سحر المكان



 

قراءات    

 

 


  سحر المكان 


- الحضور والامتداد -

[ قراءة عاشقة ]

 

تتخذ أعمال الفنان عبد الواحد الصردو التشكيلية صفة البوح الشعري وصيغة القول الوجداني الحاثّ على يقظة الذاكرة الذَّرِب لارتباطها العميق بسحر المكان وعشقه المتأجج حَدّ الانخلاب، ليس فقط كحضنٍ ورحمٍ لانبثاق جنينية العالَم محْلوماً به من الداخل والخارج معاً، وإنما أيضاً كمَرْجعٍ وقاعدة منها يتم رصْد ميكانزمات هذا العالم وحركيته الدائرية بقَصْد الكشف عن آليات اشتغاله ومقاربة تَشَكُّلاته القريبة والبعيدة انطلاقًا من إخضاع جزئياته للفحص والتمحيص والمساءلة ومن ثمة تعميم معطيات هذا الجزء على شساعة الكل، أي إعادة بناء أشياء وعناصر هذا العالم - بعد تفكيكه جوهرياً - وفق منظور تَدَرُّجي يُماشي الرؤى والتصورات المهيمنة على االذاكرة الفنية كوضع أنتروبولوجي مرتبط بالأ رض، وكسؤال ميتافيزيقي لا يلغي الإرث الحضاري وإنما يتشبث بمكوناته المعرفية والروحية من خلال إبراز علائقه الناظمة- عينيًا – في صورة حداثية تحيل على ما هو يقيني وتسهم في ترسيخه فنياً.

هكذا يصبح استحضار أدق تفاصيل المكان إنتاجاً للدهشة، ووسيلة لإدامة ما هو متغير وفانٍ بحكم طبيعته المادية والوجودية مثلما يصبح - وبالحِدّة نفسها - تكريساً لما هو ثابت وقارّ، وإصراراً على مهاجَمة النسيان؛ النسيان الذي لا تُذْكيه إلا تراجيع الغموض، أما الوضوح فَيُقْصيه. يُهمِّشُه ولا يجعل من وُروده، ضمن نسقيته القائمة على التمعن والتَّروِّي والحدس والإرهاص، إطاراً لاستشراف المستقبل.

من هنا، يتم إحداث تَوالُف مادي بين الفكرة والسَّند. بين العين واليد. بين القلب والذاكرة. بين المكان والوجدان. بين الضوء والظل، لإنتاج المعنى اللصيق بالقول التشكيلي كأثرٍ فريدٍ يحمل في ذاته الدلالة التي تمنحنه الفرادة والتمايز. ويصبح الاعتكاف على توظيف حميمية المكان- بمكوناته المادية والعضوية وبُعده الوجودي ومحمولاته الإنسانية الأخرى- سمة الفنان الذي يَتغيّا، ضمن عطاء تَرادُفي متواتر، إدماج الحاضر في المستقبل. ذلكم الحاضر، العَصِيّ على القبض، الذي يَضْحى ماضيًا بمجرد عبوره في الزمن المجرد من كل وشيحة روحية أو عاطفية.

وباعتبار الفنان عبد الواحد الصردو أحد رواد الحركة التشكيلية المغربية فقد ناضل في سبيل تأسيس رؤية فنية تقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وظل في ممارساته الإبداعية وفيًّا لِنَهْجه في العمل، مُخْلصًا لشكله التعبيري الأثير المتمثل في الصباغة التعبيرية / التشخيصية أساساً - شأنه في ذلك شأن جل المنتسبين إلى مدرسة تطوان كتَوجُّهٍ فني منذور للتأسيس، أمثال: المكي مورسية وأحمد السرغيني وأحمد بن يسف وسعد بن السفاج والمكي امغارة - حيث راهنَ عليه كمَسارٍ فني واختيار إبداعي يطابق رؤاه التشكيلية ويتيح له قول منظوره الجمالي تجاه الفن والحياة بالكيف الذي يوافق قناعاته ومؤهلاته المهارية دون النزوع إلى متاهات التجريب وإطلاق عنان الخيال الذي غالبًا ما يُفْضي، عند سَواده، وفي غياب أية رقابة ذاتية، إلى الضياع والتشتت وانقطاع حبل التواصل إياه بين الباث والمُتقَبِّل، وبموازاة ذلك ينتفي الفنان كاستثناء ويموت التداول كأساس تنهض عليه معمارية العملية الإبداعية بِرُمَّتها.

