New Page 1

"علي عزت بيجوفيتش"... الرجل الدولة!!

لطفي عبداللطيف

ورحل "أبوبكر" واقفاً.. مقتدياً بالسلف الصالح وزعماء الأمة وقادتها، لم يحن رأسه، ولم تلن له قناة، ولم تفت عضده المحن والابتلاءات والأمراض.

مات الرئيس "علي عزت بيجوفيتش" (78 عاماً) مدافعاً عن دينه وعقيدته واسلامه وحضارته وثقافته وشعبه، حتى آخر لحظة في عمره، بعد أن طلق رئاسة الدولة، واستقال من رئاسة الحزب الذي أسسه وقاد به بلاده في أصعب المحن (حزب العمل الديمقراطي)، وعاش إنساناً بسيطاً فقيراً، في بيت متوسط الحال، وداخل جدران مكتب أكثر بساطة، يقتات ممَّا يقتات منه البوسنيون، ويعيش كما يعيش الفقراء والمستضعفون من أبناء البلقان.

ذهب "المفكر" و"القانوني" و"الزعيم".. مات "أبو الشعب البوسني" مؤسس أول جمعية إسلامية في البوسنة "الشبان المسلمين" ولم يتجاوز عمره الستة عشر عاماً، وصاحب "البيان الإسلامي" و"عوائق النهضة الإسلامية" و"الإسلام بين الشرق والغرب" و"هروبي إلى الحرية"!!

ذهب الرجل الذي وصفه ديكتاتور يوغسلافيا السابق "جوزيف بروز تيتو" لديكتاتور مصر السابق جمال عبدالناصر بأنه "أخطر رجل في تنظيم إسلامي عالمي" عندما سأل الأخير (تيتو) أثناء زيارته ليوغسلافيا، مستفسراً "من هو علي عزت بيجوفيتش..؟!" وكان وقتها ـ بيجوفيتش ـ مجرَّد محام بسيط، يناضل من أجل دينه وعقيدته، فيكتب المقالات، ويلقي المحاضرات، ويتحرَّك بين أبناء البوشناق ليوقظ فيهم روح الإيمان، ويعلي الهمم، ويربطهم بعقيدتهم، متصدياً لقهر الشيوعيين، وحملات التشويه ومسخ الأدمغة التي كان يقودها الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، خاصة ضد المسلمين.

وقفات للتاريخ..

سيتوقف التاريخ طويلاً أمام شخصية هذا القائد المسلم، الذي فقده البوسنيون ـ كأب روحي وزعيم وقائد لهم ـ وفقده أبناء البلقان لأنه أول من صدع بالإسلام بصوت عال في مواجهة النازيين والشيوعيين والصرب والكروات، وقبل التحدي.

فقده المسلمون جميعاً مفكراً، ومنظراً وصاحب مؤلفات سدَّت ثغرات في المكتبة الإسلامية، وسيتوقف التاريخ طويلاً أمام مقولات الرجل التي قالها في لحظات فاصلة في حياة شعبه، ولعلَّ أخطرها التي عبَّر بها عن هوية البوسنة الإسلامية "هدفنا أسلمة المسلمين.. ووسائلنا هي الإيمان والكفاح"، ومقولته الشهيرة عندما حاول الصرب والكروات الانقضاض على البوسنة وتقسيمها بينهم، فقال: "لقد انتهى إلى الأبد ذلك الأوان الذي يتقرر فيه مستقبل البوسنة دون إرادة مسلميها"، ومتحدياً الشعار الذي رفعه مجرم الحرب ـ رئيس يوغسلافيا في ذلك الوقت ـ سلوبودان ميلوسوفيتش "كل صربي في أمة صربية واحدة" وطموحات الكروات الصليبية في "إقامة كرواتيا الكاثوليكية الكبرى"!!

وبمرارة شديدة ـ عندما فرض على المسلمين اتفاق "دايتون" ـ قال الزعيم علي عزت بيجوفيتش "هذا ليس أفضل ما نحصل عليه.. ولكن شيء أحسن من لا شيء"، لقد تجرَّع "بيجوفيتش" و"الشعب البوسني" الاتفاق الذي فرضته أمريكا والدول الأوربية كما تجرعوا "السم" بعد أن خذلوا من الجميع ولم يجدوا من يقف بجانبهم..!!

البداية والجهاد..

وحياة الزعيم البوسني علي عزت بيجوفيتش حافلة بالجهاد والنضال والكفاح والسجون والمعتقلات والحصار والتهديد بالقتل، ولكنه تحدى كل ذلك وانحاز إلى دينه وشعبه وقضيته، وشكَّل معادلة صعبة للأوربيين، بل للغرب عموماً، بعد أن قاد جهاد البوشناق في البلقان ضد الصرب الأرثوذكسي والكروات الكاثوليك، ممَّا أصاب الغرب بالهلع، وجعل الكنائس الأرثوذكسية في روسيا تقرع الأجراس لحشد المرتزقة الروس ونقلهم إلى صربيا لقتال شعب أعزل محاصر.

