عشرون عاماً، وقْتها ساعتي
تَكسّرتْ، وتَوقّفَ الزمن. أخطو بوهنٍ لائكي، فتصطكّ منّي النوافذ وتهرب
البنايات. الأشجار تأتي مكللة بالتعب البترولي. نسيتُ "الأمن القومي" في
أوراق المؤسسة. الكل يتراجع بينما أتقدم وحدي بطيئا صوب السـؤال. يستفـيق
حنيني وأتقادم في العزلة، وكلما اعترتْني رعشة مبهمَة تنتقل وتسري في
أحجار الطِّوار. ليست الأشجار هي آخر من يَعْلم. هي تتعمد الغفلة وتَدّعي
السكون .لصورة المدينة غثيان البحر، ولي جسدٌ يكتنفه عطش الغموض. أُحدِّق
في الفراغ فتلطمُني الجدران ويعاجلني الحديد. دار يتُ الموجة فداهمَني
الحَجَر. أتمادى في الهروب وأَسأل عن ظِلي. لم أَعرف طريقاً إلاّ و
طَويتُه. حتى المنعرجات تشبّهتْ بعروقي المتشابكة ، ومع ذلك أَنذَهل حين
أكتشف أني لم أصِل بعد. السيارات ما تزال غافية وأنا أدثرها من برد
الصباح. في المقابل أتعلق بوَهْم الرحلة وأشير إلى بؤرة المكان. ثمت من
يخاطبُ عمود النور وعينه مفطأة. حاولتُ التململ كي أمسك بالحلم. تحركتْ
سحابة من مستقرها وأعلنتْ مَجيء السماء. [ نحن أولى بالكشف عن خبايا
النهار، وهم لليل كالأحشاء] . ما زلتُ مسمّراً في مكاني والعين ترتطم
بالزوايا. آخر المنعطف، لكم افترى عليّ وتَستّر باللمعان. لم أجد فتنتي
على الكرسي. طاوعتُ خطوي فأوقعتْني الحيطان. مستطيلات الإفريز تروي حكايا
الليل وعربدة آخر السكارى . في الأركان المهمَلة ينْبطح مضمون الفواتير
الليلية. صور متقطعة تخترقني من عمق ليلة البارحة؛
- مند يلٌ مطرّ ز بالشهوة
.
- عطرٌ غامض يدعو إلى
النشوة .
- عينان بِسِعة الحلم لهما
باعٌ في الغواية
- صحونٌ متعجرفة قادمة من
وراء البحار.
- كؤوس مزركشة لها الماء
عبادة .
- أفواهٌ فاغرة تطلب
الزيادة.
- ضحكات تجتاح الدّواخل
وتشعل العطش في الأنحاء.
- مفتاح فضي يرقد في باطن
الكفّ .
- العالَم يُختصَر في
زجاجة مستورَدة.
أخافُ إذا ما واصلتُ،
سَبتْني لعبة الألوان. أخاف إذا ما انعطفتُ أجدُها هناك. عشرون عاماً
وقتها ساعتي تكسرت وتحجر الزمن. أَخطو بعُسرٍ مستريب. دوارٌ ينتابني
فأتمسّك بفتوة البارحة وأغالب السقوط. أرمي بَصري فتصفعه الجدران . أشلاء
الجرائد تنعي الأخبار والثقافة وجلسات الشعر المجوسية. كل الأسماء لها
معنى واحد. زهرة القرنفل تبكي صُبحها المأتمي. تحكي عن لقاء المحبين
وانفصالها المطبوع بالأنين. تحكي عن غُربتها على الإسفلت مثلي وما قرّرت
تسميته بالهجانة. للعشاق غواية كأنها القتل. كل الأشياء طريق إلى النشوة
. حتى الأبواب جُعلتْ لاستنبات الشهوة، وسُمْك الحَجَر لا يتقن سوى
التغطية؛ سوى التورية عن عيون تُضاهي في حساسيتها أدق كاميرات التصوير.
(خسارتنا تكمن في التدثر بالوهم؛ وهْمُ التقادم في الفتوة). عشرون عاماً،
وقتها ساعتي تكسرت وتجمدَ الزمن. كثيرة هي الواجهات التي تغري أسماؤها
بالغثيان. أسماؤها تلك إنما تفصح عن ضحالة فكرية آسنة، وذكاء تجاري ماكر.
لن أسرد ها هنا بعضا منها. أخاف أن تهربوا كما البنايات وأظل وحدي أتقدم
بطيئا صوب السؤال. مارقة هي صباحات المدينة وماجِنٌ هو الليل. أتوج هامتي
ببياض ينحو الوقار./ البياض لغة من لا لغة له، والعزلة مبدأ اللقاء /.
