|
|
| مكان لعشق أكبر | ||
|
ثلاثية البحر ثلاثية الزرقة III- النزول إلى البحر
هذا الصباح فاضت جنائن الماء على مدارج الزرقة. أَنْضَج الوقتُ وَصْلةَ المديح حتى ومض في مقلة العين بهاء المكان. آن للبحر أن يغزوني مرة أخرى وتهُزّ نسماته ألفة تعلّقتْ بأردان دمي المسروق، وآن لليل أن يَدْخل كتاب الظلمة، هذا الذي تَحُفّه جلائل الأنوار. لا مناص لي من معانقة الزرقة. [ الزرقة مفتاح البحر؛ بوّابة تشعّ خلْفها فراديس البياض] محفوفاً بأسمائي سأنتفض من رمادي. [ الرماد ودائع الجمر]. أَنفضُ غبار السنين عن مراكبي وأُقْلِع صوب ينابيع الزرقة مدجَّجاً بشموس الخلجان، مُحاطاً بالمُتْرَع من كاسات الشاي المخضَّب بالنعناع، أنا الذي افتقدتُ أَلَقها القديم دهراً بِحالِه. [ الظلمة لونُ الأزل والفراغ نونٌ تتوسّط واوات الله] وكنتُ أَنْبُذ صحبة الرياح مُولَعاً بالظّلّ مُتْخَماً بالخضرة. أَبْسُط جناحي لمدائنها الذهبية وأَهيمُ في ثنيّات الغياب. أُفْرِدُ للأحـبّة أقواسي ولأمـواج الزرقة التي بها يَتجمّلـون أفتح صدري المغموس في بحور الظلمة. [ أقواسي مُسْتَظَلُّهم الأبدي والزرقة واحة اللون الذي به يَتَسَرْمَدون] } سأَعْبُر تخوماً نسيتُ أحراشها التي كم أَوْسَعتْني جِراحاً لأنْصب بيارقي على أرض يظللها النور وتفتحها الزرقة. [ الزرقة حلُمٌ يانع]. أَتَقَرّى تضاريسها المنقوشة مذْ ذاك على رخام الطفولة وأبقى مفتوناً بِطَلاوة الزرقة. الحوريات طوْعَ بناني ومِلء عيني شدْو الفراديس. وحْدها فاطمة إلهةٌ تَتَرَجّل على الشاطئِ الحُلمِ، وتغمر الساحل المَرْتيلي بِلَوْن الضياء. [ النور جُرْح على جبين الظلمة يُوعِز لي دوماً بالإشراق]. أنتشي بالرمل الذي تُداعِبُه لَطائف الزرقة ويحضن بالدفء بهجة خَطْوها المراكشي. أَتلمّس بِللّورَه المبلَّل بزرقة البحر وأرتاح لِفَوْرة البياض. كريستالية الماء صفاءٌ روحاني يفضح ما في القعر من أسرار، والأفق المشفوع أبداً بالزرقة مفتوح على احتمالاته؛ سماء تسافر في النيّلي الخالص يخترقها إوزّ أوربا الشغوف بمروج الريف وبشمسه اللاتَغيب. جبال تغمس سفوحها وذُراها في أبهاء الزرقة وعلى منحدراتها المتوسطية تفيض دلائل الخضرة. بيوتات يجلّلها البياض الجيري في مقام الزرقة، تلك المشبَعة بالنور حدّ الإخلاب. أتعلّق ببياض خيط الدخان في تَلاشيه المتأنّي على صفحة السماء مَرْتَع الزرقة وأَمِيل جهة الحُلم. [ السّفَر في الزرقة سفَر خارج الظلمة. الحُلم سفَرٌ في الزرقة والزرقة نُور الأبدية الذي به يَتَسَرْبل الفراغ ] سأَجُوب هذا البرزخ الشمالي، في صيفٍ أَشْرَق ربيعُه وعَمَّدَ بالزرقة طعم الحياة، كأنني