت بأن له هيبة في نفوس بعض الشباب وهذا
لم يرُق لي ولكني لم أعقب بشيء, ثم جاءت حافلة في يوم اللقاء لتقلنا إلي ديوان
«شلتئيل» وأخذت وأنا في الحافلة أفكر في استعلاء هذا الرجل وهيبته في نفوس الشباب
وكيفية انتزاع هذه الهيبة من نفوسهم, ولقد وطنت نفسي علي فعل شيء ما ولكني لا
أعلمه, ولكن كان لديّ استعداد تام أن أتصدي له إذا تصرف بطريقة لا تليق, ووصلت
الحافلة ودخلنا ديوانه فكان عن يميننا داخل القاعة منصة مرتفعة حوالي 30 سنتيمترًا
عن باقي الغرافة, وعليها عدد من الكراسي, وعن شمالنا كانت هناك عدة صفوف من الكراسي
المعدة لنا, فجاء رؤساء الأقسام لمختلفة وجميعهم من الحاصلين علي رتب عسكرية في
الجيش, ومن بينهم مسئول أحد الأقسام قد كان في الماضي نائب الحاكم العسكري لمدينة
«خان يونس» وكان يعرفني مسبقًا, وكان نائب «شلتئيل» أيضًا يجلس المعتقلون الممثلون
لكافة الفصائل علي الكراسي المعدة لهم وجهًا لوجه مع رؤساء الأقسام تفصلنا عنهم
مسافة لا تزيد علي مترين, ولقد جسلت في الصف الأول في الكرسي الأول الأقرب إلي باب
الديوان, ثم بعد وقت قليل دخل «شلتئيل», وكان رجلاً طويل القامة ضخم الجثة فالتفت
بطريقة عسكرية إلي المنصة وأشار بيده يدعوهم إلي القيام له فقاموا, ثم التفت إلينا
بطريقة عسكرية وأشار بيده فوقف الشباب وبقيت جالسًا, وكان هذا اللقاء هو اللقاء
الأول بيني وبينه فلا يعرفني, فاقترب مني وقال: لماذا لا تقف? فقلت له: أنا لا أقف
إلا لله وأنت لست إلهًا ولكنك مجرد إنسان وأنا لا أقف للبشر, فقال: يجب عليك أن تقف
فأقسمت بالله يمينًا مغلظًا ألا أقف, فأصبح في حالة من الحرج الشديد ولم يدر ما
يفعل, حاول التدخل أحد قادة فتح في المعتقل وهو العقيد «سامي أبو سمهدانة» ليخبره
أنني إذا قررت لا أتراجع فرفض الاستماع إليه وأصر علي موقفه, ولكني أبيت بشدة, فقال
نائبه: يا دكتور هنا يوجد بروتوكول يجب أن يحترم, فقلت له: ديني أولي بالاحترام ولا
يجيز لي الإسلام أن أقف تعظيمًا لمخلوق, فقال: وما الحل? قلت: إما أن أبقي جالسًا
أو أعود إلي خيمتي, فقال «شلتئيل» عد إذن إلي خيمتك فخرجت من الديوان ولم يخرج معي
إلا الأخ المهندس «إبراهيم رضوان» والأخ «عبد العزيز الخالدي», وكلاهما من حماس,
وبعد أيام قلائل كان قد مضي علي اعتقالي تسعة أشهر ولم يتبق إلا ثلاثة أشهر فقط
للإفراج عني, فإذا بهم يستدعونني ويطلبون مني أن أن أجمع متاعي وهذا يعني في مفهوم
المعتقلات ترحيل ولكن لا ندري إلي أين, وكانت تنتظرني حافلة, فما أن ارتقيتها حتي
وجدت كل الأخوين فيها وقد أُحضرا من قسميهما فأدركت أنها عقوبة ولا توجد عقوبات سوي
الزنازين, وانطلقت بنا الحافلة إلي «معتقل سبعة» حيث توجد خمسون زنزانة, وما أن
وصلنا حتي تسلمنا مسئول الزنازين ويدعي «نير» الذي أخبرنا وهو ممتعض بأننا معاقبون
بوضعنا في زنازين انفرادية لمدة ثلاثة أشهر, وتبين لنا فيما بعد أن سبب امتعاضه
اعتباره أن العقوبة كانت لأسباب شخصية, أي أنه لم يرُق له أن ينتقم «شلتئيل» لنفسه
بهذه الطريقة خاصة أن أقصي عقوبة من العقوبات اليومية الروتينية لا تصل إلي سبعة
أيام, ولذلك لم يكن سيئًا في استقبالنا كما يفعل مع الشباب, وربما أن السن والدرجة
العلمية لعبت دورًا في التأثير عليه, وأُخذنا إلي الزنازين المخصصة لنا كلى في
زنزانته وحيدًا, وكنا نخرج يوميًا لمدة ساعة ما عدا يوم السبت في ساحة محاطة
بالأسلاك الشائكة حيث الدورة والحمامات, لأن الزنازين لم تكن بها دورة مياه ولا
حمام, وبدأنا رحلتنا مع القرآن أما أنا فأراجعه بعد أن منّ الله عليّ بإكمال حفظه
من قبل عام 1990 حيث كنت والشيخ أحمد ياسين في زنزانة واحدة في معتقل «كفاريونه»,
وأما المهندس فبدأ بحفظ القرآن في الزنزانة وكان رجلاً ذكيًا جدًا ويجيد العبرية
بطلاقة, وقد تمكن من حفظ القرآن قبل انقضاء الثلاثة أشهر والحمد لله رب العالمين.
عندما يستجاب الدعاء
لقد أحاط الصهاينة المعتقل بخيامه وزنازينه بمكبرات صوت وُضعت علي أعمده, من
فوائدها سماع نشرة الأخبار وإن كان ذلك من مذياع العدو الصهيوني الذي ينقل بعض
الصورة أو ينقل الصورة مشوهة, إلا أننا كنا نتعرف علي بعض ما يجري خارج أسوار
المعتقل في الضفة الغربية وقطاع غزة خاصة أننا حُرمنا من زيارة الأهل, وأما من شرور
مكبرات الصوت أنها معظم الوقت تنقل إلي مسامعنا أغاني صارخة مصطحبة بموسيقي صاخبة
مما كان يؤذي مسامعنا إذا قمنا إلي الصلاة أو أخذنا في مراجعة القرآن, خاصة أن
الصوت كان يعبر من نوافذ الزنازين إلي داخلها فيدحث ضجيجًا هائلاً لا نستطيع معه
النوم ولا التلاوة, فما كان منا إلا أن فزعنا إلي الدعاء كي يخلصنا الله من هذه
المكبرات, وما هي إلا أيام قلائل وبينما كنت واقفًا مع المهندس «إبراهيم» في الساحة
خارج الزنزانة أثناء الساعة المقررة لنا, وكنا نصغي إلي نشرة الأخبار, فإذا بمدير
هذا القسم من المعتقل يشاهدنا, فسأل «نير» ونحن نسمعه: ماذا يفعل الدكتور والمهندس?
