الأفعوان



 

مقامات    

 

 


   حرائق الأفعوان


                                              

- 1 -

 ميم / باء، . . . تَهَيَّأْ.

في المغارة زوبعةٌ تَسْتعِدُّ للإقلاع وأُلْفَةٌ قديمة تَخافُ وسائل المُبارَزة. وأنا - كما تَرى - مُحاطٌ بالرّماد، أنتظر هُبوب الرياح.

ميم / باء، . . . ثمة هَجيرة تَأْكُل أنحاءها ونخة تَدخُل قوس النصر، باتجاه السّعفة. ثمة أيضًا صناديق مُكدَّسة على خاصرة الميناء وصارٍ لا زال، مشدودًا إلى الشِّراع، يَرتَعِد من زفير الأمواج الشّتوية، ومن شمسٍ كاظِمة تَلفُّها سحابة. . ./ ظِلُّنا تَقلَّصَ، بأخْمَص القدميْن / في المَدى؛ طيورٌ مُفَخَّخة وأحلامٌ تَحُلُّ شعورها- كوابيس مُلَثَّمة وأهدافٌ تلعَق طُحْلُبها- رُشْحٌ في المَكنَنة وآخر العَرّابين؛ جميعهم تَحَزّبوا على الزائر المَدِين.

[ الامتثال المُسِفُّ رِبْقةُ الجسد.

أنَّى يَمَّم فثمة خضوع مُغَلَّف، لمشيئة مُبْهَمة؛

أَيُّنَا يقول ما يريد؟

أَيُّنا لا يَحْمٍل في دواخله ممالكه المهشَّمة، وزنازين مُوصَدة مَحْشُوّة بالصرخات؟

أَيُّنا يَقْدر أن يُؤَجِّل الأمام، الذي هو صورة أخرى للإغْراب؟

هي الدورة نفسها تحْكم الإقفال

والارتياد الأكثر عَنْجَهية يَسْقُط صريعاً،

على العتبة المُتْرَبة].

 

ميم / باء،... تَهَيَّاْ.

غداً، بعد انعطاف الزوبعة، اسْتَرْخِ قليلاً عَلَّكَ تَحْسب مقدار تَعَبِك/ ربما نلتقي في الأكْسَدَة.

 ها قد اقْتُلِعْنا.

شجرةٌ تَقَوَّستْ، أنا فوقها، تحتها ظِلّي الممزوج برُكام الحَصى، يَنْتَفِض/ مَجَرّات تَتَّسِع، لكثير من الأقدام وصلاة واحدة. خضرةٌ تَصْفَرّ. موجٌ يُلامِس العتبة. الأزرق يَسْتَشيط. خيبةٌ مُعْلَنة. مَطارِق تَصْطَفّ، وِفْقَ الشجرة. صيحات تُوالي صعودها المِلْحاح: الشهوة القصوى لدورة التلاشي، والإنشاد المتواتر لنشوة التغيير.

- هذا العهد، قَطْعاً، سيَخْتلط بالقَار.

ميم / باء،... تَهيّأْ.

الطُّوفان ليس جَريرة. الطوفان رحلة قصيرة، إلى منتهى العتبة.

قُبَيْل التلاشي، اجمعْ أشياءك وارْحَل، نحن في مَصَبّ المَسْغبة.

 

 

                                              - 2 -

بِتِلْك /

وَضَّبْتُ أُفقي المعتاد، مادّاً عنقي للجلاّد. كأن عظامي مَرْكَبٌ بَحْرُه الدم. وكأن انشداهي أتى عارياً هذا المساء، وعَبَّاَ الطِّراز عن آخره.

وبهذه /

أرجأتُ الهروب إلى منتهى العتبة. وكَرَاءٍ يثقب النسيج عن آخره سأبقى هكذا أَرْيَحِيًًّا ومُسْرِفاً في إغداقي. أَرْحَلُ في الخَفِيّ وأَحُلُّ تَكَّة الأسرار. أَسْتَبِقُ العُمر إلى شطآن الأمكنة الواصِمة، والعصمة أَمنحُها للتَّرَوّي المشدود إلى وَهْم الكوثر. أُعَرّي جراحاتي كلها، وأعانق مقامك المستحيل.

أَوْشَكتُ /

يَقِيني مُرٍنٌّ كقصدير البراريك، مُواتٍ كالشرارة المتجذِّرة. إنها الغربة، تَنشُر جناحيها وتختصر العالَم، في النافذة. MATHILDA يا  MATHILDA، للسَّقْف عُيُون المُخْبِرين، وللحَجَر شُبْهة المَغارة. أَتكهَّنُ مُدْرَكاً بالجوارب النَّفّاذة، وثمة اختيار كاختيار السَّفِين للقيعان وإطباقةٌ مُخِلّة قد تَمَكّنتْ أخيراً من السياق. أَدْخُل أُبَّهَتها المُفترَضة حتى أول نخلة في مراكش وآخر طائر في الصحراء.

