- 1 -
جُثّتي
يُدحْرجها الموج. وحده النّمْل يَعْرف الآتي، ويَسْمع الاستغاثة جيدًا،
فيما الأزرق وطني أكثر من اللزوم.
المفارَقة تكمن
في ضربة الموجة، ورغوة النهاية، أما الحُلم، فله أَلْف باب، وإن
بِرِتاجات عالية صدئة.
الشمس، هي
الأخرى، تسبل ضفائرها على الواقفين. والصخر، سيد الإنشاءات المعنية
كُلّها، يراقب ما يجري، بعينين نصف مغمضتين، كأنما هو القادم؛
/ يَرى خيولا
متشابكة ونافرة، تبحث عن مَخْرج أو جَسد رملي، من أجل النّفاذ.
/ يرى سهولا
تنقلب جبالاً، من أوراق وجبالاً أخرى تتهاوى صامتة ، كَكُتل الرماد.
/ يرى الصورة
تنحلّ اهتزازاتها الضوئية - الخفية والغامضة - يمتصّها تيار فُلكٍ
لامتناهٍ، والدوائر تتسارع صوب البؤرة الهاربة.
/ يرى أشياء أخرى، أليفة وناعمة، تحترق،
على مرمى البصر.
/.............................................................................................................
/.............................................................................................................
هي حالة استنفار
قصوى، في القيعان، تحتلّ الصورة، أشجار مجدوعة، فارّة في كل اتجاه. ويبقى
الشاهد مُقَنَّعاً كالمعنى، داكناً كالغيمة.
[ ...سيكون من
الأليق الآن، وأنا مُمَدَّد على السرير أداعب جسد الكلمات، أن أحضنها
هكذا، بِلَهَجٍ أعمى وأَرْفُث ما عداها. أقول لها ما لم يقله الخطيب في
صلاة الجمعة. آتيها بالغريب الذي هو عَمَانَا جميعاً، وأملأ قعرها
بالأمطار الضوئية ثم أقُودُها صوب الأدغال المنسية، وأُضَلِّلها هناك كي
أَعُود من رحلتي منتكَساً مثل إرسالية لم تُفْلِح في البحث عن مهد
الشيطان الذي لم يبتعد كثيرا عن ثغرة النساء، وأقول لها؛ هكذا أنت دائما،
متعالية ومشتاقة، إلى صوتك الآخَر. وأنا في تَهَدُّجاتي الليلية، ما زلتُ
مَنْكَبّاً على شجر الأوراق، أرسم شهقتي المبلَّلة بِنفَسك الأرجواني
وأُسْلم وجهي لأعطاف ثوبك الزعفراني مُحْتدِماً تارة برياح الشمال، وتارة
بالمُباغِت المُشِعّ ببهاء الانتصارات. وإذ أُسَوّي جلدتي البربرية،
أَصِلُ دائمًا متأخِّرًا؛ قَبل البكاء، وبعد الرحيل، ضامّاً جسدي إليك
وأنا أَمِيل بِكُلِّيتي نحو الغروب ... ].
قلتُ؛ ماذا لو
مددتُ كلماتي، أنا الآخر، وقبَّلتُها، فالتحية صَرْفٌ للمُنْهَك من
الحروف، وترويض للشفتين، على الامتلاء.
بيْد أني، لكي
أقُول، لا بد لي من إلقاء نفس التحية، على المألوف، الحَرِيّ
بالمُجامَلة، فيما أنا لا زلتُ ساهمًا أرنو، إلى النقطة التي يؤلمني
شَكْلها، كلما فَكّرتُ في التربة، التي هي المُطْلَق بذاته؛
- أنت، في
النهاية، تُربتي
وأنا النقطة.
- هل أُشْبهك
إلى هذا الحد؟
- قَطعًا، وهذا
العناق العنيف إنما يؤكد رعب المسافات!