قال له «نير»: يستمعان إلي نشرة الأخبار, فغاظه ذلك وقال له: اقطع أسلاك مكبرات
الصوت المقابلة للزنازين ظنًا منه أننا سنأسف لذلك وأنه سيؤلمنا, ففعل «نير»
واستجاب الله دعاءنا, وأراحنا من الضجيج, مع العلم أننا كنا نتمكن من سماع الأخبار
عن بعد من خلال مكبرات الصوت في الأقسام المجاورة.
وذات يوم سمعنا صراخًا ينطلق من إحدي الزنازين, فنظرت من نافذة الزنزانة, لعلي أري
مصدر الصوت فإذا بأحد الحراس واسمه «عمير» يخرج من إحدي الزنازين ويقوم بتمثيل أمام
«نير» كيفية ضرب الشاب في الزنزانة, لقد كان مزهوًا وهو يمثل الدور مما أثار
مدامعنا, لقد كان الشاب يصرخ ويستغيث ولا نستطيع أ نفعل له شيئًا, ثم قدر لنا أن
نري هذا المشهد الذي قام به «عمير» وهو لا يعلم أننا نراه, فانصرفت لأصلي ركعتين
ودعوت الله أن ينتقم من «عمير» وفوجئت بعد ذلك مباشرة أن «عمير» قد تغيب لعدة
أسابيع, وظننا أنه قد تم نقله, ولكنه جاء بعد ذلك وفي مشيته عرج, فسألته: هل بساقك
ألم? فقال: لا ولكن هناك شيئًا برأسي, وهذا يعني ورمًا خبيثًا في المخ, فحمدت الله
علي استجابة الدعاء, ولا غرابة في ذلك والرسول صلي الله عليه وسلم يقول: «اتق دعوة
المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب».
ومن يُهن الله فما له من مكرم
لقد مضت الثلاثة أشهر وجاءت الليلة الأخيرة في المعتقل, وفي بعض الزنازين غير
الملاصقة لزنازيننا كان عدد من العملاء الذين فروا م المعتقل وسلموا أنفسهم لإدارة
المعتقل بعد أن انكشف حالهم للمعتقلين, وفوجئت في آخر ليلة بمجئ «نير» إلي زنزانتي
ليقول: يا دكتور أنت غدًا سيتم الإفراج عنك, ثم قال: لقد طلب مني «المفوكسين» -وهو
مصطلح كان يطلقه المعتقلون علي العملاء- أن يسلموا عليك فماذا تقول? ففكرت قليلا
وجال بخاطري أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء, وقلت: لعل
موافقتي بالسلام عليهم توقظ ضمائرهم فيحدثوا توبة, فقلت له: موافق, فتغير وجهه
وقال: يا دكتور هؤلاء «زبل» كيف تسلم عليهم? فقلت بعفوية: لعل الله يهديهم, فقال:
تفضل وفتح باب الزنزانة حيث كان يتحدث إليّ من كوة في الباب, وخرجت لنسير حوالي
أربعين مترًا هي المسافة بين زنزانتي وزنزانتهم وفجأة توقف «نير» في منتصف الطريق
وقال: يا دكتور هؤلاء «مفوكسون» هؤلاء «زبل» كيف تسلم عليهم? ولكني عزمت فمضي حتي
إذا وصلنا إلي زنزانتهم فتح كوة صغيرة في أعلي الباب وطلب منهم أن يمدوا أيديهم
للتسليم عليّ ففعلوا, ثم طلبوا منه أن يدخلني عندهم وكانوا من النصيرات, وهنا لم
يترك كلمة سيئة في القاموس إلا قالها لهم رافضًا فتح الباب, ثم عدت إلي زنزانتي
لأغادر المعتقل في الصباح بعد أن أمضيت عامًا كاملاً بدون محاكمة في اعتقال يطلق
عليه اعتقال إداري.
الحلقة الرابعة
في هذه الحلقة:
يهودي يقبل يد الشيخ أحمد ياسين\ في السجن!!!!
رغم شلل الشيخ ياسين وضعوا ثلاث أقفال على زنزانته!!!
اليهود يعرفون أن نهايتهم الذبح!!!!!
علي معبر «زامريا» كانت المفاجأة!