هذه الأيام بدأتُ أسأل عن أصباغ تُمَوّهُ غُصّة الجسد وتغرقه في سواد
الشباب. لم أجد غير تربة موطني؛ أحجاره والأعشاب. أبدو في المرآة مثل
بربري مُجالد يدافع عن أرضه ضد الغزاة. كلب يمرق في آخر الزقاق. حمامة
يبصقها باب العمارة، وهي نصف ثملة. تراني أخطو في المرآة فتطير سكرتُها.
لم أر قبلئذ أسرع منها في الهرولة. تبدو كمن لدغتْها نار المذكَّر،
فخرجتْ من أُنثاها الغارقة في الكحول. ظنّتْني الطيف الذي عَجّل الصباح.
رائحة الخمرة ما زالت تطوّقني وتحبس أنفاسي. ما كنتُ سوى الليل الذي هرّ
ب جذوة الصباح وخبّأَ الشمس في كأس دامعة. أمي كانت تحُثّـني على قراءة
الألطاف كلما دخلتُ كوخنا جارّاً ورائي البحر. ياه ، لكم كنتُ شقيّا.
أُوهمُها بالامتثال فيما أنا أُخرِج من جيبي ذيول الشمس، وأُردِّد كلمات
بعثها رامبو من جحيمه في الأبدية. تذكّرتُ هذا حينما رفع المصارع
الروماني كأسه في وجهي و«عنب المواسم الخصبة » يتدلى من عضلاته الدالية.
قال: اشرب قبل أن تشربك كما شربتني الحيطان. نحن أَوهَى من الحياة ومن
نشيدها المبتور، ولنا في كل خطوة موتٌ وحضور. أستطيع أن أَدُلكم على
اسمه، لكن وجهه الآن تغطيه شمس عذراء تُطل من كأسه المرفوعة في أعطاف
وجهي الغائم. لمنعرجات المدينة طابع المباغتة. قطة تبحث في وعاء القمامة.
أصرخ في الأبواب أن تنفتح، فتصطفق الطيقان. ليست الستائر السميكة إلا
هروباً معلناً نحو العزلة، لكن بمزاج نسخي. ما زلتُ أستطيع قراءة
العناوين. ورغم اعتصمي باللوحات النخاسية المثبتة في المداخل، فقد تخيلتُ
نفسي وأنا أحتسي « البَيْصار » في مقاهي "الشاون" وأحفر مع كل رشفة
قصيدة. كيف يحدُ ث أن تلتقي الجبال ولا تلتقي الرؤوس؟. وتيرة السهو ليس
لها مقياس هيرتزي بالذبذبات فوق الحمراء أو البنفسجية، لا يهم. آن
للإنسان أن يبتكر آلة لقياس النسيان. تحت كل سقيفة نجوم تائهة. وراء
الغيم نلتقي. ما زلتُ أستطيع قراءة العناوين، والموجة التي اندفعت
البارحة صوب الشاطئ اعتقلتْها الصخور. ها هي الشمس تخرج من الكأس، وطيور
البحر استفاقت من نومها وتنفّست العراء. نسيم البحر يختلط بلهاث المدينة
وزفير المجاري . أول الطيور حلق باكراً، ولم يَعُد . قيل بأن مؤسسة هنا
اعتقلتْه وجعلتْه رمزاً لها. كانت هذه رواية الصورة / الشعار، أما أنا
فقد وجدته منكمشاً هنا، في جيبي، حينما دسستُ يدي باحثا عن العشرين، وفي
رجله اليمنى خاتم « المعهد الوطني لمراقبة الهجرة ». قُلت، أُعيده، إلى
المرآة لتكتمل معالم الخريطة الغريبة. لم أعثر على المرآة، وظِلّي اختفى
هو الآخر. لكني أَدخلتُه الإثنين التي في حوزتي واحتفظتُ بالصفر. قامت
الطيور جميعها واختطفت مني الأخير. لم يبق لي رقمٌ أهدهده. عصيان الخطوة
مأخوذ بشكله، ومغبّة التوتر هي قطعاً ولادة مسترسلة. للكُساح الجسدي
بلسمٌ وحيد، هو السفر في الدواخل. تعجبني العتبات المجروحة. هي تشبهني
تماماً، وأنا أجد فيها العزاء. أجمل ما في صباح المدينة خواؤه. لو أني،
كما الآن، أكبرني بعشرين سنة أخرى لقلتُ: هي السفر في الجحيم، والانتحار
الجماعي لفلول النمل. ولقلتُ أيضاً: هي الهروب صوب الخنوع، وارتماء أهوج
في أحضان سلطة الموج؛ هي التدرّؤ بالوهم وافتتان بلون الغروب. هي شجرة
تهتز، فتسقط منها صور باهتة ليس فيها من الذكرى إلا النشيج. هي شهوة
التدمير وقد تستّرتْ بالضجيج؛ غير أني ميال إلى الكتمان. أشتاق إلى
الربوات وأتماهى في لون الخضرة. أخطو بعسرٍ كمن يداري الصاعقة، في الحلم.