قرصان الأعالي يَتربّص عودة مراكب الشرق الموسوقة بسِحْر البهارات والحشائش المجنّحة؛ قرباني القروسطي على مذبحها المغربي. أَذْرَعُ البوغاز الطّارقي في سَفَر سِيزيفي بين الظلمة والنور وأنا أَتَعَهَّد بالزرقة تيجان ضفائرها البربرية. ومن أجلها فقط أُقَرِّبُ بين العُدْوَتين حتى تَعْبُر المضيق في خطوة تُباركها رقصة الدلافين، أو أَشُقّ البحر بعصاي وأهتف بالمدائح كلها كي تَمُرّ فاطمة بكامل وَسامَتها الأطلسية إلى ضفة الحُلم بخطوات من نُور وتُعِيد إلى مدائنها المحزَّزة بالأحمر الناري، في هذا الصيف المغربي الرشيق، ذلك الرونق الأندلسي المنذور لوساطة السماء. [الظلمة هتاف الأبدية وقد تَخَثَّر في المابين] بأساطيلي الريفية سأَنْزل إلى البحر هذا الصباح لأقترف معصيتي الجميلة؛ العودة إلى الينبوع والموت خارج الوقت. أُشْعِلُ بِعَرْضه الأبيض آخر حرائقي؛ تارة على بساط الرمل الذي تَضَوَّعَ حتى تَوَهَّجَ بحضورها الأسطوري، وتارة على مشارف الزرقة وهي تزرع مَعابِر النور في مَعاقِل الظلمة. أَهُبّ من سُباتي الأزلي وأعانق البحر مملكة الزرقة. [ الزرقة نهاية الظلمة ] ( سوف نعتصم بِكارِزْمِية البحر ونَصْفو خلْف ستائر الماء ومن النور نَسْتَلّ قبساً من ضياء نتلفّع به ملتصقين وننتظر حتى تنهمر أناشيد البدء على أطياف الزرقة كي نَغْترِف من مَعِينها اللايَنْضَب. نَهُزُّ غصن الزرقة فتدنو الشمس جوار القلب وتَسّاقَطُ على الساحلِ الحُلمِ أزهار النور زهرة زهرة حتى تُغطّينا ونحن نَفْنى متوهِّجين في سماء الزرقة) أُراهِنُ على الزرقة في وطنٍ يُسَاكِن النور ويُعاقِر الفراغ. [الفراغ بدءٌ متجدّد]. وكمن يُوهِم الوقت بنهاية الفراغ أُطِلُّ من شرفة الظلمة لأعانق النور الرّاني على بحر الزرقة مُعارِضاً جِبِلّتي في الهَدْر. [ الظلمة فراغٌ مسوّد هو رَحِم الكون ] سأَضَع رجْلاً على رجل وأَعْتَمِر مظلّة العمر قُبالة كأس غَزَتْها الخضرة وخالطتْها الظلال منتظِراً عبورها الأسطوري في مرايا دمي على شاطئ يُمَجِّد الزرقة ولا يَنْفكُّ يوزِّع جواهرها على المريدين، في هذا الصباح المغربي المطرَّز بيواقيت الصيف. سأَنْزل إلى البحر تتقدمني شهواتي. أُتْلِف خرائطي وأُغْلق مَسالِكي لأضِيع في حدائقها السرية متبوعاً بآياتي. وفاطمة نورٌ يُعِيد للوهج القديم أَلَقَه على الشاطئِ الحُلمِ. عند قدميها يتلاشى الموج وعلى ضفائرها تَحُطّ فراشات الزرقة. (كل المستحمّات في الزرقة وصيفاتُها). تَمِيل جهة القلب فيَتَنَوَّر الشمال السعيد من فرْط الإيناع وتَشْرع الزرقة في الإزهار حذْو قَدّها المرمري. [ في ذروة الموج يزدهي البياض المنافِح