في معتقل غزة المركزي استيقظت ذات يوم وكان آخر يوم في شهر رمضان علي رؤية فأخذت
أقصها علي الإخوة في غرفة رقم «3» قسم «ب», وقلت لهم: لقد رأيت أني أركب حافلة
متجهة صوب الشمال, وبينما أقص عليهم الرؤية إذا بصوت الميكروفون ينادي قائلاً: «عبد
العزيز الرنتيسي عليه أن يلملم أمتعته وينزل إلي ساحة السجن» ففعلت, وإذا بهم
يأخذونني إلي سجن «الرملة» حيث يوجد قسم الانتظار والعبور من معتقل إلي آخر, ومدينة
الرملة تقع بالنسبة إلي قطاع غزة في اتجاه الشمال, وقسم المعبار هذا كان تحت الأرض
وعبارة عن صف طويل من زنازين ضيقة تنتهي إلي غرفة جعلوني فيها, وفي صباح اليوم
التالي صباح عيد الفطر وجدت نفسي في الغرفة وحيدا فأخذت بالتكبير للعيد ثم صليت
العيد منفردًا, وانتابتني مشاعر غريبة جدًا فهذه هي المرة الأولي التي أصلي فيها
العيد وحدي, وقد كنت أسمع أصوات إخواني في الزنازين وهم يكبرون ولكن لا أراهم, ثم
أخرجوهم ليصلوا العيد في الفورة وبقيت في غرفتي المعزولة عنهم وحيدًا, وبعد يومين
تم نقلي إلي سجن «كفار يونا» المطل علي مفترق «بيت ليد» حيث زنزانة الشيخ أحمد
ياسين, ولأن الشيخ لا يستطيع أن يحرك يدًا ولا قدمًا حيث يعاني شللاً رباعيًا فإنه
دائمًا بحاجة إلي اثنين من المرافقين علي أقل تقدير, وعندما ارتقيت سيارة نقل
السجناء التقيت بالأخ الفاضل المهندس «نزار عوض الله» وقد أُحضر من أحد المعتقلات
ليكون شريكي في خدمة الشيخ, وفي غرفة الاستقبال في سجن «كفار يونا» التقينا
بالأخوين الحبيبين «يحيي السنوار» و«روحي مشتهي» اللذين أنهيا مرافقتهما للشيخ
وسينقلان إلي سحن آخر, وبعد إتمام الإجراءات صعدنا إلي زنزانة الشيخ ومعنا شرطي,
وصدمت عندما وصلت باب الزنزانة وذلك لأن الباب كان موصدا بالمزلاج وفوق ذلك عليه
ثلاثة أقفال, فقلت للشرطي: الشيخ لا يستطيع الحركة فلماذا كل هذه الأقفال? فقال:
إنها الأوامر, نعم إنها الأوامر البلهاء حقًا, ودخلنا علي الشيخ وكان لقاء حارا
جدًا وممتعًا, وبدأنا رحلتنا مع الشيخ, وقد توليت إطعامه وحمامه وكل شيء من أمور
حياته فهو لا يستطيع أن يساعد نفسه حتي في حك جلده, وقد عكفنا في هذه الفترة بالذات
علي إتمام حفظ القرآن وقد وفقنا الله لذلك والحمد لله.
كانت إدارة المعتقل تسمح لنا بالخروج إلي ساحة مغلقة في كل يوم ساعتين تسمي
«الفورة» فيتمدد فيها الشيخ مستندا بظهره إلي الجدار, بينما كنت وزميلي -الذي تم
تغييره حيث أُحضر الأخ «نصر صيام» بدلا من المهندس- نتمشي في الفورة, وكانت هذه
الفورة في أوقات أخري من اليوم تستخدم من قبل سجناء جنائيين من يهود وفلسطينيين,
وكانوا لا يهتمون بالنظافة مما أدي إلي امتلاء الفورة بالبراغيث, فذات يوم اكتشفت
أن حشرات تقفز علي ملابسي فأخبرت صاحبي فوجدته يعاني نفس الشيء, وقد تبين لنا أنها
براغيث, فذهبت إلي الشيخ أنظر حاله فلم نجد برغوثًا واحدًا علي ثيابه, وشكونا الحال
إلي إدارة المعتقل ولكن عبثًا, واستمر الوضع قرابة الأسبوعين عندما نصل إلي الفورة
تقفز إلينا البراغيث بأعداد كبيرة, فقد كنت أقتل منها يوميًا قرابة العشرة براغيث,
والعجيب أنها كانت علي مدي الأسبوعين لا تقترب من الشيخ, فسألته مداعبًا: تري ما
السبب? فقال: إنها تبحث عن السمان, فضحكت وقلت له: بل صدها الله عنك لأنه يعلم أنك
لا تستطيع حك جلدك, فضحك الشيخ وضحكنا.
استجابة الدعاء
ومن عجائب هذه الفترة التي امتدت أربعة أشهر ونصف أنه في يوم الجمعة كنا نستقبل
أهلنا في زيارة عائلية, حيث يحضرهم الصليب الأحمر في سيارة خاصة, وفي أحد أيام
الجمعة تم استدعاؤنا لزيارة الأهل, وهناك في مكان الزيارة فوجئت أن أهلي لم يحضروا
بينما حضر أهل الشيخ وأهل الأخ «نصر», فمضي وقت الزيارة وهو نصف ساعة بطيئًا جدًا,
حيث إن أهل الشيخ وأهل زميلي كانوا يجاملونني علي حساب زيارتهم, وأخذت أذهب بعيدًا
في التفكير مسائلاً نفسي عن سبب تأخرهم وبدا عليّ أثر الهم, وعدنا من الزيارة إلي
الفورة, فقال لي الشيخ: ما بالك مهمومًا? فقلت له: لا أدري سببًا لتأخرهم, فهم لم
يتأخروا يومًا من قبل, فقال: وهذا أمر يستحق الاهتمام? فقلت: ولًمَ لا? فقال:
اعتبرهم ماتوا, فقلت له: أنا لا أستطيع ما تستطيعه, وتركته وانتحيت جانبًا في إحدي
زوايا الفورة بعيدًا عن الشيخ ورفعت الأكف ضارعًا إلي الله, وقلت: «اللهم إن كنت
راضيًا عن خدمتي للشيخ فطمئني علي أهلي» فوالذي فطر السماء والأرض إذا بشرطي
يناديني ويدايّ مرفوعتان ليقول تعال للزيارة فقد حضر أهلك, والذي زاد في دهشتي أن
هذا الشرطي لم أره من قبل فإذا به ونحن منطلقين إلي الزيارة يقول لي: «اهتم
بالشيخ», وكأن الله ألهمه أن يقول ذلك كي أعلم أن زيارة الأهل كانت استجابة
للدعاء!!.
ومن الطرائف التي حدثت في هذه الفترة أنه بينما كنا ننقل الشيخ ذات يوم إلي الفورة,
قابلنا وجها لوجه علي الدرج أحد السجناء الجنائيين اليهود, وكان يرافقه أحد عناصر
الشرطة, فما كان من السجين إلا أن التقط يد الشيخ أحمد ياسين وقبلها, ثم قال لي:
فعلت ذلك لإغاظة الشرطي والشرطي يسمع, وهؤلاء السجناء رغم أنهم يهود إلا أنهم كانوا
يحقدون علي إدارة السجن, ولذا كانوا يتعاطفون معنا لأن عدونا وعدوهم واحد, وهو
إدارة السجن.
وبعد حضوري إلي هذا المعتقل بيومين, صرخ عليّ أحد السجناء اليهود ويدعي «يعقوف»
قائلاً باللغة الإنجليزية: عليك أن تأخذ حذرك, فلم يحضروك عند الشيخ إلا ليتنصتوا
عليكم, فلا تتحدثوا في أمور يمكن أن تؤدي إلي مخاطر, واعلموا أنهم ربما وضعوا لكم
أجهزة في الزنزانة أثناء وجودكم في الفورة, فشكرته علي ذلك.