أتسلل عبر أنساغي لأباغت أسطورة المعنى وهي ما تزال غافية. أمامي ساحة
خالية تشكو فقرها إلى الجمال. فجاجة الأذواق استشرت هذه الأيام. لن
أستطيع الإمساك بمكنوناتها في مثل هذه اللحظة. ورائي خطوي يزداد ثقلاً
كلما التفتُّ إليه. الماضي يخضرُّ كحائط غزتْه جزر الطحالب. والمستقبل
بناية شاهقة تنتفخ ثم تنفجر وتطير شظاياها في الفضاء. لن يتقدم الحاضر
أكثر. هنالك متاريس تحجب الرؤية وتقارع الجدران؛
[ أتحدث عن شمس سُرقتْ من
كأسها وذُبحت على الرصيف.
أتحدث عن خطو تلاشى في
البحث عن اليقين.
أتحدث عن مدينة قامت
قيامتها وأسرفتْ في الحَجر.
أتحدث عن زمن يرتدي لباس
المهرجين، ويبيع أوراق اليانصيب تخت بوابة الميتروبوليتان.
أتحدث عن فتنة إن مالتْ
صوبي الآن لن أقول آمين].
ما يمنعني من الوضوح هو
الحبل؟ حبل المودة أو حبل السّرة؛ حبل النجاة أو حبل الغسيل؛ حبل الشنق
أو حبل الوريد. .لا فرق. ها قد سهوت مرة أخرى، فمتى تُفجؤني العقول
النيرة بالابتكار الجديد. ها قد سهوتُ وانسللتُ من سطوة الحديد. أخطو
فيميل الميزان. أتشبث بالعتبة فينزف الدم من أنحائي. كم يلزمني اليوم من
خطوة كي أصل ؟. . . عشرون عامًا وقتها ساعتي تكسرتْ وانتفى الزمن. وهذا
المصارع الجرماني العجوز، من ألقى في عبّه جمرة الفتنة حتى قادتْه هكذا
إلى أبراج الجنون. أراه ينتفُ آخر زغيباته ويكلمها بحكمة الشرق. صورة
جدّي الأكبر تشبهه إلى حد بعيد. ما يفرّق بين الإثنين هو أنا، والصفر
الذي أخذته مني الطيور. ومع ذلك أبدو واضحا أمام قنينة خضراء. شجرة تطوي
أوراقها وترحل في الظلال. ثمت أشيائي الباهتة تتبعني، لكني استدرجها نحو
الأزقة الملتوية كي أضيعها هناك؛
- الحرية هي أن تمدّ طرْفك
فلا يلمس المدى.
- الحرية هي أن تولد ثانية
ولا تتورع في الإخصاب / الإنجاب.
- الحرية هي أن تستلقي على
قفاك وتُعيد النجوم إلى وضعها الطبيعي.
العجلة أكبر زلة وقع فيها
الإنسان. لولاها لعشنا جنباً إلى جنب مع عطر التربة ودهشة الماء؛ عشة
النبتة ورفرفة العصفورة. لولاها لتدقق النور بغير حساب. لستُ فيها إلا
قيثارة مكسورة. تجَّرمني المدينة إذا ما رفعتُ عقيرتي بالصياح. عشرون
عامًا وقتها ساعتي تكسرتْ وتوقف الزمن. وخطوي ما بدا منه تلكؤ إلا وظهر.
الشوارع تعرفني ويعرفني الحديد والحجر. آمنتُ بالوردة واستسلمتُ لعطر
الضفيرة. ضمَّتْنا الموجة فالتحمنا. عكستُ الآية فطارت الحمامة. كل مدينة
في شبابها عاهرة. « ميم » هي الأخرى صَنَّفوها بالنجوم.
- سيدي، كم من نجمة تَوَدّ
كي ثضيء بها وحشة ليلك الطويل؟.
