مقام



 

مقامات    

 

 


   مقام الإبادة


 

 

هذا الغازيّ الفارِه، المَمْسوس برذاذ الأزمنة، هديرُه من فورة الغيم يَسْتَلُّ الجَلْجَلة، ومن نبيذ الفَيْض يَحْبكُ رونق الحكاية. [ الرونق جاذبية الطعن، والحكاية أُحْبولة المعنى ]. يَخِزُ، في وَهْدة الغروب، صَلْصال أفراسه كي يَشْحَذ عَرَبة المَلِيكة بأَلقٍ لا تُخْطِئه الفتنة، رَجْماً غَريمًا لشياطين الأغوار المأهولة بالرَّهبة؛ المسكونة بأطياف السّاحرات المُمَرَّغات في كَنَف القَطْران.

[ السّاحرات اللواتي يَندُبْنَ عُقْمهُنّ الآبِد بهشيم جِرارٍ منسية وأظلاف كائنات مُنقرِضة. يَنْعينَ بالعويل النّاعِب سَليلَهُنّ المُسجى على رخام المذبح ويَطلبنَ الشفاعة من إيوان يَشُدُّ أثداءهُنّ من بِزَغَبٍ لا يُرى. يُرَدِّدْنَ الأدعية حاسرات وكَواهِلهُنّ مثقلة بالنُّذور؛ مشفوعة بالدَّمع والبخور، كأن خطيئتهن ثالثة الأثافي. يَنْهَشْن الفريسة بأظافر لم تُقَلَّم أبدًا ويَنْشُجْن بعيونٍ يتطاير منها الدّم. يَجْهَشْن زائغات ولا يُعْيِيهِنّ النُّشْدان. وإذ يُصَوِّبْن مرآة القلب جهة الظلام، يَشْهَقْن كَمَنْ يفتح المَهاوي بين السِّنة والنوم. لَهُنَّ فَرادة الغُمّة، ويَغزوهُنّ الطَّمْث. خاشعات مُتَضرِّعات يَسْرَحْن في مقام الإبادة، عند أقدام الوحش، ريثما يَحِينُ أوان الفتك، الأقدام الواطئة على عُشبٍ تَناهَى له الرُّزْحُ في هيئة مَدِيح ].

والفارِه، الملتَبِسُ بالغيم، يَخِزُ في وَهْدَة الغروب صلصال أفراسه غير آبِهٍ بالتَّوَسُّلات، مُعِيثٍ في أبهاء المَعْبَد دَيْدَنه التَّرْبِيت. يَخِيط من حَبْل الوَتِين قناع الموت، ومن شعور الساحرات كميناً لبهجة الدم.

 

مع ذلك /

لَهُنَّ مَنْفَذٌ تَسْتَحْيِي اللغة إذ تُسَمِّيه. مِنْهُ تَندلِعُ الفِتَنُ وإليه تَؤُوب. يُدْهَنُ بالشَّبِّ والزيت الآدمي قُبَيْل هِياج المُبارَزة، فالرِّماية مِنْ طَبْعِه التَّصْويبُ. له مِخْلبٌ نافرٌ هو سيد الغواية؛ طريقُه الغابةُ وصَوْتُه الفحيحُ. مَسارِبُه البليلة تَعْشقُ الفتنة، ودُرُوعُه الرائحة المقدَّسة، إذ هو مركز الكون ونارُه الجَيَشانُ.

مع ذلك /

لا يستوفي الوحش بَهْجَته إلا بالدم / الدم الفائر؛ الفاتح لِمَغالِق الروح؛ المسفوح على مذبح اللذة؛ المنقوع في طَلاسِم الوقت وتَخارِيم الخرافة. ./ الدم ذو الفصائل المتناحرة، الممزوج بطعم الخطيئة والسّادِر في الغَيْهَب الأرضي، جِهَة زَهْوهِنّ.

مع ذلك /

لا تَهْدَأُ جذوة الشَّك في سَراديبه حتى يُعَبِّئ خزائنه باليقين.

لا يَقُول إلا لِيَفْعَل

ولا ذريعة أَحَجُّ من مُكْنَته الباذخة.

يَنْسُجُ من مَساقِط الضّوء خيمة الحقيقة

لئلاّ يفتري على الكواحل أو يَخْْذُله التَّغاضي.

مع ذلك /

لا يُصِيب منه ابتهال السُّجَّد موطنًا يُطِلُّ على شُرْفة الغيم.

ولا تَشُوب أوصاله غفوة الرعشة.

إذ هو القُطْبُ ومقامُه الدهشة.

مع ذلك /

له المشيئة في الحَالِّ ولا يُعْوِزُه وَرَعُ القاتل.

يُنْشِئ الألفة كمن يزرع الجسد بالفخاخ.

وإذا وارَبَ، قَذَفَ القلب بِالْجَوى ورمى العين بالمَهاوي. هو صِنْوُ الريح وَدَأْبُه الشَّتاتُ.

وأنت يا حجابي الحاجز؛

لك الصَّهْباء حين تَخٍبُّ وحين تَعْلو في جنون الوقت.

لك الصَّهيل الصَّاعد من زفرات الجُرْح وبَحَّة الهديل.

لك ريحان المَنافي وعطش الجذور

فاطلقْ شُهُب القلب من مَعْقِل الزِّناد

واكتبْ خواتم الريح بِنَبْرة العاصفة.