ومن الطرائف التي حدثت في هذه الفترة أن شرطيًا يهوديًا رآني أحمل القرآن وأتصفحه,
فسألني: يا دكتور, ماذا في كتابكم? فقلت: أمور كثيرة» قال: ماذا يقول إنكم فاعلون
بنا? قلت له: يقول إننا سنذبحكم بعد أن تتجمعوا في بلادنا, فقال: متي يكون ذلك?
فقلت له: لا أدري ربما يكون خلال أربعين سنة وكنا في عام 1990م. فأخذ يحسب ثم همهم
قائلا: ليس مهمًا بالتأكيد سأكون ميتًا, فقلت له: وماذا تقول التوراة? فقال: نفس
الشيء فتجمعنا هنا نهايته الذبح, ثم استدرك قائلاً: ولكن عندما نفسد, فقلت سبحان
الله, كأنكم لم تفسدوا بعد.
ومن الطرائف أيضًا أن محامينا كان يزورنا باستمرار, وكان يجلس معنا علي انفراد في
غرفة معدة لزيارة المحامين, فقال لنا ذات مرة: هل يسمحون لكم بشراء المشروبات
الغازية كالكوكاكولا? فقلت له: لا, فقال: إذن سأحضر لكم في الزيارة القادمة ثلاث
علب من الكوكاكولا, وفعلا في الزيارة التي تلت الوعد أحضر في شنطته ثلاث علب من
الكوكاكولا, ففتح الشنطة وقال: ها قد أحضرت, فقلت له: دعنا نشربها الآن, فقال: أخشي
أن يراكم الشرطي, قلت إذن نأخذها معنا إلي الزنزانة, فقال: أخشي أن يتم تفتيشكم,
فقلت له: نخفيها في عربة الشيخ فهم لا يفتشونها, فقال: أخشي أن يكتشفوا العلب
الفارغة في القمامة, فقلت: دعنا نستأذن من الشرطي, فقال: أخشي أن يضيقوا عليّ في
الزيارات القادمة, وفي النهاية تركنا ومعه الكوكاكولا, وكان هذا المحامي من أكثر
المحامين خدمة للسجناء ولا أريد أن أذكر اسمه خشية ألا يروق له تدوين الحادثة في
المذكرات.
وبعد أربعة أشهر ونصف الشهر ودعت الشيخ وتم نقلي إلي سجن الرملة ومنه إلي سجن
المجدل لأقضي هناك آخر أيام الاعتقال حيث كان الحكم سنتين ونصف, وكنت قد أمضيت
المدة ولم يتبق إلا تسعة عشر يومًا قضيتها مع الحبيب الشهيد الدكتور إبراهيم
المقادمة.
الإبعاد إلي لبنان
في ليلة الرابع عشر من ديسمبر عام 1992وفي وقت متأخر من الليل أحاط جنود الاحتلال
بالمنزل في مدينة خانيونس, وطلبوا مني الخروج معهم, وخرجت وانطلقت بي سيارة عسكرية
إلي مركز الإدارة في مدينة خانيونس حيث مكاتب المخابرات, وقال لي الضابط: سننتظر
قليلا ثم ننتقل إلي مدينة غزة, فقلت له بعفوية تامة وقد ألمّ بي الغيظ: سيندم
«رابين» علي هذا العمل الذي يقوم به, فلم يرد وانطلق بي إلي غرفة هي عبارة عن أحد
المكاتب وقال: انتظر هنا حتي تأتي السيارة التي ستنقلك إلي مدينة غزة, وبعد فترة
وجيزة فُتح الباب وخرجت فإذا بالدكتور «خليل أبو ليلة» يخرج من غرفة مجاورة, فسلمت
عليه, ثم وضعوا الأصفاد في معاصمنا والعصابة علي أعيننا وانطلقوا بنا إلي غزة,
ووصلنا إلي سجن غزة المركزي, ودخلنا المعتقل وانطلقوا بنا إلي غرفة رقم واحد من غرف
«الترحيل» كما يطلق عليها المعتقلون, وهي غرفة تابعة لقسم التحقيق ومعدة لاستقبال
الشباب الذين فرغوا من التحقيق وأصبحوا جاهزين لترحيلهم إلي أقسام المعتقل في غزة
أو إلي معتقلات أخري, ومن هنا بدت علينا الدهشة فقد كنا نعتقد أننا ذاهبون إلي
التحقيق ومن يذهب إلي التحقيق فلا يجلس في هذه الغرفة ولكن يصعد فورًا إلي قسم
التحقيق, كما أننا لم نغير ملابسنا والعادة كما عهدناها أن من يدخل التحقيق أو
المعتقل يخلع ملابسه في مخزن الأمانات ليلبس ملابس السجن أو التحقيق ولكن هذا لم
يحدث, ولقد وجدنا بعض الإخوة الكبار قد سبقونا إلي الغرفة, وأدهشهم حضورنا كما
أدهشنا وجودهم, فأخذنا نفكر في سبب وضعنا في هذه الغرفة ولكن دون جدوي, وبعد ساعات
قلائل فتحوا باب الغرفة وطلبوا منا الخروج وانطلقوا بنا خارج قسم التحقيق إلي ساحة
المعتقل الداخلية حيث إن هناك غرفة انتظار يجلس فيها المعتقلون الذين يحضرون من
سجون أخري للمحاكمة فقد كانت المحكمة في مدينة غزة, ووجدنا أنفسنا في الغرفة: أحد
عشر رجلا من بيننا أربعة من مؤسسي حركة حماس, فتوقعنا أن يكون الأمر عملية إبعاد,
ولقد درج الحال الذي كان عليه المبعدون من قبل أن يقدموا استئنافًا إلي المحكمة
العليا لدي العدو الصهيوني, وكان ذلك من شأنه أن يؤخر عادة عملية الإبعاد ولا
يلغيها, حيث إن المحكمة الصهيونية العليا كانت مسيسة ومحكومة بقرار سلطات الاحتلال
فكانت بالتالي تعتمد قرار الحكومة, ودورها في مثل هذه الحالات لم يكن إلا شكليًا أو
مسرحيًا, وهنا اقترحت علي الإخوة ألا نقدم طلب استئناف, فقالوا: ولًمَ? فقلت: إن
قضيتنا سياسية ولا يجب أن تتحول إلي قضية قانونية قضائية, ونحن ينبغي ألا نعترف
بمحكمة صهيونية تابعة لدولة لا نقر بشرعيتها قامت علي أرض المسلمين المغتصبة, كما
أننا مجرد أن نقدم الاستئناف فكأننا أعلنا قبولنا بقرار الإبعاد غير الشرعي لأننا
ارتضينا حكم هذه المحكمة الصهيونية لنا أو علينا, ونحن نعلم سلفًا أن قرار المحكمة
لن يكون في صالحنا, فوافق الإخوة علي عدم تقديم استئناف.
