








في الفكر التربوي يحضر التشكيلي ليس بوصفه
عنصرا ديداكتيكيا ومكونا منهجيا يفتح آفاق تعليمية جديدة تتسم بالتماسك
والعمق والرؤية الجمالية لمدركات الوجود فحسب وإنما باعتباره شكلا من أشكال
التعبير عن اعتمالات الداخل وإخراج ما هو جواني فيه إلى حيز المرئي، أي
ترجمته من فكر مجرد إلى تجسيد عيني ذي حمولات تمزج بين المعرفي والفني.
وهو بذلك يمثل إلى جانب بعده التشكيلي مسلكا تربويا
ومتنفسا فنيا وطقسا نفسانيا يُعزى إليه تهذيب السلوكات الفردية والجماعية
وجعل المخاطبات البصرية الناتجة عنه رافدا أساسيا من الروافد التي ينهل
منها المجتمع من أجل مسايرة الواقع ومواءمة راهنيته المعيشة. بل إنها تدفعه
دفعا، عبر المخيال الذي تنسج فيه تصوراتها وتستقي منه رؤاها، إلى تجديد
نظرته إلى نواظم الحياة التي يتوالف داخلها وإلى ترقية تلك الأنماط بما
يؤهلها إلى إحداث ذلك الانسجام الذي به تتساكن المجتمعات، مستحثة كل فرد
فيه، عن طريق الحلم التشكيلي ذاته، على تغيير نظرته إلى نفسه وإلى العالم
من حوله لخلق أسطورته الخاصة باعتبار الحلم أسطورة الفرد والأسطورة حلم
الجماعة.
إن الفن جامح بطبعه، نافر وهلامي. تنفلت إمكانية القبض
على المتحكم فيه ويستعصي إخضاعه لقواعد وضوابط قارة يبقى في ظلها متمسكا
بعناصر الإبهار والإفجاء التي تشكل إحدى أهم مكوناته الأساسية. لذا نراه في
انشغال وتوتر دائبين يتاخم كل ما هو إستيطيقي ويحاذي كل ما هو بويطيقي
باحثا عن الشكل/ اللاشكل المحرِّض أبدا على المبادرة بالخلق والإبداع. وهذا
ما لا يمكن تحقيقه في غياب حركية دائمة تتصادى مع الخيال وتعمل على خلخلة
سكونية الواقع الكائن لدفعه إلى مراجعة أوضاعه وتعديلها باطراد في اتجاه
إنشاء واقع ممكن منسجم ومتفاعل تمشيا مع ثنائية الثوابت والمتغيرات التي
تتحكم في منظومة الحياة.
وبالرغم من رعونة الفن ووحشيته في آن وما يتصف به من
تَمنُّع وخروج عن المألوف لإحداث الصدمة المعرفية والجمالية والحضارية التي
تشكل بؤرة اشتغاله، فإن سيكولوجية التربية ومنهجيتها المعتمدة على استجلاب
مفاهيم وظيفية من حقول معرفية أخرى واستدراجها، في احتراس شديد، لتتعامد مع
مقاصدها وتتآصر مع غاياتها مثلما هو الشأن مع الفن عموما والفن التشكيلي
على وجه الخصوص، استطاعت استهجانه وتدجينه جزئيا ومن ثم تطويعه إلى حد ما
لخدمة مقصدياتها ومراميها السلوكية والمعرفية وذلك بتركيزها على ما يحتويه
من عناصر ومكونات تتقاطع بكيفية مباشرة أو عرضية مع فلسفتها ومع أساليب
التلقين ومنهجيات التبليغ التي تقوم عليها، وتوظيفها في المجال التربوي
تطعيما لما تنتجه من معطيات بيداغوجية تتغيا النمذجة وما ترمي إليه من
قناعات مجتمعية طافحة بقيم حضارية ضالعة في النبل والسمو.
وبقدر ما تتجلى في الأعمال الفنية المنجزة وظيفة الفن
كمنظم للحياة ومُعَبّر أساسي عن الهوية الثقافية والخصوصية الجغرافية
والإتنية التي يعمل على نسجها وترسيخها كل ما هو تربوي وبيداغوجي ـ إذ أن
سؤال الهوية إنما هو سؤال الوعي بجميع تجلياته. الوعي بالذات وبالآخر،
بالمحيط وبالعالم ـ بقدر ما تدعونا امتلاءاتها اللونية ومناطق الضوء فيها
وما تراهن عليه من مساحات تصويرية إلى الانخراط فيما تعبر عنه من أحاسيس
إنسانية جياشة وما تعرب عنه من مشاعر وجدانية فياضة تجاه المرأة بغية
إنصافها وإحلالها المكانة التي تستحق داخل المجتمع المغربي التواق أبدا إلى
التقدم والازدهار. والفن بهذا المعنى سلطة رمزية تأسر مخاطبيها وتدعوهم إلى
التماهي مع شاعرية العناصر التشكيلية التي تؤثث بها فضاءاتها انسياقا مع
مفهوم الجمال وأدبياته في راهنية التذوق الفني العام، لذا تم الاعتماد عليه
في هذا المقام لتمرير خطاب اجتماعي ذي نبرة طلائعية.
