قبل انهياري



 

نصوص    

 

 


   قبل انهياري


 

 

لِحَضرتها البهية. لاِسْمِها النوراني. لِصَوتها العقيقي وحفيف ثوبها السماوي. فتحتُ أبواب دهاليزي. تعريتُ في ظلمة الأنوار، ولكوكبها السحري كشفتُ مآلي.

لحمرة الشفق على وجنتيها. لبياض يلتبس بِقدِّ ها المرمري. لخميرة الإنشاء فيها والزمن العمودي، فتحتُ أبواب دهاليزي. وكنتُ في انبهاري السحيق، بِإزاء فِتْنتها الوردة، أُغالب ظمإي وأكمِّم براكيني مُتّشحًا بتضاريسها البدائية يوم يغلو الوقت وتلفظني الجهات. أرتادُ مُتلمِّساً كل السفوح وكل السهوب مُنتشيًا باهتدائي العميق وأنا أُعدِّد انتصاراتي القادمة.

وكانت في اتّحاد القَسمات. في تَطابُق الشهوات، اعتكافي المنتظَر: جذري اللا يُجارَى؛ منطقي في الفتح.

وكنتُ ناثرًا في مَمْشاها كل شموسي، طارحًا كل تيجاني، سافحًا، على أعتابها، جدارة دمي والعطش اللايُناهَز.

وكانت لاجَدوايَ في ارتقاء المسافات وتبديد عنف المجرّات. بها أُغْري شياطيني والجًا قصب المروج بحثًا عن الخالص في أعطاف جسدها المغربي، ثم أنجرف بتكَهُّني في اتجاه غمّازتيها وأطلق نسوري، مخفِّفًا من رَوْعها وهي تشهد البحر يتعاظم في داخلي والموج يلقي بزبده من شطان فمي.

وكنتُ كثيرًا ما أَلْهُو بالماء في قعدة الكأس والبحر قائم في اندفاعي، كأنني في حيرة من أمري وزمني مَحْض هباء:

- بستاني المغمور بالماء.

- مراكبي المرصودة للطوفان.

- خطاطيفي اللائذة بالجحيم.

- تيجاني الذائبة فى مملكة الظهيرة.

- وَضْعى المُريب في خارطة القول.

- استحالة العودة من التخوم الآهلة بالحرائق.

. . ./ كل شيء ينتهي، وتبقى كيمياء اللغة دِرْعي ضد الزمن.

وكانت دليلي في سفر تتوزعه الجهات، بشموسها التي تتناهب

فراديسي وفخاخها التي لا تشبه الفخاخ وهي تتقاذفني لأنْقُض مواثيقي وأُعلن تَبَرُّمي من مواكبة الظلام، كأنني عائد من زمن تتعقبه البراكين.

وكنتُ أُنَكِّس أعلام كتائبي وأنخرط في هذياني الكَتوم، مُتَنَصِّلاً منهن جميعًا، إلاَّها. أُلْجمُ شياطيني وأَعُود موزِّعًا تَهَوُّري على أقاليمها النائية، مُفرِداً لها عناصري كلها والعطش اللايُناهَز.

وكانت أسطورتي في كون يتقلص، ولغة تَدلفُ عهد الإيماء.

وكنتُ ناضحًا بانتمائي لفِتْنتها الوردة واقترافي لشهوة الغيم. أَسْتلُّ من البرزخ وِثاقي وأَقْطفُ فاكهة صَمْتها بأنامل من كِلْس المجرّات. وإذا ما هاجتْ قُراها بالتضاريس الجديدة اغتنمتُ صوابي وانحرفتُ جهة الأخدود لأدفن في عشبها قرابة دمي وفي رياحها البحرية أتحلل من قيظي؛ أنا الشمالي المفتون بهتاف الحوريات وندائهن العميق.

                فيا فِتْنتها في رياضي

انتشي بِسَرْوي ونخيلي

واشربي من ظلي العتيق

                إني قد نذرتُ مَعِيني

لشهوة القسمات

                وحَوضي طافحٌ بالحدس

                مُهَيأٌ للرّجحان

                شأْن سقيفة انتظاري.

كهوفي ومغارات انخطافي وحشودي المنهزمة على عتبات ارتفاقها رسمتُها طيورًا لا تُفْرِد الجناح ولا تمَلُّ التحديق؛ فهي بالحضور المؤجَّل قد شنَّفتْ مجرى دمي، وأنا بظلي الخصيب قد أَرْهفتُ عِرْقى للطقس الخرافي، خفيفًا إلا من غيمٍ يَهْدر بي وليل يستعجل انهياري.

 

                                                     البيضاء / ربيع 1992

 

 

 

 

 عودة