كل الأنحاء تَناثَرَ زَغَبُها، فما جدوى هذه الانعطافات؟

اقْتَربْتُ /

 فاسْتَرِدّي قُمُرَك وكُلّ اللمعان، وَدَعِيني أُعانِق وحدي بَرْد هاته الجدران.

- تِجَاهَك تَمْرُق البُروق.

- قيثارتي مُهَشَّمة.

- سَلَكْتَ المُتْعة.

- سَمّي الأزرق إذن لأنْصَرِف وحدي.

هذه وريقاتي تنحني لرياح الخريف.

 

                                             - 3 -

وأناملي تَعْبثُ في الدّولاب القديم قلتُ، إذا ما وَجَدْتُها الآن فاعلمْ أيها القلب المُدثَّر بأحزانه أنّها الضربة وأنّي الدَّوِيّ؛ النهاية المُدَجَّجة بِأَعْتى الصرخات؛ الإدْبار المَكْسُوُّ بِرِئَة الشُّحوب؛ النار المُجَلجِلة في رياض الأعماق؛ الخراب البَهِيّ اَلْيَتَقَدَّم صوب الشجرة ؛ الوردة المقتولة في آخر الحلم؛ العودة المُزَنَّرة بالأسرار، والموجة الطافحة بالاستثناء. ثم قلتُ : المطر نهاية، وجَيْبُ معطفي بداية، لهاوية مثقوبة / هيولة هيولة / في الزاوية الحادّة قيامةٌ، لآخِر الشموس، تُهَيِّئ الفَتِيل وشعارات تَذْوي بِمُحاذاتي. ألتقطُها بتؤدة كما لو كانت تَعاويذ سحرية فقدتْ قوّتها الإبرائية. أرميها من النافذة كي أرضي نُفوري وأَهْذي كَعَرّاف ضرير:

/ كل بارقة جارحة.

/ ما بين الميم والباء نطفٌ طائشة.

/ باتجاه الأثر تترعرع العَلاَمة.

/ الريح جَمْعٌ للمَواقِف.

/ كلّ وشيجةٍ رِبْقَة.

دَثَّرَنا المَقُول بأشلائه، فباغتَنا البَرْد المُصِرّ على أَبَدِيته. السِّرّ الأقصى لحاجتنا المُلِحّة إلى النوم. مِنَّةٌ تَلْبَسُ الأخضر دائماً، ومِحْنَةٌ تُلَمِّع الواجهة لماماً. الإردة فِعْل، والتَّكَتُّل نسيان. الحياة نَظِير هشٌّ يلفظه الأرق في أول الإغماضة. قناعةٌ فَجّة تزرع حديقة الوقت بشجر الإسمنت . . .][.

المبتغى مشكاةٌ زيتُها الدم. والدم سهْوُ الآلهة المنكبَّة على إرثها، تحت قُرّاص الحديقة غابة أحلام تَحْتَضِر، وخيط الرائحة يَكْتَنِه مثل سَوانِح مُتْرَعات بطلاوة الحشمة الأطلسية.

 

هي مُقَلٌ غِرَّة تزدرد المَتَاه وكالأسماء تَفِرُّ من دَوْلَتِها، تَمْرُق آخر الدَّفَقات، باتجاه المقبرة، كأن الليل جاثٍ على حَرْشَفه، والرعشة تَخرُج من نَبْعها ذابلة.

انتهى كل شيء :

- الإشراق المُسْرِف في بَهائه.

- الغزوات المسائية التي لا يَفْتُر أُوَارُها.

- المِرَاسُ المُتَّقِدُ أبدًا عند الزوايا الداكنة.

- الضحكات المطبوعة بأناقة الافترار.

- النُّصوع المُدٍرُّ للصُّدَف المارقة.

انتهى كل شيء، والفَحْوَى ضَمِنتْ أَسْرَ الفراغ.

هو الوقت يَعْلو، ولا يُعْلى عليه.

 

 

                                                - 4 -

 في الصباح، نستيقظ مَتْبُولِين بما جرى. يأتي المساء ويَفْتَح كُوَّة في الجدار. الأسماء كلها بغتة، وتبقى الرَّحى دائرة. تَعاقُبات تعاقبات. عناصر عضوية تُرَوِّضُها الكلمات. العاصفة في الشرايين والقلب بُرْكان. تقعيدات تَنْسُج مَكْرَها تحت قبّة الشيطان. إطارات مُهَشَّمة وأبواب بِرِتاجاتٍ صَدِئة؛

- هل آتيك بالزرقة الغامضة لشاعرٍ يموت على الرصيف ، فيما يخالُه البحر؟

- يأتي الصباح بما لا نشتهي.