إن مثل هذا التوجه رَسَّخ - وبكيفية لافتة - هيمنة المسحة الواقعية التي تتسم بها مُناولات الفنان عبد الواحد الصردو كخطاب ذي صبغة تواصلية يتخذ من المواقف الحياتية عامة ومن الطبيعة البِكْر خاصة هاجسًا ومجالاً لِسَرْدٍ تصويري مطبوع بحِدَة اليقظة كَنِبْراس موسوم بسيادة الشفافية كميثاق ضِمْني يربطه بالرائي ويعمل على إشراكه في الأ ثر الفني المُشاهَد، بما تثيره مناجاة المكان، توصيفياً، في وِجْدان المتلقي من إدهاش وإبهار يدفعان به هو الآخر، تلقائياً، إلى التَّماهي مع المبدع المُنَفِّذ في الرؤية والموقف، عن طريق إفساح المجال للمعنى بالتوالد والانشطار والتعدد من خلال إيلاجه في عوالم اللوحة وتحريضه على اختراق مَحْكِيِّها الخَفي.

لذا فإن خطاب الصورة لديه يبدو مقروناً- في جانب مُهِمٍّ منه - بالعفوية الحِرَفية التي لا تُدَمِّر الأثر الفني بتحريفه وعزله عن سياقه التاريخي وطابعه التداولي، وإنما تمنحه الشاعرية والرهافة واللمسة الفنية العالمة، الجاذبة للعين الرا ئية العاشقة كيما تزرع في سويدائها تلك الرجة العميقة المُحَفِّزة - بشحناتها السَّلِسة والمتعاقبة - على اسْتِسْرار المعنى المسكوب في أعطاف القول التشكيلي، بِتَدَرُّج انسيابي يزداد عذوبة وبلاغة كلما كانت ديمومة حقله التوليدي ضليعة في التَّخَفّي والتَّبَدّى، كما في التصريح والتأويل، لأ ن تَخَطّي الجاهز- فنياً - يستوجب الإلمام بالواقع الرمزي للعمل البصري، قاصِيه ودَانِيه، عبر الوعي بمختلف أشكال حضوره في الزمان والمكان، دون اللجوء إلى البَتْر الجِذْري - كافتعالٍ منهجي - لإحداث الشرخ المعرفي الفاصل بين الكائن والممكن، بهدف الإيهام بتحقيق الإضافة المبحوث عنها في كل إنجاز فني، إذ أن مثل هذه التيارات العبثية والاجتهادات المنبثقة من الفراغ ليس أمامها إلا أن تَمُرّ كمتغيرات فُقاعية. أما الأصول المنبنية على أسس ومرتكزات داعمة فتبقى كثوابت متجذرة في الكون الإبداعي قاطبة .

وإذا كان المبدع هنا يُلحُّ على استحضار المكان - بفضاءاته ومؤثثاته، سيما جغرافيته وتضاريسه ونكهته الخاصة - كافتتانٍ وشغف يشارف التَّماهي فلأنه يتجنب إحداث قطيعة معرفية ووجدانية بين الماضي كتراث والحاضر كواقع والمستقبل كرؤيا، بإبعاد التشخيصي عما أسميتُه - في ظروف مغايرة - بالتَّرَف البصري من خلال إلغاء المسافة بينه وبين رمزية المكان كيما يندغم فيه وينصهر، مُوثِرًا - في ظل استقدام تقنيات جمالية محكومة بأسرار الصنعة، مشفوعة بطقوس وشعائر وخصوصية المكان - مُواجِهة الواقع بكل تجلياته وتمظهراته الدقيقة والصارمة على اللجوء إلى الالتباس والمغالاة في التجريد والانسياق الأعمى وراء تَهاويم الخيال لاتخاذه كَمَلاذ للاحتماء ومن ثمة التَّحَلُّل من دور المبدع في المجتمع والوجود بالاختباء داخل تشابك الخطوط واندلاق الألوان بكيفية كرنفالية تثير العديد من التساؤلات حول ماهية الفن ومرجعياته والطريقة التي يتم بها قوله.

وهو أيضاً، في انشغاله المتواصل بتجسيد جذرية المكان وإبراز جمالياته، وَسَّعَ تعبيره الفني عملياً بواسطة تشكيلة متنوعة من المواد المرتبطة بتطبيقات المُناوَلة الفنية بهدف إنتاج خطاب موصوف بالشفافية والعمق من خلال الإلحاح على إدراج موضوعة المكان وانتقاء لحظاته الأكثر إشراقًا وتَوهُّجاً وتأثيراً ودلالة بالدقة التي تُؤهِّلها للسيادة والذيوع اعتماداً على رهافة الإحساسات المرئية وتَنوُّع شبكة التقنيات الوظيفية ونجاعة أساليب التنفيذ لديه، مما جعله مُحَصَّناً وفي مَنْجاةٍ من الانحراف الفني المُجاري للعَرَضي الهَشِّ والزائل.

 

  البيضاء / شتاء 1998                                                      

 

 

 

 

 

 عودة