أُطِْلق شمسي من عقالها
وأَطْبع خطوي على الممرات الممنوعة. يَحْتَجبُ أبي بالغيم وأتيهُ أنا في
زغب الحكمة. قُدّامي نخلة تبكي غُرْبتها الطويلة. أخطو بمحاذاتها فتَشُمّ
رائحة الفيافي وتتوقف عن النّواح. تَضمُّني إلى صدرها الصحراوي
وتُدَثّرني بسعفها المبتلّ بالعرق الليلي. تَمتصّ فاكهتي وتلفظ البذرة.
كم مرة تعرّضتُ لنفس التجربة ولم أَرْعَو. يَغْلبني حنيني فلا أَمْلك إلا
مطاوعته. البرود الروحي سمة هذا العصر، والخيوط تشابكتْ فاختفى الطريق.
أبحث عن المرآة كمن يبحث
عن الإبرة في الهشيم. أبحثُ عن المرآة وأسمع نباح كلب الزقاق. كل الطُّرق
تبدأ بالخطوة، والشريان حتماً يوصل إلى القلب؛ إلى المركز، حيث تبدأ
القطط الحديد ية في التحرك. بيني وبين الهامش قيد أُنملة. خطوة واحدة
تكفي. مقهى الوردة لم يفتح أبوابه بعد. قطرات النّدى تناثرتْ على سطوح
الطاولات، والكراسي تنتظر أوبة عروق الفتنة إلى جذوتها السالفة.
رقصُ البارحة أنهكني
كثيراً. يه، لكم كانت الليلة ماجنة، شديدة التكتم، مثل زوجة زانية. هي
ليلة اقتطعتُها من أزمنة سحيقة غمرتْها بهجة الألوان. رقصُ البارحة
أَنهكني كثيراً، وعنقود عِنَب المواسم الخصبة نسيتُه على المصطبة
الحمراء. لم أذق منه إلا عشرين عامًا وقتها ساعتي تكسرتْ واختفى الزمن.
أُرْجِئ الخواتم حتى تشتعل الفواصل. أُرَبِّتُ على كتف ولدي ماسحاً دمعه.
أَشُدّ على يده وأزيِّفُ البسمة. كم من سنة تلزمني لكل خطوة؟.
أَسْحَب اعتراضي على أسماء
الواجهات وأنزلق صوب شاطئ النسيان. رائحة المجاري تُزكم الأنوف. يَمُرُّ
النعناع مسرعاً ولا يَأْبَه بي. لا أخالُه إلا على موعد مع الشاي /
قاتِلُنا الأول بامتياز، وأنا معي دعوة شعرية ترقد في جيب معطفي
وتستدرجني إلى سلخ جلدي على خشبة باردة؛ ورطة ذي القرنين في تَراكُم
البراري؛ خطوة أخرى أَنْهكها المَجّان. الدروب تتعرج مثل ثعبان إفريقي؛
تَقْصُروتطُول فيزداد هول المسافات. لم أَعُد أرى إلا شقّاً من السماء.
باركتُ هذا الخطو الوئيد إذ يمنحني فرصة اكتشاف التفاصيل. أقتربُ من وردة
مفصولة عن جسدها فيصْفَرّ وجهي هلعاً.
/ غُلُوّنا في النسيان لن
يعيدنا سوى إلى التذكر، والأبواب الموصَدة هكذا ستظل، أما انسيابنا
الصامت نحو النور فقد يحيينا تارة ويحرقنا أخرى .
/ ماذا أفعل بالكأس والشمس
مذبوحة على الرصيف؟.
/ الحضور في اللحظات
الحرجة قد يُغَيٍّر مجرى الأحداث.
الصُّدفة وحدها القميئة
بالاسترخاء في مقلاع داوود، ريثما يأتي من يقذفها نحو الخضمّ.
الأضواء المطفأة تلهث من
تعب الليلة المالحة وتُراجع حساباتها بالطقطقات. أول إنسان رأيتُه كان
شيخاً هَرِماً يدفع عربته ويسعل بوقاحة تقلق راحة المواطنين في صباح
مَدِيني غامر. سمعتُ من يلعن دقيق أمريكا ويؤنِّب برنامج « التعاون
الوطني » جاهراً بأسماء لا أَعْرفها. للنوم الصباحي لذة الغواية. لو أني
مُشَرِّع الضرائب لاختلقتُ له رسماً جديداً يُخْلِده إلى السكوت.
أَقْتطٍعُ من نومه عشرين عاماً مثلي وقتها ساعتي تكسّرت وانتفى الزمن.