ولد "بيجوفيتش" في مدينة "بوساناكروبا" شمال غربي البوسنة، في أسرة إسلامية عريقة، لها جذور تاريخية، وكانت ولادته في عام 1925م، والمعروف أنَّ الإسلام دخل البلقان بعد معركة كوسوفا المشهورة في عام 1389م، والتي انتصر فيها الفاتحون العثمانيون على الصرب، ودخل البوشناق في الإسلام، وعاشوا في كنف دولة الخلافة العثمانية أكثر من أربعة قرون، ولأسباب مختلفة هُزم العثمانيون وزال حكمهم وعادت المنطقة تحت سيطرة الصرب.

لقد شبَّ "بيجوفيتش" ليجد أمامه تحدياً ثقافياً وحضارياً خطيراً، فعداء الصرب على الإسلام وحالة العداء التاريخي من الغرب للمسلمين، كادت أن تعصف بكلّ ما هو إسلامي في البلقان، لا في البوسنة فقط.

ووسط هذه الأجواء تعلَّم "بيجوفيتش" أنَّ قوته في دينه وعقيدته وثقافته وهويته، ففي المدرسة الثانوية الألمانية التي التحق بها في سراييفو، كان شعلة من النشاط والحيوية، لم يخف أنه مسلم، وأنَّ دينه الإسلام، بل أسس مع زملائه جمعية "ملادي مسلماني" أي "جمعية الشبان المسلمين" ولم يكن عمره في ذلك الوقت يتجاوز (16) عاماً، واقتصر دور الجمعية في البداية على تجميع الطلاب المسلمين وتوعيتهم وتثقيفهم، ولكن توسَّع بعد ذلك ليشمل العمل الخيري.

وتأثر "بيجوفيتش" بالطلاب البوسنيين الذين ذهبوا إلى مصر، والتحقوا بالأزهر، وتلقوا تعليماً إسلامياً، وتعرَّفوا على جماعة "الإخوان المسلمين" التي تأسست في مصر عام 1928م على يد الشيخ حسن البنا، والتي طرحت منظوراً إسلامياً شاملاً، بأنَّ "الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، مصحف وسيف"، فأثر هؤلاء الدارسون بعد عودتهم على فكر وثقافة جمعية الشبان المسلمين البوشناق، وعلى "بيجوفيتش" شخصياً، ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل انفتح "بيجوفيتش" على التجارب الإسلامية في باكستان وإندونيسيا وكتابات "المودودي" و"الندوي" ومنهاج الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية في العمل، واستطاعت "الشبان المسلمين" البوشناق جذب الشباب المسلم المثقف في جامعة سراييفو، حيث كان "بيجوفيتش" يدرس القانون.

النازيون.. والشيوعيون

وكان أول إعلان للتحدي من الشباب المسلم البوسني، إزاء الاحتلال الألماني ليوغسلافيا (أبريل 1941)، وتأسيس حركة "الأشتاشا" النازية، ومحاولتها اختراق الشباب اليوغسلافي، فقد كان لـ "بيجوفيتش" و"الشبان المسلمين" الدور الأكبر في مواجهة هذه الجمعية ونشاطها، ونادت بتحريم انخراط المسلم في جمعية نازية، وهو ما جعل الألمان يحاربونها بقوة ويرفضون الترخيص لها بالعمل.

وفي إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، وما حدث على الساحة الأوربية، من انهيار معسكر المحور وانتصار الحلفاء، وتقسيم أوربا إلى شرقية وغربية، نشأ الاتحاد اليوغسلافي في أواخر عام 1945م، وتكوَّن من ست جمهوريات إضافة إلى إقليمين يتمتعان بالحكم الذاتي، في هذه الفترة كان "بيجوفيتش" ما زال يدرس في كلية الحقوق، وبدأت الشيوعية تعمل بقوة وبدعم من الاتحاد السوفيتي، وكما واجه النازية بدأ في مواجهة الشيوعية، وتعرَّض خلال دراسته للسجن والاعتقال أكثر من مرة.

وكانت حرب الشيوعيين على الإسلام أشدّ ضراوة، فأغلقوا المساجد وجرموا اقتناء المصحف، وحولوا المدارس الإسلامية إلى بارات وملاه، وضيق على المسلمين في كل مكان، ولم يجد "بيجوفيتش" بداً من استمرار العمل حتى من خلال المؤسسات الدينية التي كانت جزءاً من الدولة، فوثق علاقته مع رئيس جمعية العلماء، ومد جسور التواصل مع المثقفين المسلمين وعلماء الدين الرسميين، وبدأ ينشر سلسلة من المقالات باسم مستعار في مجلة "تاكفين"، التي كانت تصدرها جمعية علماء المسلمين.