رحلة العذاب
ولكنهم علي خلاف المرات السابقة لم يعطوا فرصة للاستئناف, فبعد يومين من مكوثنا في
غرفة الانتظار تم وضعنا في باصات وقد كُبلت أيادينا من الخلف وعُصّبت أعيننا
وانطلقت بنا الباصات ولكن لا ندري إلي أين? وقد غلب علينا الظن أننا ذاهبون إلي
معتقل النقب خاصة أنه لم تجر علينا الإجراءات التي عومل بها من أُبعد قبلنا, فعدم
اتباع الروتين السابق في عملية الإبعاد ألغي احتمالية الإبعاد من أذهاننا, وانطلقت
بنا الحافلات تسير أحيانًا وتتوقف أحيانًا أخري ونحن علي ما نحن عليه من قيد
وتعمية, والوقت يسير ببطء شديد, ولقد نال منا الإرهاق وطول السهر والقيد الذي يكبل
معاصمنا من الخلف منالا, فلا نستطيع الجلوس في وضع مريح ولا نستطيع النوم, ولم
نتناول طعامًا ولا شرابًا, ومُنعنا حتي من قضاء الحاجة, وكنا نصلي صلاة فاقد
الطهورين فلا وضوء ولا نستطيع التيمم فأيدينا مكبلة من الخلف, وصلاتنا كانت إيماء
فلا ركوع ولا سجود, وكانت إلي غير القبلة فكنا لا نعلم في أي اتجاه تتجه بنا
الحافلات, ومرت ست وثلاثون ساعة ونحن علي هذا الحال, والباصات استمرت متوقفة عن أي
حركة لمدة زادت علي أربع وعشرين ساعة, وكل ذلك ونحن لا نعلم إلي أين هؤلاء الصهاينة
ماضون بنا, وفي اللحظات الأخيرة وضعوا في جيب كل منا مظروفا اكتشف بعضنا أن فيه
خمسين دولارا, عندها أدركنا أنا مبعدون عن الوطن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم.
بوابة «زامريا»
وفجأة فتحوا باب الحافلة وبدأنا في النزول واحدًا تلو الآخر وعند باب الحافلة يفكون
قيدنا, وينزعون العصابة عن أعيننا, فلما نزلت فوجئت بشاحنات تقف في ساحة أمامي وهي
مكتظة بأعداد كبيرة فذهلت لهذا المشهد لأنني لم أكن أتوقع وجود غيرنا أي غير الأحد
عشر ومعظمهم من قادة الصف الأول الذين كانوا معي في الحافلة, وبدأت أشعر بحجم
المأساة وهولها, وأخذ الإخوة من الضفة والقطاع وهم في الشاحنات يرفعون أصواتهم
بالتكبير, وصعدت إلي الشاحنة وكان الوقت بعد منتصب الليل, وكان البرد شديدًا لم
نألفه من قبل, وكان الإرهاق والجوع قد نالا منا منالا, وكان عدد الشاحنات ست
شاحنات, في كل واحدة منها ما يزيد علي سبعين مبعدًا, والشاحنات مكشوفة والمطر يهطل
علينا, وحاولت أن أمسك بصندوق الشاحنة لأثبت نفسي ولكنني شعرت كأن سكينًا شقت كفي
من شدة برودة صندوق الشاحنة فنزعت يدي علي الفور, ثم رجوت من حولي أن يعطوني فرصة
للقرفصاء وقد فعلوا رغم شدة الزحام وما هي إلا ثواني قليلة حتي أخذتني سنة من نوم,
لقد كانت فترة وجيزة جدًا ولكنها جددت حيويتي, وانطلقت بنا الشاحنات من معبر
«زامريا» الذي يمثل نقطة علي الحدود الشمالية للشريط الأمني الذي كان يسيطر عليه
العميل «أنطوان لحد».
الحلقة الأخيرة
في هذه الحلقة..
. سألني الصحفي الأمريكي: هل أنت نبي يوحي إليك?!
. كنا علي يقين بأن معاناتنا في مرج الزهور لن تضيع سدي
. أقمنا عشرات الدورات العلمية في جامعة ابن تيمية
. كان أكثر من نصف المبعدين خطباء مساجد!
وبعد مسافة تصل إلي عشرة كيلومترات وصلنا إلي أول نقطة للجيش اللبناني وتسمي «مرج
الزهور» وهناك توقفت الشاحنات وسمعت جنديًا لبنانيًا يهدد قائلاً: من ينزل من
الشاحنات سنطلق عليه النار, قائلاً: ممنوع عبور أحد حدود لبنان, فقلنا له: ونحن
أيضًا لا نريد العبور إلي لبنان, وهنا بدأت الشاحنات تعود إلي معبر «زامريا» من
جديد وبدأنا ندرك أن هذه المسافة التي عبرناها ثم رجعناها ثانية هي منطقة عازلة لا
سيادة لأحد عليها, وما أن وصلنا إلي المعبر حتي أخذ جنود الاحتلال -وكان معهم عناصر
من اللحديين «الذين يتبعون العقيد اللبناني المنشق أنطوان لحد»- بإنزالنا من
الشاحنات وأخذوا يطلقون الرصاص من فوق رءوسنا فسرنا بعيدًا عن المعبر لا ندري إلي
أين, ولكن كنا نسير علي طريق معبدة داخل المنطقة العازلة, وكنت في المقدمة فإذا
بأحد الشباب يصرخ: أين الدكتور «عبد العزيز»? فأجبته فقال: إن الشيوخ في المؤخرة
تداولوا الأمر فيما بينهم واختاروك وخمسة آخرين من إخوانك -أذكر منهم الشهيد «جمال
منصور»- لتقودوا المسيرة حتي يستقر بنا الحال, فإذا بضابط لبناني جاء في سيارة
مدنية وأخذ يصرخ علي الشاب فاقتربت منه وقلت له: هون عليك فلن ندخل لبنان, فقال:
إذن توقفوا هنا, وفعلاً طلبت من الإخوة أن يتوقفوا في المكان إلي أن ينبلج الصباح,
ولقد أحاط بنا بعض الصحافيين اللبنانيين الذين فهمنا منهم بعض الأمور حول المكان
الذي نحن فيه, ولقد كان البرد شديدًا والمطر متواصلاً, والأرض موحلة تحت الأقدام.