كيف نأتي إلى هذه الدنيا وفي أفواهنا ملاعق من ذهب، ثم نجرؤ على
التَّشدُّق؟. أَعْرفهم من سحناتهم. في جيب كل منهم رخصة لاستحلاب النمل
بالطريقة المواتية، وأنا معي دعوة شعرية تستدرجني إلى سلخ جلدي على خشبة
باردة. أَعْرفهم أيضًا من كلامهم إذا ما اعترتْه لكْنة عريقة تُجزِّز
الشروح، بل من أسمائهم الغريبةالمقحمة في سجلات اللغة.
من أين أبدأ قصة البارحة
والمدية هلالية بائتة؟!
أعقاب السجائر مسجاة في كل
مكان كأنها مخلفات حرب ضروس. [البقايا دائما توحي بالجشع]. أمامي نهر
حجري يرشح بالعفونة. قَوْباءُ الألوان تأكل أصباغها. شجرة وَجهُها ينضح
بالمرارة، في موقف الحافلات تستلقي تذاكر الركوب. وهذا السفر الأوديسي
إلى أي مرفإ سيَقُود؟! . . .
ماتت ربة الشعر وخلا الجو
للمُضاربين. كنتُ أظن أن تدويرة الموجة تُخبِّئ تحت رِدْفها النهار،
َبيْد أن حدسي تَرَهَّلَ هو الآخر. لازمْتُه أكثر مما ينبغي فشقّ عليّ
عصا الطاعة. سَكبتُ على لجدار محتويات الليلة فارتسمتْ علامات التذمر على
وجه المصارع الروماني. كانت شَمسُه قد غادرت كأسها واستقرتْ في جمجمتي.
طائرة مجهولة تخترق صمت المدينة ثم تلتصق بالجدار. أتهجَّى حروفها
الغريبة فأنسى السَّفر وأتذكر قمح الرَّحبة.
/ عليّ أن أحْمِل وزْر
أبنائي القادمين وأطيل الوقفة.
/ عليّ أن أقتلع أسناني كلها
وأخفّض قسمتي إلى ما دون السُّرّة.
/ عليّ أن أفرّ من شبابي
وألا أشتاق أكثر من مرة.
/ عليّ أن أُمسِك اللغة من
جدائلها حتى لا أغرق في أول الضفة.
/ عليّ أن أزهد في
الأحاسيس وأغتال في نفسي كل رغبة.
/ عليّ أن ألازم وردتي وأنبذ
كل صُحبة.
/ عليّ أن أُجانب العيون حتى
لا تتشابك النظرات وتتوهج جمرة الشهوة.
/ عليّ أن أصطفي ركناً
سَمّيتُه وأنزوي في تقويرة الضَّمّة.
/ عليّ أن أَخلد إلى صمت
التلاشي وأُبَدّ د على شفتي كل بسمة.
ماتت ربة الشعر فتأخر الشروق
عن المجيء. هل من وسنٍ ألمَّ به فنسي الطريق؟
يَحْضُرني الآن صوتها
الهامس، وهي غارقة في سرير الألم. قالت؛ جُب الأرض، ولا تَرْكن إلى
الحنين. أَشْرِقْ في ملكوت الله وكأنك المركزي والنهائي. وكم ضحكتُ
َبعْدها والعين دامعة. قلّمتْ ريشي الأيام والمدينة أوسَعتْني في كل خطوة
تقتلاً. وكم ضحكتُ بَعْدها عشرين عاماً وقْتها ساعتي تكسرت وتوقف الزمن.
/ ليس لي أن أَمتدّ نغمًا
يُبكي الحَجر.
/ ليس لي أن أغوي ما لا
يُغْوى.
/ ليس لي أن أكبح جماحي
والمدينة تُواصِل عُرْيها النافذ.
/ لي أن أَمُرّ كوميضٍ يخترق
الظلمة، وأَنْفي خطوي في السؤال.
/ لي أن أَهجُر جسدي وأَتبع
المُحال.
/ لي أن أَرْكَب المدينة
وأنْشُد الجبال.
كثيراً ما نسيتُ. عَوَّدتُ
الشوارع خطوي وأودعتُ وجهي مرايا الحانات. فَجّرتُ الينابيع من جسدي
وأوعزتُ للحكمة أن تشرب الخضرة. النياشين صدري لم يطقها، وأكذوبة المِلح
سمّمتْ كل الأدمغة. أعشاش الخطاطيف فارغة. [ لم يكن للشتاء كل هذا
الزمهرير في الحضور]. عصفورتي طارتْ حَطّتْ في قشعريرة الجنوب
.