كفنتك



 

نصوص    

 

 

 


  كفّنتُك بالأزرق

لوّنتُ عينيك بلون الحياة


 
   
   مرثية إلى LUPPY وازعي في الحضور والغياب  

 

 

ثم عادني طيفك الموشَّح بتهاليل البياض ناصعا كالولادة الأولى، مجلَّلاً بشهقات الصمت في أوج الصراخ، سابحاً في تلافيف الزرقة والفراغ يَضْرب في قضاء الملكوت بسحر الغموض، ذلك الذي يُدنينا من دهاليز الموت بمُسوح النسيان.

كنتِ الوَدَاعة التي أسلمتْني إلى مخالب الألفة. أسكنتُك القلب الذي جاور مهجتي في الشتات. كل أمجادي لك. والنار التي خاصرتْ وَجْدي الأُورْفيوسي سفحتُها على أعتاب جسدك الماورائي. مطمئناً إلى شِعابها  وَطَّنتُ جذوري في امتدادات الزرقة وأنا أرتمي في بحر السكون.

الله الذي في عينيك يرمقني بزهو العارف. أُناقِض مشيئتي وأفُكُّ عن ملامحك مناطق العزلة. أنت نبراسي في التَّوادّ وصُورتي في الإشراق. جسَدُك لي وأنا في رُسُوّي أفيءُ إليك وأشعل شموسي. وكلما هزّني شوق أطفأت على عتباتك منتهى شروقي وبقيتُ تحت دوحك الوافر يجللني النور وتغمرني الظلال.

كل فرائصي مهداة إليك. والنوارس التي شيعتْنا على شاطئ مرتيل يوم انغمسنا في الماء معمَّدين بوحدة الخلق تَهدّجَ صوتها من فرط النواح على غيابك العاصف. كنتُ ساعَتَها مترفاً بالماء، مترعاً بالنشوة وأنا ألوِّح إليك بقلبي لنقتسم هذا الفراغ المائي المهووس بالزرقة. نَسْبح في فُلك تَناهى لنا في هيئة يعتمرها الوجود. نَجْنَح إليه لنتوحد فيه. نتغاضى عن الناس بِمَحْضنا وننفلت من أتون النظرة، نحن الذين طوعوا الرمل لمشيئة الروح وتقاسيم الجسد، ولو في تَبايُن معنا كان.

الخضرة أهديتُها لك في المساءات المعفرة بِعبير النعناع. تَطُوفين في كْلوروفِيلها بشميمك الذي لا يَهْدأ نَضَارُه. تتعقبين الحياة مزهوة بما تُصادفين من أشكال الحضور. كنتِ في اكتشاف دائم لصُنوف الوجود.

وحين يَهُدّك المَسير، في الفراغ الذي جُبِلْنا عليه، تتخذين من حضني الريفي مَعْبراً وجدانيا لخرائط النسيان؛ ملاذاً فارهاً لآصرة العمر وفسحة ثانية لشمس الغياب. تنامين ملء عينيك فراديس يشعّ وميضها باسقاً حتى تفيض خضرتها على أطراف الحنين.

سَيُدْرِك الموت أنني سميتُه قبل انعطافه عليك. أنا الذي لم أكن شريدا إلا من أجلك. الله يفاتحني بجسدك الصغير مُكْنة لأيامي الباقيات.

كنا رافلين بالوحشة. نخاطب العزلة بدمنا العنيد ونقارع المستحيل بالتَّضامّ.

الواحات التي عرجنا عليها في صحراء الكون ما زالت تُطرينا في الغياب. بَصماتُنا التي اندغمتْ لها في الصمت أغنية الحياة، ولها في الموت غواية الفراديس.

سَفرُنا في الغياب حضور روحي في مقام التوحد. نَجْتَبي من تضاريسه موطناً نَقْتدُّه نافذة تزهو بالنور في أقانيم الظلام. نقتعد البهاء كلّه ونرنو إلى عبورٍ نوراني طافح بالشهوة. لنا في الصمت بهجة الخلق وفي الحضرة خَفْق البصيرة. أغلِّفُك بالعشق وتسبلين على أرداني تواشيح الشوق. مسبوكة بأَنايَ وغَدي مرهون بحضورك الغامر. وكلما اندلقتُ كالماء أرتاد مواجعي تسفحين على رُبَاي الموحشة بهجة العشاق. تطلع شموسي من غياهب الظلمة وأفيض مكللا بالنور مفاقمًا بالعودة.

في تَعلُّقك بأهدابي فقدتُ صوابي. كنتِ المليكة وأنا العاشق المتيم ببريق عينيك السماويتين. تُعِيدين إلى الزرقة ألق الثريات وإلى قلبي الواهن نبض الحياة.

تهربين من صحراء الهجير إلى حضني الريفي؛ واحتُك الظليلة كلما احتدمتْ في عينيك غرابة الوجود.

تحجمين عن النباح، كلامك السابق على الكلام، حتى لا تَرُجّي صمت الصباح. عساه يحفر لك في القلوب ملجأ تعودين إليه لتبديد هذا الخوف الذي لُفّتْ فيه هذه الحياة. أنتِ مَن طاوعتُ في خروجي الصيفي حتى شُفيتُ من الخوفِ. أبادر إلى طقسي اليومي المحفوف بتآليف الخضرة وأنت ترصعين بِخُيلائك ممشاي البَارُوكِي. الخطوة لك، يرنُّ حفيفها في مَسْمعي الذي يترصدك مهما نأيتِ عن شرودي. الخطوة لك، تزرعين بها علي مَشارِفي الشائخة بيادر الصحو وعلى سْمت المسافات تعيدين أبجديات الخَلْق. لولاك لانْسَلّ الضوء من بريقه وخبا تاركاً فلول النمل تَسْرح على جسدي العليل. تُظْلِم مناطق بهجتي وتخمد ما تبقى فيه من شآبيب الحنين.

راضية بقطرة دم خيطاً يوصلك إلى ذُرى قلبي الخليل. مفتونة بقسماتي التي ما غابت عنك يوما ولا جافت رونقك عند اللقاء. حبورة وطافحة بالحياة تلقاني عند الباب، تُبْدين من الحب ما لا يضارَع، كأنك تُهوّنين عليّ قتامة ضجّتْ بها جدران جسدي وتقتسمين معي تعب هذه الحياة. طَقْسك هو وما أَبْدَلتيه يوماً. تشاطرينني الحب كله وتَفْنَين في سؤال مرضاتي.

                                                         الدارالبيضاء 27 /03/ 2002

                                                        يوم أسلمت الروح إلى باريها

 

 

 

 عودة