خطبة الجمعة الأولي في الإبعاد
وبزع نور صباح اليوم الأول في المنفي في منطقة «مرج الزهور» وكان يوم الجمعة
18/12/1992, ووجدنا أنفسنا في مكان ممهد لقيام الخيام والسبب في ذلك أنه كان موقعًا
للجيش, ولم يكن هناك مكان غيره في المنطقة العازلة يصلح لإقامة مخيم, ووجدنا علي
بعد أمتار منا شلالاً يفضي إلي نهر ولكن مياهه لم تكن خالية من الشوائب والطين,
وأيضًا لم يكن هناك علي الطريق الذي يشق المنطقة العازلة بالقرب من النهر سوي هذا
المكان, فتوضأ المبعدون وتهيأوا لصلاة الجمعة, واختارني الإخوة لأن أكون أول خطيب
في رحلتنا هذه, واختلفنا في كيفية الصلاة هل نصلي صلاة عادية أي هل نسجد كما نسجد
في صلاتنا أم نومئ برءوسنا دون أن نصل إلي الأرض وذلك بسبب السيول والأرض الموحلة,
ولكني ناشدتهم أن يسجدوا رغم الرخصة خشية أن تلتقط لنا الكاميرات صورًا يستغربها
الناس الذين لا يعرفوننا بعد, ولا يعرفون أننا نصلي فوق الأوحال, وأهم ما ذكرت في
خطبة الجمعة شكري للموقف اللبناني الذي أغلق الباب في وجه المبعدين وأثنيت علي
الحكومة اللبنانية ثناء عطرًا, وأعلنت أننا لن ندخل لبنان مبعدين, وأننا سنتجذر في
هذا المكان الموحش والموحل حتي نعود إلي فلسطين, وناشدت دولنا العربية أن تدعم
موقفنا هذا وألا تخذلنا, وطالبت بوقف المفاوضات, وفضحت ممارسات الاحتلال.
الثبات علي الموقف
وأعتقد كثير من الصحفيين أن موقفنا المعلن هذا فقط من باب المزايدة والمبالغة
الفارغة, وأننا بعد أيام قلائل سنتخذ موقفًا آخر, بينما كنا نقول لهم: الأيام وحدها
ستبين لكم أننا شيء مختلف عما عهدتم, وأننا نمط آخر لا لشيء إلا لأننا نؤمن بأن
الله معنا, وأن ما نقوم به من تحمل للمشاق هو جهاد في سبيل الله, وأن معاناتنا لن
تضيع سدي, كما نؤمن بأن الضمانة الوحيدة لعودتنا إلي الوطن هي ثباتنا في هذا
الموقع, وإلا فستكون النتيجة كارثة إبعاد 416 من بينهم أكثر من 200 خطيب مسجد, ومن
بينهم أساتذة جامعات, وأطباء, ومهندسون, وصيادلة, ومدرسون, وطلاب, ولو تمكن اليهود
من إبعادهم فعندئذ ستلحق بهم مضطرة أسرهم ليصبح المبعدون بالآلاف, وسيبقي بعد ذلك
باب الإبعاد مشرعًا يفرغ فلسطين من أصحابها الشرعيين, فلا غرابة إذن أن يقول أحد
شيوخنا الأستاذ «عبد الفتاح دخان»: علينا أن يعض كل منا علي صخرة في مرج الزهور حتي
يرجع إلي وطنه أو يدركه الموت وهو علي ذلك.
ولقد بدأنا فورًا بتشكيل اللجان المختلفة وإعادة تشكيل القيادة لتمثل مختلف المناطق
الجغرافية لجذور المبعدين, فكانت هناك لجنة إعلامية قامت بانتخابي كناطق إعلامي
باسم المبعدين, وكانت لدينا لجنة ثقافية, وهندسية, وطبية, ودعوية, ولجنة للأرشيف,
وتموينية, وتنظيمية إدارية, وأقمنا جامعة أطلق عليها جامعة ابن تيمية كانت تدرس
الطلاب وتمتحنهم وتعتمد درجاتهم في جامعاتهم داخل الوطن, وأقيمت عشرات الدورات
للمبعدين, وأقمنا لجنة أمنية, وأخري للحراسة, وكانت لدينا أيضًا لجنة فنية, وغير
ذلك من اللجان, فانتظمت حياتنا واستقرت وقد أقمنا منذ اليوم الأول خيامًا, كما
أقمنا مسجدًا, وكان أول من أغاثنا بالخيام الجماعة الإسلامية في لبنان, وبعد ذلك
قام الصليب الأحمر بإحضار أعداد كبيرة من الخيام, وتطور حالنا فيما بعد فأحضرت لنا
إيران العديد من الوسائل التي قللت من المعاناة, فبالإضافة إلي بعض الخيام, أحضرت
لنا مولدًا كهربائيًا أنرنا من خلاله الخيام والطرقات بين الخيام, وتمكنا بواسطته
من مشاهدة التلفاز الذي أحضرته إيران, وكذلك زودتنا بسيارتين لنقل المواد
التموينية, وساهمت في الإمداد بما نحتاج إليه من مواد تموينية, وفتحت مستشفياتها في
لبنان لعلاج الحالات المرضية, كما أحضرت هاتفًا لاسلكيًا ساعدنا في الاتصال بذوينا
في الداخل, كما أن الفصائل الفلسطينية علي اختلاف مشاربها ساهمت بدور مشكور في مد
يد العون لنا, وكذلك بعض الإخوة الأثرياء في لبنان السيد «نزيه البقاعي» الذي زارنا
كثيرًا وأحضر لنا كميات كبيرة من الفواكه والخضار, ولقد شعرنا بأننا بين إخواننا,
وأهلنا, وكانت تزورنا وفود من كافة الفصائل الفلسطينية, وكذلك اللبنانية وعلي رأسها
الجماعة الإسلامية (حزب الله), ولقد زارنا العديد من الشخصيات من أمثال فضيلة مفتي
لبنان, وكذلك فضيلة الأستاذ «فتحي يكن», وكذلك فضيلة الشيخ «فيصل مولوي», وكثيرًا
ما زارنا الأستاذ «إبراهيم المصري», وكذلك الحاج «محمد سعيد صالح», ومن أبرز من
زارنا من الدول العربية كان فضيلة الدكتور «أحمد الملط» والدكتور «عصام العريان»
والأستاذ «سيف الإسلام حسن البنا» ابن الإمام الشهيد رحمه الله, والشيخ «ياسين
الإمام» نائب الأمين العام للجماعة الإسلامية في السودان الشيخ الدكتور «حسن
الترابي», كما زارنا وفد نقابة المهندسين من جمهورية مصر العربية, ووفد من الصحفيين
الأردنيين, ولقد تردد علي المخيم الإخوة أعضاء المكتب السياسي لحركة المقاومة
الإسلامية (حماس), كما زار المخيم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الشهيد «فتحي
الشقاقي», وقد زارنا أيضًا وفد من الإخوان المسلمين في الأردن, وهمَّ الأمين العام
لجامعة الدول العربية الدكتور «عصمت عبد المجيد» بزيارتنا إلا أنه لم يتمكن بسبب
التدخل الأمريكي.