لمِفَاتن الزرقة ] هنا تنتصب في عرشها الرملي ملكة على وطن الماء. الزرقة عند قدميها تعشق الركوع، وفي الفراغ الذي يَسْحل الوقت، وراءها النور وأمامها الظلمة. [ الظلمة نورٌ منطفئ والنور ظلمة موقَدة ] هنا أُجاوِرُ أعطافها النورانية كمن يُجاوِر رائحة البحر في عروق الأرض. أَتَمَلّى بِنُورها الربّاني وأسهو عميقاً حتى تعرج بي على سمائها المعفَّرة بطلائع الزرقة. أستطيب حدائقها الماورائية ركناً فركناً وإلى شجرها المزنَّر بالظلال أفيء. هنا أَسْعَدُ بحلولها الجنوبي على أرض الشمال موئل الزرقة. [ الزرقة لونُ كل عميق ] في نزولـي تفتـح النوارس كتـاب التهاليــل والبحــر، في هــدأة أمواجـه، يوقــد شمــوع الزغاريـــد. [ الزغاريد ترانيم الزرقة]. ستحتفي الزرقة بعتاقتي وأنا أَطُوف الشاطئ اللازوردي - صديقي القديم- بعيون العاشق المتلهّف إلى بَهِيّ التفاصيل. [التفاصيل كُنْه الأشياء إذا ما قامت قامت معها كل الأشواق]. أُعَرّيه من كل دخيل لأحيا مجدَّداً، في بدئية تضاريسه، افتتاني العميق بقدامة الزرقة. [الزرقة وطني]؛ كان الشاطئُ التّحفةُ يومئذ مِلْكي الشخصي. أَخْتزِل تَرامِيه في ضمّةٍ وقتما أردتُ أو أُسْكِنـه سريرتـي أينـما ذهبـتُ أو أكتفـي بركني الأثيـر مقتعِداً كثبان « الشّْبَارْ » - شرفتي الأولى على جغرافية العالم - حيث أَنْقَطِعُ إلى تمجيد البحر. ( مِثْل البحر سأنتصر لأعماقي في الممر الصيفي لخرائط الهجرات) أَتَهامى فيه وحْدي أنا والريح التي تَحْرُس نَوارسي. أُصادِقُ هَوامّه وأطياره على مَدار الوقت وأَعْرِفُ أصدافه وصخوره صدفةً صدفة وصخرةً صخرة من خَلَنْج « راس الطَّرْف » إلى عُلَّيْق «أَزْلا». كنتُ أَمير الزرقة الممهور بعشق الماء، وكانت في دواخلي داليةً تَكْبُر حتى ظلّلتني بوارفِ فيئها وأسقتْني تحت عناقيدها العسلية كأس الحياة. هي فاطمة البدء وفاطمة المنتهى. هي فاطمة الأسطورة. غديري الذي منه ارتويتُ وعلى أعشابه مَدَدتُ أوصال جسدي العليل. مُهْرتي التي من أجلها قَطَعْتُ العمر كلّه إلى آخر المديح. ومن أجلها أيضاً سأَنْزِل إلى البحر هذا الصباح متجرِّداً من ظلمتي ونوري. أُمَهِّدُ لهبوب الصّلصال، وللذّرائع التي تتقن الكُمون سأظل أدُور وأحرق البخور، رانياً إلى اقتناص لحظة قد تَطُول، بين يديها، في حضرة الحُلم، على شاطئ الزرقة. أَتَرَدّى لأُوجِدَك في تراكيبي شمساً تَحُوم في سماء الزرقة طيفاً يُوَشّي بنوره جدائل البحر ولأني بصَبَواتك أَهِيم سأَنْزِل إلى البحر هذا الصباح عامداً إلى ارتياد بستانك النوري وأنا أَتَرَدَّد مُؤْتَزِراً سالِف يَفاعتي على ضفة الحُلم.
مرتيل / صيف 2004
|