- 2 -
الآن، وقد
هَدَأتْ حِدّة الحروف، سأفْرِكُ يديّ مليًّا كأنني المنتهي، العارف
باتجاه الريح؛ المتقدِّم في هيكل الإشراق؛ النابض بخلجات الشهوة؛ المفتون
بتزاويق الحسان. كأنني سيّد الكلمات كلها، أَرُصّها على سريري الورقي
حرفًا حرفا، وأَهْمي لرؤية سُرَّتها المدوَّرة، محفوفة بالثنايا، عامرة
بالمؤوَّل. أغرس مهمازي في حقلها البدائي وأهيم بالرحيل. أتربَّص بنزوتها
الموقوتة بعودة الزرازير،
وأُشْعل الفتيل؛
لي الصهيل،
والعِهْن المنفوش والبَظْر الظليل.
لي الأراجيح
الكُثْر تُهدهدني، في صمْت الغابات، حتى أنام.
لي الظلام،
والأوابد من الطير تجنح بي صوب الغروب.
لي الهروب،
والقول المفتون بضيق الدروب.
لي الأسماء كلها
والأشياء.
لي الإغواء،
يدفعني إلى الشَّرَك المجنَّح والصمت الأكيد لنشوة الفَناء.
لي المقدَّم
والمؤخَّر.
لي الوجه القمري
الملثَّم، والجسد المرصود للصلوات.
لي الفلوات،
واليعاسيب المُقَنّاة والفحولة المشتهاة.
لي اللامسمّاة،
يُفْجِؤني النوم على نَحْرها، فأَتْرُك العروة للصباح.
لي المباح،
والجرانيت الممزوج بدمي يدخل معبد الكلمات.
لي الفِلِزّات
تُخَبِّئ أشعة شمسي تحت إزارها وتسكُبني أنَّى شَرُدَ الماء.
لي الفضاء،
أملأه بِدَوِيّ الأشكال وأنفخ فيه الحركة.
وإذا استعصى
النّوَال رُمْتُ السكون اليَعْرُبي حتى لا أقُول.
لي الوصول،
والجسم المرصوص كانحناءات السواقي على خصر الحقول.
لي المثول،
والشهقة الكبرى لي، ولي الحلول.
أحتسي خمرة
بَضاضتها الصافية وأعلن لوجهها المُسْرِف في تَعاليه، أنني الوضوح؛
السِّحر المَسُوق من غياهب الفطرة الغامضة / أأنت حائضة؟! . . . ولَّيتُك
عرشي الورقي والنقط جمعتُها لك في سلة القلق. أنت الشِّباك الذي أسْلمني
للغرق يَمُضُّني وأَسْكُن، متى مَرّرتُ يدي على الفلق.
[ الفَلَق
يُذْهِب القلق ]
أحرق لك البخور
العدني كي تظهري عارية للعباد، ماشية صوب حتفك المحفوف بالبياض. وأفطن
متأخرًا إلى انعراجات جسدك المغربي، فتدمع عيناي وأبحث عن بقاياك التي
سَوّيتُها بيدي؛ دمغتُها بدمي، وأسْلمتُها لهزيع السواد.
أنا الجاهلي،
اَلْمَاأَفْزَعهُ حَرَسُك الكُثْر عند المداخل.
أنا الجاهلي،
اَلْتَرْتعُ في دمه كل المجاهيل.
وتتناثر
الجدائل، وصيحات التناحر بين القبائل
من أجل ضَمّة
حَبْلى بالحياة، ودفقة ملآى بالسوائل.
أنا المائل، صوب
أكاليلك الشوكية تنغرس في جسدي الحائل.
أنا المشهود على
كل ساحل.
أبني من نَزَقك
مملكتي، وأتقن على البياض نصب الحبائل . . . .إلخ إلخ
حبائل . . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل
. . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل
..............................................................................................................
..............................................................................................................
ا- حُجُبٌ
لا لون يحتلُّها، تحتلُّني.
المَدارج برْ د
وأنا على السطح
يختبرني
الطُّفُوّ.
[ النبع سيّد الجبال] . . . هكذا قال.
ل - جدارات
عالية تَرْشح بالأمطار.
الصمت يتولى
التَّرْبيت.
إسكاتٌ بالجملة،
على عاهِن الوقت.