مختار مرج الزهور
عندما أقمنا في هذا الموقع توجس الناس منا خيفة, ومعهم كل العذر في ذلك فقد شاهدوا
من الممارسات السيئة لبعض الفلسطينيين في السابق ما رسم صورة سيئة للفلسطيني في
أذهانهم, ففي إحدي المسيرات التي قمنا بها باتجاه قرية مرج الزهور حيث الحاجز
اللبناني, وكان هدف المسيرة الوصول إلي الحاجز لنسلم رسائل عدة موجهة إلي الرؤساء
العرب, وما أن اقتربنا من القرية حتي استقبلنا مختارها السيد «أحمد عبد اللطيف»
بطريقة سيئة, وكان رجلاً مسنًا وذا شوارب ضخمة, وكان لا يسمع, وقال لي أمام
الصحفيين: عودوا من حيث أتيتم, لا يوجد لدينا خبز نقدمه لكم, وحاولت جهدي أن أشرح
له الأمر وأننا لن ندخل القرية ولكن عبثًا, لقد كان ثائرًا وغاضبًا وفشلت في الحديث
معه, فما كان مني إلا أن أعطيت الرسائل له علي وجه السرعة ورجوت الصحافة ألا ينقلوا
هذه الصورة السلبية التي لا تعبر عن حقيقة الصورة اللبنانية الجميلة, ومضت الأيام
وكنت ذات يوم أجلس في الخيمة وإذا برجل يركب حمارًا وقد تقنع بلثام كرجال الطوارق
وطرح السلام, ثم قال: أتعلم من أنا? فقلت: لا, فأماط اللثام وإذا به المختار وقد
جاء معتذرًا وأحضر معه شيئًا من التين, وجلس معي وكان متهلل الوجه سعيدًا بنا وأكثر
من الاعتذار وطلب المسامحة, ويوم عودتنا ذهبت إليه في منزله مودعًا فبكي بكاء مرًا,
وقال: لقد كنتم شرفاء, عالجتم مرضانا, (وقد كان أطباؤنا العشرة يستقبلون المرضي من
القري المجاورة ويعالجونهم ويعطونهم الدواء مجانًا), وأضاف المختار: وساعدتمونا
وحافظتم علي عرضنا, وقد قام الشباب بقطف الزيتون في ساعات قلائل وكذلك بحصد القمح
وكنا نفعل ذلك لله ونشترط عليهم أن تعود النساء إلي البيوت حتي لا يختلطن بشباب
المخيم, وعلمتمونا (وقد كان علماؤنا يذهبون إلي مسجد القرية ويعطون المواعظ فيه),
وحافظتم علي حياتنا (وقد كان بعض الفلسطينيين في السابق قد أزهقوا بعض الأرواح
ظلمًا وعدوانا), وأخذ يبكي ويقول: لن ننساكم, لقد غيرتم صورة الفلسطيني المشوهة
التي كانت عالقة في أذهاننا, وودعته وكلي حزن لفراقه, قرية «مرج الزهور» تلك كانت
هي القرية السنية الوحيدة بين القري المحيطة بنا, ولكن علاقتنا بالناس امتدت لتصل
إلي قري شيعية وأخري درزية.
مصالحة تاريخية
في ضيعة صغيرة مجاورة لنا تسمي «المزرعة» كان يقيم رجل مسن يدعي «أبو علي» وهي ضيعة
شيعية, وكان لأبي علي ابنة تزوجت من شاب يمني يعمل ضابطًا في الجبهة الشعبية
القيادة العامة, ومنذ زواجهما الذي مضي عليه ثلاثة عشر عامًا لم يستقبل أبو علي
ابنته وزوجها, فلم يرها ولم ير زوجها ولم ير أبناءها وبناتها, وكان أبو علي يرفض
بشدة استقبالهم, ولقد علم أحد المبعدين الأخ «حمزة كنفوش» بالقصة من الضابط اليمني
الذي تعرف عليه عن طريق بعض الزملاء الذين كانوا مع «كنفوش» في المعتقل ثم تم
تحريرهم في تبادل جري عام 1985, وشكا الضابط له همّه وهمّ زوجته التي تتمني رؤية
والدها ووالدتها وإخوتها, ولقد تدخل من قبل عدد من كبار القيادات في المقاومة
الفلسطينية لدي أبو علي ولكن دون جدوي.
وتعرف «كنفوش» علي «أبو علي» وأقام علاقة معه, وفاتحه في الأمر فثار «أبو علي»
وأزبد وأرعد وأقسم أيمانًا مغلظة أنه لن يصالحهم أبد الدهر, فقال له «كنفوش»: سأخبر
الدكتور «عبد العزيز» في الأمر وسأجعله يتدخل لحل هذه الأشكالية, ورفض العجوز إلا
أنني توجهت إلي بيته بعد أن أخبرني «كنفوش» بالقصة, فوجدت أن أمها تتمني رؤية
ابنتها وأحفادها, وتحدثت مع العجوز «أبو علي» إلا أنه تشنج وبشدة, فقلت له: سأحضر
بعد أسبوع ومعي ابنتك وأنجالها وزوجها وما عليك إلا أن تمنعنا من دخول البيت.
