خرجتُ وفي جسمي خَببٌ وفي عيني قُحولُ.
تركتُ عوسج فِتْنتها ملفوفًا في الإزار المُيَوْقَت، وكانت الظلمة شأني
والسديم غطائي. سَوّيتُ أنشوطة الفصول ورُمْتُ في حمأة الوقت منتهى الدخول،
وقلتُ اشتعلي بالهجر يا قوباء السويداء وانهمري بالفرح يا صنّاجات الغواية.
رذاذ الأزمنة ديباجتي والنَّهَم السّري غبطتي الوشيكة، فاتركي لي بحاشية
الأردان خيطاً يدلّني في جهمة الليل والمنآى على أول الطريق. إني قد حفرتُ
بأقصى الرضاب خندقاً لغَسق الأسئلة، وعاهدتُ الريح على الشتات.../ سيأخذني
ظمإي إلى عُبّ الانجراف؛
فى العمق، دائمًا
هنالك مُتَّسَع
لهديرالوقت يَخْفُت
وئيدًا ويمضي
لصمتك وصمتي حين
نَقْضي
فى شساعة الفراغ
بإضرام حرائق السكون.
في العمق، دائماً
هنالك متسع
لصوتين يمتزجان؛
صمتك وصمتي.
نُسْلِسُ القياد
لشكيمة الوجهة
ونُؤَبِّن، في فداحة
الانجراف، أنوار الحكمة
مرجّئين القطيعة إلى
حيث تزهر اليقظة
لحظة ما
كأنما لنا في الرحيل
غواية العشاق
ولنا في الموت غُنُوص
الظلمة.
مرتيل
أُبّهة الكأس
وقتما تَحُلّ سَبْتَة يبدأ انشداهي.
تأتيني بالمُرُوق الجارف وترميني بالمَتاهِ. تأبى الألفة إلا من صميمي
المحترق ومن أويقاتي المفعَمة بالبَلاهِ. وحين تَسْكُن أَدراني / تَراني
ولا تَراني / أَتحجّر في قبضة الكأس كمن أَمَّتْهُ الطلقة المبهَمة؛
مَهْمَهة الماء ورعشة الصيارفة في الأزقة المظلمة. وأنا في امتدادي المعهود
أُلاَهِي جُموح البحر وأهيء للوقت كمين الكتابة؛ بخور الشناشيل ودهون
الرحلة المتعَبة. أُمَجِّدُ الكأس متعاليًا بنفاذ اكتناهي، مُباهِيًا
بغوغاء دمي:
[ في عطشها الوحشي،
يمرق البرق
تمرق الأشجار
وفِخاخ الدساتير
تتغوَّر
اللحظة
وتَفيض
الأبراج بالعظام.
في عطشها
الوحشي، مَرّتْ فُلول الأكاذيب
مَرّتْ مراكب
الهجرة وشهقات الكثيب.
مَرّ العُشب،
مخضوضباً بدمي.
في عطشها
الوحشي، تتكسر المرايا
لِيَلْتَمّ
وجهي فى الشظايا
وأُغْرِق
سُحْنتي في زغب الحكمة.
هي كأس
تَخْضَلّ بالشمس.
ملغومة وأنا
إِلْفُها المشاكِس ].
سبتة
مراوَدة
الفردوس
ريح والريح في أفلاكه عِيدُ. تمشي
السَِّفِينُ به كَرَبّات الشرق وتَبْسَم على شرفة الماء القراميدُ. هوذا
المَضِيق بابُ الرَّحْبِ اَلْيَنِزُّ برماد التاريخ والأفواه الصارخة؛
بالمُسوح الإلهية والنيران المخَبَّأة في ثَنِيات الأمواج؛ بهَسِيس الطوفان
وانبثاق المَمَرّات الصاعدة إلى عروش ضيعتْ تِيجانها / حين يأتي ،
يَحْمَرُّ أُخدود الفردوس وتطلع من شقوق الأرض والأدخنة وردة الأميرة.
يتهدج صوت الكستناء على أنامل الغبطة، ويُوشِك يَنْبري للجمر المدفون في خط
الهجرة. تُحَلِّق في برزخ العين بلابل النشوة وتصدح بالعشق مَسامُّ الجلدة؛
في الرّحْب يَتَسكّع
الحديدُ.
في القلب تنام
المواجيدُ.
هوذا الجَمال يَخْدَع
على نَغَم الوفرة
في المشهد المختال
حُظوة لحفيظة الدم
والشقرة.
الجزيرة الخضراء
شهقة
الزرقة
يا لَلزّرقة
المتْرَفة!
ازْوَرّتْ عيني وما ازْوَرّ قلبي/ في
الساحل الجنوبي. هيفاء تَستمْرىء العُري وتُطْلق للرمل عنان الشهوة. الدم
تفاح الوجنتين، والوجه مرآة تُرَوِّض الشمس على اللمعان. حين تَلْتفِتُ
تَيْنَعُ شقوق الأرض وتغمر وَهْوَهات الدهشة رمل الشطآن [ بيني وبينك
رتاجات صدئة وسماء مُطْبِقة / حَجرٌ دائري وفضاءات مُغْلَقة ] أنا البربري
المحاصَر بالعطش والسهوب المترَبة / لي المَسْغبة؛ كيمياء اللغة وفُتات
العضل. في يدي زقزقة العصافير والصدر مَرْتَع لحصى الخلجان / فاهدئي يا
نسوري/ في الساحل الجنوبي. ربّما غبَّ المنعطف الأخير، عند الحان السرمدي،
تبتل جذوري. أفيق من غيبوبة القبر وأَقُصّ أجنحة عبوري. أبقى في اللازوردي
غارقاً في بحر شرودي، وأفتح للمَغاني - أيّان هَلّتْ - أشرعة صَحوي ومنتهى
حدودي.