ك- سيوف
الأجداد تقْطُر دمًا
وخَبَلى أنا، في
تَشابُك الحروف.
تركة فاحشة
على أرض
النيران.
ل- عيونٌ
طِفلةٌ تتدلى على الخدود
وأمازيغيتي
تتدثر بالحناء.
الورود في اليد
حديد
والدم اقتفى
عهده السابق.
م - صَدفة
مرصَّعة بآجُرّ المعابد.
اليقين جوهرة
سقطتْ في
الفجوة.
ا- حروف
سافرة تقتنصها اللحظات.
الجسد مشكاة
والروح نور.
أَدُور. .
أَدُور
وأَرْجعُ إلى
الجذور.
ت- المُواتي
فى الليل صباح.
المتجمهِر فى
الساحات رياح.
غديرٌ جفَّ،
وبقيت الأحجار
تبحث من عُنصرها
السائل.
حبائل . . . حبائل . . . حبائل . . .
حبائل. . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل . . . حبائل
..............................................................................................................
..............................................................................................................
الآن ، وقد
هدأتْ ثورة الحروف، سأتماثل للسَّهْو، وأُكفِّر عن خطيئتي بالنسيان.
سأرتجل سُهوبك العنيفة رقعة رقعة، وأبني على تخومك المنيعة قلعتي
الموهوبة للغيطان. أتراءى كجبلٍ قديم عَرّتْه الأحجار، وأسير في دروبك
الضيقة ساهمًا لا أبالي بانتصاب الأشجار. أقتات من حركاتك التي كم
أوسعتْني سطورًا، وأمشي هادئًا كمُريدٍ ملغوم. أنا الموهوم بجنانك
المتدلية من تقاويس الفروع. وأنت في البعيد، عصفورة تنشر جناحيها على
المدى وتسأل الظل عن مكمن الأسرار؛ وعن أليفٍ تُسْكنُه تدويرة العين
وحنين تَبسُطه في التواءات الضلوع. وأنا منذور للزاوية، أرتجي شطحة
البداية، لتهدأ فوْرتي ويبدأ موسم السطوع، على الورق المُحابي للقراء.
وإذ أقُوم إلى المرآة أرى شبحًا يشْبِهني، فأجفَل. أرْتدُّ ثم أصْمُت.
أمتنع عن موارَبة سؤالي وأَتْرُك للفضة أن تُفنيني في الإشراق.
الآن أوصَدْتُ
ورائي كل الأبواب، وآن لي أن أستريح مليًّا وأصيخ السمع لدبيب الأشياء
تُفارِقها الكلمات.
الآن أَوْصَدتُ
ورائي كل الأبواب، وما قلتُه كان لحظة غواية.
ما خَلَّفتُه لم
يكن إلا جداول تنساب ، بلا أثر
وشيئًا كالطين
يعلو جسدي
حتى لا ينهار.
- 3 -
هي ذي أنتِ،
مُشِعّة كشمس النهارات البعيدة؛ فاتنة كَرَبَّةٍ تُرَتِّبُ الأعالي، وعلى
عرشها الذهبي استكانت ذيول الشهوة.
يا أنتِ، با
التي في كَفِّها الشمس،.............أنا هنا.
قرطبة غابت في
فرحها العربي، وأنا حبيس مُقلتيك أسكب دمي على أعتابك البيضاء قطرة قطرة.
تومض البروق في دواخلي فينهال المِداد. أسطع وأتنوَّر، ثم أنتهي محمولا
على جحافل الرماد.....ازرعيني على فراشك الضوئي نبتة تُوَشّي حَوَافكِ
المطعَّمة بالأبدية، ولا تَدَعيني للسيْل القادم من عَلٍ يرقبني بعيون من
حَجر؛ من طين ورمل، ومن أعشاب همجية.
يَّتُها
المَجْلُوّة بالغموض، أَلِكَيْ أَجِدَك لابد لي من اللهث وراء تَقاوِيرك
المفخَّخة بالرُّضوخ؟
!
- لا
مِرَاء،...أُنْظُرْ كيف تتجمَّل العاهرة
!
البيضاء / شتاء
1989