وبعد أسبوع فعلاً توجهت أنا برفقة الضابط وزوجته وأولاده إلي بيت «أبو علي» وأوصيت
الضابط أن يستوعب ويصبر حتي ولو شتم فوعدني خيرًا وكان شابًا طيبًا دمث الخلق, وكان
معي أيضًا الأخ «كنفوش» وفوجئ أبو علي بقدومنا, وقد استقبلنا عند البيت بعض رجال
الضيعة وهم من أصهاره وأقربائه وذلك بتدبير من الأخ «كنفوش» فلم يستطع العجوز إلا
أن يسمح لنا بالدخول, فقلت له: صافح ابنتك وزوجها وأحفادك وقبّلهم فهاج وماج وأزبد
وأرعد وأخذ يشتم ابنته وزوجها وأبي أن يصافحهم, ورغم ذلك دخلنا في غرفة الاستقبال
وتعمدت أن أجلس بينه وبين صهره بينما ابنته كانت في ضيافة أمها التي تهلل وجهها
وفرحت فرحًا شديدًا بها وبأحفادها, وأخذنا نتحدث ولكن العجوز يرتعد وبين لحظة وأخري
يثور, واستمر الحال كذلك إلي أن أحضروا لنا العشاء, فرفضت تناول الطعام وهمست في
أذن رجال الضيعة أنني سأخرج غاضبًا وعليهم ألا يسمحوا لي بالخروج, وفعلاً نهضت فجأة
وقلت له: أنا ذاهب إلي المخيم وأشكرك علي حسن استقبالك وخرجت فخرج رجال الضيعة خلفي
وأخذوا يقرعونه بالقول, ويسألونه: كيف تغضب الدكتور بهذه الطريقة? فرجاني أن أعود
فأبيت, فقال لي: ماذا تريد? فقلت: أن تقبلهم فرفض وقال: ولكن أصافحهم فقط فوافقت,
وفعلاً تمت المصافحة ولم يعد هو متوترًا, وعند تناولنا العشاء فوجئت أن هناك قطعًا
من اللحم النيئ غير المطبوخ, وكذلك كبدة لم تمسها النار فأخبروني عندما تساءلت أن
قطع اللحم النيئ شهية مع الملح ولكني لم أستطع تناولها, فأكلت مما هو مطبوخ, ولقد
تبين لي فيما بعد أن اللبنانيين علي اختلاف طوائفهم يأكلون اللحم غير مطهي دون أن
تمسه النار.
وبعد العشاء هدأت النفوس فرجوته أن يقبّل صهره ففعل, ثم قبّل ابنته وأحفاده, وهنا
أردت أن أخرج فقلت للضابط :أنت تستطيع أن تعود إلي عملك وتترك زوجك وأبناءك في
البيت مع والدها ووالدتها فلم يرفض العجوز, ولكن ابنته فورًا همست إليّ بأن يبقي
زوجها معها خشية من أن يبطش بها والدها بعد انصراف زوجها, فقلت: للضابط: هل أنت
مجاز? قال: نعم, قلت: إذن فابق مع زوجك, فلم يعترض العجوز أيضًا ثم انصرفت.
وفي الصباح إذا بالعجوز وصهره يحضران إلي المخيم وهما في منتهي السعادة, وقد ارتسمت
علي شفاههما ابتسامة عريضة, فسألتهما: كيف أمضيتما الليلة? فقال العجوز مبتهجًا:
كنا نلعب «الورق» أي «الكوتشينة», وقد بيّن لي العجوز أنها كانت أسعد ليلة في
حياته, ولقد كتبت الصحف عن المصالحة بإسهاب, حتي الصحف الفلسطينية داخل فلسطين
المحتلة تطرقت إلي القصة في حينها.
المجتمع الأمريكي العجيب
أحد الصحفيين الذين زارونا في المخيم كان شابًا هنديًا مسلمًا يحمل الجنسية
الأمريكية واسمه «ياسر», ولكنه كان صاحب فكر ومبدأ, وكان منتميًا لجماعة الإخوان
المسلمين, وهذا بالطبع أحدث بيننا وبينه ألفة كبيرة, وقبل أن يحضر إلي لبنان كان
يغطي أخبار البوسنة لصالح إذاعة أمريكية, ولما جاء إلينا أحضر معه مبلغًا من المال
تجاوز المائة دولار بقليل إن لم تخني الذاكرة, وقال لنا إن هذا المبلغ هدية مقدمة
لكم من أطفال البوسنة, ولقد قمنا علي إثرها باستنهاض الهمم لنجمع من المبعدين ما
تجود به أنفسهم من أموال لصالح أطفال البوسنة, ولقد تمكنّا من جمع مبلغ بالآلاف إلا
أني لا أذكر قيمته الآن, وهذا المبلغ تبرع به المبعدون من مصروفهم الشهري الذي كان
يأتيهم من الحركة الإسلامية, وفي خيمتي جلس الصحفي المحبب إلي قلوبنا وعقد معي لقاء
صحفيًا, ولقد أذهلني عندما توجه إليّ في نهاية اللقاء متسائلاً: هل أنت نبي? فقلت:
لا, فقال: هل يتنزل عليكم وحي من السماء? فقلت: لا, ثم أنهي اللقاء.
وتوجهت إليه متسائلاً بعد نهاية اللقاء: لماذا سألتني هذه الأسئلة الغريبة? فقال:
أنا أخاطب المجتمع الأمريكي, وهناك خواء روحي عجيب, وكثير منهم يعتقد أن ثباتكم بين
الصخور والثلوج لا يمكن أن يكون إلا بوحي, ويعتقدون أنك نبي جديد, ولذا أردت أن
أبيّن لهم الحقيقة, وقال لي: لو قلت إنك نبي لوجدت أعدادًا كبيرة دخلوا في هذا
الدين الجديد.
لقد غادرنا هذا الصحفي المسلم بعد أن مكث معنا عدة أيام, ولقد علمنا بعد ذلك ونحن
في مرج الزهو أنه قد استشهد في البوسنة رحمه الله رحمة واسعة.
المصدر: جريدة آفاق عربية...