فهذا الفارِهُ، ذو العباءة المُطَعَّمة بالأنواء، المُكْتظَّة بالزواحف المُنقرِضة، يَحُكُّ مَغْناطِيس الدُّرْبة ويُسَمّي الماء. يُلَوِّحُ لي من تَلَّة الفَتْك بِوَمْضٍ لا يُضاهى؛

- يَتْبَعُه الموجُ خانعًا، مُرَصَّعًا بأصداف تَهْذي وزَعانِف حيتانٍ لم تُغْتَل بَعْد.

- يَتْبَعُه سِرْب أطيار بمناقير مُذَهَّبة وريش مَحْبوكٍ بأطياف المُباهاة.

- تَتْبَعُه سَناجِيب تَنِطُّ مُرْسِلةً في إثْرِه حَبّات البُنْدُق وقَشْريات لم يشملها فِقْهُ اللغة بالترويض، إذ [ اللغة شيطان، النَّصُّ صُورَتُه ].

- تَتْبَعُه أَرْتالُ نَمْل يَتَكَتَّم على أسراره.

- تَتْبَعُه أجنحة مُداهِمة لا تُفَرِّق بين النور والمتاهة.

- تَتْبَعُه أقمار موصودة لمواسم الفيض، يَتأبَّطها بِإحْكامٍ جُرْمٌ محفوفٌ بأذناب قُرْمُزية.

- تَتْبَعُه جوقة يَحامِير ويَعاسِيب شاخصاً تَعْوي كأنها تَسْتَغيث.

- تَتْبَعُه القَوارِض خاسئةً تَنْزَعُ أسنانها وتَقْضمُ الريح، من فرط الإذعان.

- تَتْبَعُه الشياطين الزُّرْق هاتفةً بِمَجْد الغواية.

- يَتْبَعُه طيفٌ انْسَلَّ من غِمْدي، يُلَوِّحُ له من تَلَّة الفتك بِوَمْضٍ لا يُضاهى.

فآهٍ يا ظلي المقطوع، المُغْبَرّ كصُبّار المقابر، المشدود كالمُرِيد المخدوع؛ مِيراثُك جَمْرٌ ومَوْتُك سُطُوع.

ها أنتَ /

بين الحائط والمُدْيَة تَتفرَّسُ وَجْهَ قاتِلِك الوحش، ذي الخصلة البدوية والشارب التُّرْكي، ماسكًا قوس التَّرْقُوّة بهشاشة الاحتمالات، مُنِيبًا كل الفَيْض لخريفٍ يَتَّكِئ على أحزانه ويَسْرُدُ الخبيىء من أسمائه، على المَفارِق تَسْتَرْوِحُ الدم الحائر تَحَسُّبًا للطعنةِ الألفِ، وعلى الرمل تَنْثُر مَراوِدَ الألفة غازلاً من النَّطْع المتوهِّج طَوْق الخلاص.

ها أنت /

بين الشحوب والانخطاف تَتْلو مَوْتَك الجَهير، بالمُدْية ذاتها، سليلة الطعن والإغارة، كأنك المُرْتَدُّ الأَرْعَنُ في الصَّمْت المتفسِّخ والمديح الأَجَشّ.

ها أنت /

تَتَّكِئ في هروب اللحظة على ذَريعة النسيان وتُكَسِّرُ بَرْقَك الزّاجِر على سماوات يَتنازَعُها الغيم. كأن الغمامة لك والإضمامة تأتيك بالفصول صَافَّاتٍ كُلّما وارتْ أنفاسها الشهقاتُ. أنت الظِّلُّ الذي ما أَبَلَّ من هطول المَكائد وانهمار القَذى؛ ما خامَرَ الوردة إلا ليَسْكُن التُّوَيْج، في الْقَبْو كنتَ أول الفتك وفي العشق فاتِحَ المِدَقّات.

ها أنت /

بين الميراث المَلْعُون والشَّفْرة الباترة تَتَخَطَّفُك السَّكْرة، على عَضُدٍ لم يَكُن لك ونِسْوة غَطَّيناك بالعويل؛

- فمَنْ، إذا قَطَّبَ الحديدُ، يُجاهِرُ بِخُروجك المُتَخَثِّر إنْ لم يَكُن جَلالُ الدم وعِصْيانُه؟

- ومن، إذا سَحَبَ الموتُ بَرْدَعَتَه، يُرَتِّبُ أشياءك الأليفة في الدولاب المُقَشَّر؟

- ومن يُلَوِّنُ هذي النّهارات بالنِّيلي المُتَشَقِّق إن لم تكن فرشاة ضَيَّعتْ مَجْدها الطاعن، في زرقة العرائش؟

- ومن للحَجَر الصَّمُوت غير الإزميل المُتاخِم للحركة؛ المقْصِي لفِراسة غَرَّرتْ بها نَبْرة المَوالي؟

- ومن...؟

[ الإبدالُ قَلْبُ الحقيقة ]

وأنت يا وطني كنتَ أول من نَحَرني يافِعاً

سَقاني الدهشة عند الركعة الأولى

وأَوْلاني، غِيلةً، بهجةَ القصف

إذ ما من عاشقٍ لامَسَ أقدام الوحش فيك

إلا وتَحَجَّر

فافعل بي ما شئْتَ إذا حَصْرَمَ الليلُ

أنا الخذروف.

 

                                              البيضاء / صيف 1991

 

 

 

 

 عودة