مشدود إلى الزرقة، دليلي الشاخص
المعدني والغبطة المحمولة على نَثِيث المطر الوهمي، فتحت أزرار قميصي
الصيفي فطارت أسراب العصافير. عَلّقتُ البحر على الشفير وألقيتُ مفاتيح
الرحلة للعشير؛ كل الورود تُسْلم وجهها للشمس فيشرق التويج، وما أُلَفِّقُه
الآن إن هو إلا كُولاجٌ لاعتقال الفراشة!
أُوَالي غزواتي المجوسية حتى تَعْلوني
الضّراوة البهيجة، وأَعرفُ أن مدادي لن يكون أقدس من دم الشهيدِ، وأن بلادي
زورق اختطفه المَدى وغاص في البعيِدِ. لكني مُتِمٌّ نِعمتي على صدر
الغَواني ومُسْبِلٌ عطاياي بغير حدودِ. كأني المجرى المتخفي بين أغصان
الوجودِ، حيثما انساب رقراقُه عَبَّق الجو بالشذى وغطّى الأرض بالورودِ.
فارشقيني بالذهبي المُبجَّل كلما اهتزتْ بداخلي قناديل المعنى، وهَبّتْ على
ساحلي الجنوبي رياح النشيدِ.
بِلاكِ، كل أمشاجي
عِبءٌ وكل فصولي حريق.
الساحل اللازوردي
شراشف
الوقت
الوقت /
صورة للضباب
المخيِّم على سهوب الذاكرة.
شقوق في الجسد
العمودي تؤرِّخ لبداية الانهيار.
مرايا متناظرة
سُيِّجتْ بأشواك المَتاه.
مملكة للصمت وانشداهٌ
فائق الاحتمال لقصور الكلام.
الوقت /
بارقة تلتمع بأقاصي
العيون، وتنمحى في انسداد الحدقة.
خفقة تُرَتّل المجهول
وانبهامٌ في هيئة الوضوح.
الوقت /
ديجور بِحَوافٍ ناتئة
وحَدٍّ يَضرب عميقًا وِفْق هَدْهدة الانسياب.
له من تاج الغيب
مَكِينُ الخطوات
ومن فيْض التآويل صفة
الارتياب.
كأن في امتعاضه رغبة
التحدي
وفي انبساطه لوثة
الخلود.
شمال إيطاليا
شوارع
الماء
تذكّرْتُ يَدك البيضاء حين هجَرني طائر
النوم ومَرّتْ شوارع الماء على جفوني. للعاشقين أن يحلموا بالشموع الحُمْر
ولذة الكُمونِ، ولي أن أحفر اسمك على جدار قلبي الحزينِ ثم أعُود أدراجي
مسترشِدًا برائحة جسدك المغربي / ولا أَهْدَأ.
مُثولك المشعّ فتَّ في داخلي تماثيل
الوجهة وأبقاني أسير وهجك البربري. وأنت على عرشك الحجري محاطة بسَوْسن
الطيقان، مُضاءة بصبيب القناديل والبهجة الغامرة. على أمواج شعرك الليلكي
تحط قطعان الفراشات وعلى الشفتين تنسكب حمرة الشفق. أَقْترِف غلوائي
وأُسَمّيك الجمرة المليكة. أَتْبع الضفيرة إلى منتهى القُطب وأَضِيع في
حديقة صدرك المغربي / ولا أَهْدَأ.
وحين تضحك مني الشرفات، أتدثر بهشيم
عواصمي ودلدلة انكساري. أَدَعُ الجندول يَمُرّ، وأسقط صريع الرغبة الموحشة،
ثم أصيح: يَدُك أَوْدي في كل إبحار. يَدُك أَوْدي في كل إعصار/ ولا
أَهْدَأ.
أَهْدأُ حين يرشقنى
الذهبي المُمْعِن في عصيانه.
- وجهك قُطوف
لِجَنّة غائبة.
- كل إيماءة شروع
في القتل.
- حين أشتهي، يطل
من عيني الخراب.
- كيف للبربري الذي
كُنْتُه أن يُداري الْتِياعه بالحَرْف؟
قنطرة على قنطرة / ماضٍ صوب منتهى
جنوني ولي أجنحة منكسرة. أضيع بين زجاج الكنائس وأعمدة الرخام. تأتيني
الموجة طافحة بالرُّقى والتعاويذ، ومن بُرْنُسي تسقط أقمار وتذوي شموس
عتيقة. أَضَعُ الرشيقة على الرشيقة وأتوسّد غَيّي. أُقَمِّطُ العقيدة
وأُقَشِّر كَمْأَة فضولي؛
[ في جلسة العجوز، حَذْو باب
المَخدع، رأيتُ جَدّتي، تَحُوك من اليومي أساطيل الخرافة؛ من خيوط الصوف
دثاراً لِعُنف المآسي؛ ومن القول البهيج أرخبيلاً للمُداراة، إذ في بلادي /
وحْده الصلصالُ المَفْخَرةُ في الهبوب ].
البندقية / جنيف
اهتزاز
اللمعان