التحرر من الشيوعية

وبعد وفاة "تيتو" 1980م بدأت يوغسلافيا في  التحرر من القيود الحديدية الشيوعية، فنشط "بيجوفيتش" وأنصاره، وقام ابنه "أبوبكر" بتجميع سلسلة مقالات نشرها "بيجوفيتش" وأصدرها في كتاب "البيان الإسلامي"، الذي أثار ضجة كبيرة من قبل الشيوعيين، واعتبر بمثابة (إعلان) لدولة إسلامية في البلقان، فتمَّ القبض عليه ومحاكمته وحكم عليه بالسجن أربعة عشر عاماً وذلك في عام 1983م، وعلى رغم ذلك انتشر الكتاب سراً بين المسلمين، وبدأ الشباب المسلم في حلقات ضيقة يتدارسونه ويناقشونه ويطرحون العديد من التساؤلات حول مستقبلهم وهوياتهم.

وكانت المفاجأة الأكبر للمسلمين في البوسنة ظهور كتاب بيجوفيتش"الإسلام بين الشرق والغرب" الذي استغرق تأليفه سنوات، وتمَّ تهريب أصوله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لينشر للمرة الأولى عام 1984م، والذي قدَّم فيه عصارة فكرة ونظرته للحضارة الأوربية، وما تعانيه من مشكلات والحلول لها.

ومن أبرز أفكاره: إنَّ عداء الغرب للإسلام هو امتداد لحالة العداء للدين بصفة عامة، ولذلك يرى "بيجوفتش": أنَّ الإسلام هو الأيدولوجيا الوحيدة ذات القطبية الثنائية (المادة والروح) لحل تناقضات الغرب، وأنَّ تطبيق الإسلام سينجح حتماً في مجتمع متقدم مثل الغرب، ويرى "أنَّ قوة الغرب لا تكمن في أسلوب حياته، وإنَّما في أسلوب العمل" ووجه انتقادات شديدة لدعاة التغريب الذين لا يقتبسون من الغرب إلا أنماط الحياة الاستهلاكية من ملابس ومعيشة.

سقوط الوهم.. وإعلان الحرب

وفي إثر انهيار الشيوعية بدأت حروب القوميات، فالكروات يحلمون بدولة كرواتيا الكبرى، والصرب يريدون الهيمنة، وأخذت أحلام الامبراطوريات تراود الاثنين، وهنا أدرك "بيجوفيتش" خطورة الموقف، فأعلن تأسيس "حزب العمل الديمقراطي" في البوسنة، بعد السماح بالتعددية الحزبية، وأجريت انتخابات وتولى "بيجوفيتش" رئاسة البوسنة، ولكن كانت المشاعر القومية المتطرفة ـ الصرب والكروات ـ بدأت في الظهور، فأعلنت كرواتيا وسلوفينيا الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، وهنا أدرك "بيجوفيتش" أنَّ الحرب قادمة، وأنَّ صفقة بين الصرب والكروات تتم، فقدم حلاً وسطاً للحفاظ على الاتحاد اليوغسلافي، بإقامة "فيدرالية متناسقة" بين الجمهوريات الست، ولكن رفض اقتراحه، واندلعت الحرب بين صربيا وكرواتيا، وتسارعت الخطوات فأعلن "بيجوفيتش" استقلال البوسنة، وأجرى استفتاء في البلاد قال فيه 62.5% بالاستقلال، ولكن الأوربيين رفضوا الاعتراف به، وبدأت الحرب، ليجد بيجوفيتش وشعبه أنفسهم محاصرين، وتمارس عليهم حرب شعواء وتنقية عرقية لم تعرف أوربا لها مثيلاً، ووقف الغرب ليشاهد نهاية البوسنة والوجود الإسلامي، ولكن البوسنيين قبلوا التحدي ودافعوا عن أرضهم وأعراضهم، ودفعوا الثمن غالياً (350) ألف قتيل واغتصاب آلاف النساء، وخسروا ثلاثة أرباع أرضهم، وبعد أن بدأت كفة الحرب تميل لصالح المسلمين تدخل الأوربيون بقوة، ومن بعدهم الأمريكيون؛ لوقف الحرب وفرض اتفاق (دايتون) ليكافئوا المعتدين بالأرض والدعم.

ويستقيل "بيجوفيتش" من رئاسة الدولة والحزب، ويعود مواطناً عادياً يعيش بين شعبه وفي منزله المتواضع وبين جدران مكتبه محامياً عن شعبه.

جوائز.. وتقدير عالمي

وإذا كان "بيجوفيتش" حصل على الجائزة الكبرى بقيادة شعبه في أحلك الظروف؛ فإنه حصل على التقدير عالمياً، فقد حصل على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1993م، وحصل على لقب مفكر العام من مؤسسة "علي وعثمان حافظ" في عام 1996م، وجائزة الدفاع عن الديمقراطية الدولية من المركز الأمريكي للدفاع عن الديمقراطيات والحريات، وجائزة مولانا جلال الدين الرومي لخدمة الإسلام بتركيا، وجائزة الشخصية الإسلامية عن عام 2001م في الدور الخامس لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم.

رحم الله علي عزت بيجوفيتش، الذي رحل عن عالمنا بعد حياة حافلة بالعمل والعلم والجهاد.

 

المصدر:

http://www.lahaonline.com/FacPeople/a1-30-10-2003.doc_cvt.htm