- مع ذلك نُؤَلِّهُ الفتنة.

- قُمْ لنَحُكَّ ظهر الخروج.

- هل أَسْرَفنا في العطاء؟

- وكُنَّا اثنين، . . . في زورق مثقوب.

- كأن الطفل الذي كُنتُه، ابتلعتْه الساقية.

- ضُمَّني إليك، أخاف أن أسقط في الفراغ.

أَسْتَفِيق على همزة الوصل تخلع سروالها. أَهْمِس في أُذنها، أَنِ ارْعَوي؛.. هنالك زَوْج حذاء يهذي، وجوارب مثقوبة تتمنطق الزاوية. صورة لأنثى الغراب، ومِرْمَدة مَفْرومة. طحالب سكرانة، ورطوبة متوَثِّبة في أقصى المَدار. قِناعٌ لذكرى بعيدة تَعْبَثُ فيه، أظافر الليل، دونما استيفاء.

 

                                                 - 5 -

أحيانًا ينجلي ضباب الكون عن وضوح شبيه بالرؤية الأولى للأشياء، وعن أمنيات تَتدَحْرجنَ حاسراتٍ صوب النهر كأنهنّ البَغايا في لوحة فنية ماكرة. وأحيانا أَغِيبُ في عُتُلّي المُبهَم، كأنني سَيِّد الإنشاءات المعنية كلها وأقول : الأجنبيات لهنّ الوقت الجميل؛ البسمات اللواتي تَرْكَبْن العَواهِن؛ التَّهَيُّؤ المطبوع بخفيض الوشوشات؛ والاقتناص المُجافي لغريب الفَلَتات- والأخريات، . . .؟ آه، الأخريات ضِمَاداتٌ مَصْفوفة ضد الوقت.

/ قُبَلٌ مطبوعة على الحيطان.

/ وجهٌ للنسيان.

/ ظِلالٌ تَحُلُّ ضفائرها وتتهيأ للصرير.

/ كلُّ صاعِدٍ نازلٌ.

/ ينابيعي، التي لا أَراها، تَصُبُّ في الأنثى.

/ الآلهة تستريح مطمئنة على قوس قزح.

سأَدْخُل مَوْجَك الهادر، بجيبي المثقوب.

 

- 6 -

ها أنذا في مَعْمَعة الوقت أَسيرُ، بصَرْصَرٍ عاتٍ مدفوعًا، وجَلَبة مُبْهَمة، أُسَوّي ياقة قميصي مُرتبِكاً، كأنني سأَضربُ عاصمة بعاصمة. سِيّان عندي تَقاعَسَ المُقْرِئ الأعمى أو ضاع في منعطفات الحروف، فالمَنْزِلة لَدَيّ لا تَقْبَل سوى النقطة. هي جَزْمًا طرَفٌ أقصى للآخرة. عفواً، . . قَصَدتُ اللذة حين ضربتُ الأرض غاضبًا.

من أين أبدأ قصة الليلة المالحة؟ . . العين تَشابَكتْ بالجدار، والجسد مِلاَطٌ كالقار. متاهاتٌ تَجُرّني إلى أَتُون مُعَلَّب. هي لعنة مُسترْسلة، لها سِواغٌ ، وتَحْمِل في يدها كل المفاتيح.

 

هذا أنت / في قلبك شَهقَ البحر، ومن أناملك طلعت الفروع.  على جسدك تَأَلَّهت الكُثْبان، ومن قَدَمَيْك نَطَّت الطُّرقات. أشياء أثيرة تَقْتُلها المسافات. وُرُودٌ لإيلاج مُرْتَقَب/ عبْر الأزقة، في المنعطفات الحادّة، حيث يمكث الخريف حتى الخريف، والخطاطيف تلهث من جَرّاء تَخَثُّر الهواء.

قالت: نحن في الليل الديسمبري، فَوَارِ أحلامك الوردية، وقُمْ لتنام على الكَنَبَة المفلطَحة. في الصباح تنتهي الليلة الكَأْداء.

قلتُ: يا وردتي الممنوعة، للنوم - هو الآخر- رذاذٌ أَعنَف من هجرة الفصول.

أنا أحترق، وهذا رمادي.

 

                                       الرباط / البيضاء - شتاء 1995

 

 

 

 

 

 عودة