ثم عادني طيفك الموشَّح بتهاليل البياض ناصعا
كالولادة الأولى، مجلَّلاً بشهقات الصمت في أوج الصراخ،
سابحاً في تلافيف الزرقة والفراغ يَضْرب في قضاء الملكوت بسحر الغموض، ذلك
الذي يُدنينا من دهاليز الموت بمُسوح النسيان.
كنتِ الوَدَاعة التي أسلمتْني إلى مخالب
الألفة. أسكنتُك القلب الذي جاور مهجتي في الشتات. كل أمجادي لك. والنار
التي خاصرتْ وَجْدي الأُورْفيوسي سفحتُها على أعتاب جسدك الماورائي.
مطمئناً إلى شِعابها وَطَّنتُ جذوري في امتدادات الزرقة وأنا أرتمي
في بحر السكون.
الله الذي في عينيك يرمقني بزهو العارف.
أُناقِض مشيئتي وأفُكُّ عن ملامحك مناطق العزلة. أنت نبراسي في التَّوادّ
وصُورتي في الإشراق. جسَدُك لي وأنا في رُسُوّي أفيءُ إليك وأشعل شموسي.
وكلما هزّني شوق أطفأت على عتباتك منتهى شروقي وبقيتُ تحت دوحك الوافر
يجللني النور وتغمرني الظلال.
كل فرائصي مهداة إليك. والنوارس التي شيعتْنا
على شاطئ مرتيل يوم انغمسنا في الماء معمَّدين بوحدة الخلق تَهدّجَ صوتها
من فرط النواح على غيابك العاصف. كنتُ ساعَتَها مترفاً بالماء، مترعاً
بالنشوة وأنا ألوِّح إليك بقلبي لنقتسم هذا الفراغ المائي المهووس بالزرقة.
نَسْبح في فُلك تَناهى لنا في هيئة يعتمرها الوجود. نَجْنَح إليه لنتوحد
فيه. نتغاضى عن الناس بِمَحْضنا وننفلت من أتون النظرة، نحن الذين طوعوا
الرمل لمشيئة الروح وتقاسيم الجسد، ولو في تَبايُن معنا كان.
الخضرة أهديتُها لك في المساءات المعفرة
بِعبير النعناع. تَطُوفين في كْلوروفِيلها بشميمك الذي لا يَهْدأ نَضَارُه.
تتعقبين الحياة مزهوة بما تُصادفين من أشكال الحضور. كنتِ في اكتشاف دائم
لصُنوف الوجود.
وحين يَهُدّك المَسير، في الفراغ الذي
جُبِلْنا عليه، تتخذين من حضني الريفي مَعْبراً وجدانيا لخرائط النسيان؛
ملاذاً فارهاً لآصرة العمر وفسحة ثانية لشمس الغياب. تنامين ملء عينيك
فراديس يشعّ وميضها باسقاً حتى تفيض خضرتها على أطراف الحنين.
سَيُدْرِك الموت أنني سميتُه قبل انعطافه
عليك. أنا الذي لم أكن شريدا إلا من أجلك. الله يفاتحني بجسدك الصغير
مُكْنة لأيامي الباقيات.