لا يحتاج المعاين/المتلقي، وهو يراوح حواسه بين ردهات
اللون وباحات الضوء والظلال، إلى عتاد استقرائي متوفز أو إلى ترسانة من
الأدوات الإجرائية والمفاهيمية ذات الاختصاص لاستضمار الماهية والكنه
اللذين عليهما تأسس هذا المنجز التشكيلي الذي نحن بصدده، بل سيكون عليه فقط
الإنصات إلى اللوحة عن طريق العين لاستبار الرؤيا القائمة عليها دونما
ابتسار للمسار البيداغوجي الذي تكفل بصياغة مقوماتها التي ترعرعت فيه. إذ
أن حضور البعد التربوي في هذا السياق حضور مركزي دلالي وذو طبيعة احتفائية،
عن طريقه يتم استبيان مستوى الوعي الساكن في تلافيف الذاكرة الجمعية
للمتعلمين بخصوص ظاهرة اجتماعية ما، وهي هنا وضعية المرأة المغربية في
المجتمع المدني، وقياس مدى حجم وفاعلية فلسفة التربية في تنوير الفكر
التحصيلي لديهم، من خلال التربية الراجعة، استنادا إلى المنهجيات التي يتم
توظيفها في هذا النطاق لتلافي الشرخ القائم بين الواقع التعليمي والواقع
الاجتماعي.
إن الأمر، بكل بساطة، يتعلق بأعمال فنية جنينية لا
تنضبط لمعايير الحرفية ولا تحمل في ثناياها إضافات تقنية خاصة وإنما تكرس
ما هو دارج فيها لتعكس، بصيغة تلقائية فنية ومضمرة، مدى استيعاب المتعلم
داخل المؤسسة التربوية لما يقدم له من معارف ومدى إحاطته بظواهر مجتمعية
تشكل منعطفات هامة في تاريخ الأمم والشعوب حيث تسهم بشكل جذري في تغيير
طرائق وصيغ حياتها والإرهاص بها، بشكل استباقي، لخلق أفق يطمح إلى استشراف
المستقبل وبنائه بأدوات الحاضر وبمتخيل ذَرِب يستلهم رؤاه من معين متجدد
غارق في الاحتفال بسيرورته وصيرورته على حد سواء.
لذلك بدت الأعمال الفنية المعروضة في إطار بيداغوتشكيلي
مثلما سمفونية لونية متسقة ومتناغمة تجد امتداداتها الجدلية في تَضامّها
وتَفَرّدها حينا، وفيما تَحْمله أيضا من علامات ورموز وإشارات صيغت بأساليب
فنية متنوعة تبين بشكل مجازي تمثلات الواقع في الذاكرة البصرية الجمعية
للمتعلمين في أحايين أخرى، راكنة في ذلك إلى لغة تشكيلية تعتمد الشخوصية
وتحاول أن ترفع هذا الواقع إلى مقامها الافتراضي عبر خطاب فني يتراوح بين
التصريح والتلميح في تلاحم تام بين الشكل والمضمون.
كما أن وحدة الموضوع، هي الأخرى، أبانت عن التأثير
البيداغوجي على المعالجة التشكيلية وأسبغت عليها طابعا تربويا ينم عن
تبئيرالفكرة المتبناة وتوسيل الرؤية الفنية لجعلها تخدم غايات بعينها. وعلى
الرغم من تَوحُّدها في المضمون لانحصاره في ظاهرة اجتماعية محددة بشكل
مقصود إلا أن زوايا النظر إليها جاءت متوحدة في الاختلاف مما أثرى الخطاب
التشكيلي وأغنى مقومات اشتغاله. وقد استطاعت بيداغوجيا التشكيل كنهج تربوي
متحكم في هندسة الإنجاز ومُلِمّ بتقنيات استولاده إشاعة ديمقراطية الإبداع
بين جميع ممارسي هذا الفن وعشاقه من الأحداث المنخرطين في هذه التجربة
دونما اعتبار لمستوياتهم العمرية ولا لهيئاتهم الفيزيولوجية. وقد برزت في
هذا الاتجاه قضايا وانشغالات المتعلم في علاقاته بذاته وبمحيطه وبالآخر
والحدس من خلالها بما يهيمن على مناطق التفكير لديه لاستوزان النهج
التعليمي والحمولات القيمية التي انبنى عليها.
من هنا يمكننا الجزم بجدارة هذه التجربة وجدواها في آن،
إن على المستوى البيداغوجي أو على المستوى التشكيلي. فهي، من جهة، تدعيم
للفعل التعليمي على صعيد المنهج منظورا إليه من زاويتي النظري والتطبيقي
معا، وتشييع لمفردات العمل الفني وما يقترحه من مسلكيات ذات طبيعة جمالية
في خلق وتأصيل القيم الحضارية الداعية إليها من جهة أخرى. حري بالأجهزة
التعليمية كافة الاقتداء بها واقتفاء أثرها نظرا لما تتسم به من جدة وجودة
وما تتضمنه من تطلعات تربوية متقدمة يشكل البعد المستقبلي الذي تستند إليه
حجر الزاوية فيها ومظهرا متمايزا من مظاهر التربية الحديثة.
وأكيد أن مواصلة هذا النهج بهذا الزخم الإبداعي الجم
وهذا النفس التربوي الرصين سوف يرسخ مكانة المرئيات التصويرية في مجتمع ظل
يقاوم حضورها في سياقات منظومته الحياتية ردحا طويلا من الزمن بحكم ترسبات
فكرية سابقة لم تفرق بين ما هو فني وما هو لاهوتي ويفرز بالتالي فكرا جديدا
يعمل على إثراء مكونات تواجده في مناخ تطبعه روح الابتكار ويَسُوده الإحساس
العارم بجمالية الحياة وقدسيتها.