لو أنك في وادي مَرْتِين، جنب النبع
الماضي، ولك صمْت القمر ولك شَعر الليل، لغادرت النجوم مراتبها وأحاطت
برأسك المُدلّى، ولاهتزّ سرّ اللمعان في مغارة روحك وانتفضت تميمة السعد
على صدرك البعيد، وكان لِعطر الأرض شموخك البربري، وكان لسَمْت المَدى
جنونك المغربي.
لو أنك في وادي مَرْتِين تُداعب النور
على شطآن القلب وتُسمّي النهارات بتؤدة كم افتقدتَها، وتَتّحد بما تبقّى من
كلوروفيل في وريقات مُهمَلة ، لاندملتْ جراحك العميقة وباتتْ حقولك الناشفة
عرضة للهطول، وقام البحر إلى صلواته وحرّض موجَه على الوصول.
لكنك الآن لم تَذق طعم النوم على سرير
من نيلون، ولم تُفْرِد لك المدينة غير جناح الهزيمة في المابين، ظِلّ الشمس
وبرد الإسمنت، لو بهما تستجير من غربة عششتْ في أنحائك. لو بالنار السارية
في الحنايا تُذَوِّبُ رؤاك. إفرادُك في الجمع نكسة أخرى ، وجمعُك في
الإفراد موجة لو أنك في وادي مَرْتِين، مادحاً رمل البحر، ُممجِّدًا خلوة
النفس، تاركًا للعراء أن يُبَدِّل عَرق الجسد بعبير الفضاء، وللريح بَعْدها
أن أن تُطنِب في الهبوب كيما تكنس أحلامك الميكانيكية وتغتال فيك ما تبقى
من حضارة الإبطين. ولأعشاب البحر أن تتعلق بمجدك الآتي، وتحتفي بعودتك طيور
نسيتَ أسماءها، لكنّها ما فارقتْ جيوب القلب ولا بارحتْ بأعناقها القشيبة
سماواتك الخفيضة. ولك أن تتنصّل من إرثك الغرائي يوم كنت تحيا في مسارب
الموت. تُنادِم النهر العجوز يحكي عن مغامرة السريان، وعن حوريات يصعدن
تجاعيده موجة موجة، ُيقِمن أعراس الخصب في مائه الشفيف. ولك أن تفتتن
بأساطير الأولين مضيفًا إلى تلاوينها الفريدة رجوعك الخرافي من أقصى
الأنين.ولسوف تشم النوارس رائحة البحر في عريك الجميل، وتحط الفراشات
زرافات على جسمك النحيل حاجبة عن مُحَيّاك رعب المسافات وسِقْط المتاع. ولك
أن تُشاجي، في اختلاج الوَدَع، صمْت الغابات وتواشيح الصباح، مُشيحاً
بالأنفة ذاتها، عن مقام لم يكن لك، وعن هراء حاد بك عن رهافة الحياة.
لو أنك في وادي مَرْتِين عميمًا كبحر
مديد، خالصًا كضوء وليد، لَعَمّ الماء مُرُوجك اليابسة وطَفتْ أحزمة النور
على ضفافها مُوعِزة لأصدقائك القدامى بانبعاث جديد. تَرفُّ جفونك على همْس
الهزار وخشخشة القصب. في السكون الحي تدفن موتاك؛ أولئك العالقون بصخبك
الفارط؛ المتعاقبون على تذكرك في النسيان . وما هَمّ أن تكون مُطوَّقاً
بأنجالك القادمين أو تنحو في تطرفك الخرافي جذاذة العزلة. فَلكَ في الرمل
ذُرّية البحر، ولك في الصخر ماء السلالات .
ولسوف تبدو مشعًا كشجرة النور إذ
تستقيم في مهبّ العتمة. طافحًا بالأثير والمباهج التي ضيعتَ وشائجها،
تُجافي نوازع الحديد في حِينه وتنصاع لموج يتولى بالفرح وجهك الحزين، كأنك
استعدتَ طفولة الماء بالغًا أَوْجك في الصفاء، وكأنما المسافات لم تكن لك
غير حطب لإيقاد جمرة الحنين، لو به تَستردّ - مشمولاً باليقين - يفاعة
الحركة: جدائل النسوة اللواتي عبَرن دمك الجهير؛ الصويحبات اللائي دفعنَك
إلى بهجة الحضيض؛ بوصلتك التي أخطأتْ في ترانيم الليل، تحديد نبض الصباح؛
عبورك الانتكاسي نحو جحيم الجنوب؛ فِضّتك المندلقة على واجهة السنين؛ لهاثك
اليومي خلف مفاتن السراب؛ صعودك في المرارة، ومثل المرارة سقوطك في التباس
الكأس بالحنين، لو به تَستردّ رقصة السمك البلوري في ليلك الساحلي، وترى في
مرايا الثلج وجهك الجبلي سامقًا كنخلة الله. تقتفي، دونما فالْيوم رقة
الزهر وزبد الموج في نعمة الصباح، مضارِعًا في التحامك الجنوني اتّحاد
البحر بالسماء.
لو أنك في وادي مَرْتِين، خفيفًا إلا
من قلب يمجد سحر الملكوت ، وعشقٍ ينبو المضاضة ويعلو المسامّ، لانغمرتْ
روحك بدفق كبحتْه فتنة الهجرات، ولعادتْ إلى ظلك أيائل الظهيرة كأنما إلى
ظلها القديم تَعُود، وأنت مركوز في جلالك، متأهِّبٌ للغفران، تُعَرّي قمصان
الأرض عن فاكهة الحياة، وبتلذذك الأميري تصطبغ أمداء باركتْ رجوعك وخَفّتْ
إلى وَجْدك المهيض. ولك أن تتوسد هضابًا سمّيتَها وتفاتح، في رباطة لم
تعهدها، دهشة الأزرق من عودك الحزين. ولك أن تطالع صمْت الوجوه وتحضن قرميد
الشرفات داحرًا فلول الشك عن إشراقات اليقين.
لكنك الآن لم تَذق طعم النوم على سرير
من نيلون، ولم تعانق غضارة الماء في وطن الجفاف. تَذْروك المسافات على شعث
الجهات شريداً، وما كنت بشريد. تتقمص عنف المكان جزافًا وبيديك المعروقتين
تقتلع جذورك الأربعين ثم تداهن الغيم وتهمي جهة الحنين، لو به تسترد زمًا
ضيّعتَ مفاتيحه يوم هِمتَ بمهرة المستحيل، لو بالحرقة ذاتها تُبدِّل دورة
السنين، وتمتشق أودية طالما نَفحتْك زنبق الحلم وسهو الحصى في لألأة
المياه. تنير وحشة الروح بشهوة العناق؛ أصدقاؤك الذين لم يبرحوا مكانهم مذ
وُجِد المكان؛ الجدول المتخفي بين الأحراش/ خروب المودات أعشاب الكينونة /
خَلَنْج العقيدة / عُلّيق المساءات المخضّبة بالنعناع /... وبشهوة العناق
تلك تمزج جهشة البكاء. تميل طاعنًا في بهائك جهة الماء. تُواسي أرضًا
بَكتْك كما تبكي النساء، في غيبة الرجال، جذوع الظلال. وأنت بارتباك
المحِبّ تُلامس منابت الضوء فيها بأنامل من لوعة الغياب.
لكنك الآن سجين السقطة الأولى. تُمَنّي
النفْس برائحة الخبز في اشتهاءات الصباح، وتعشق انبعاث دخان الحطب في
امتدادات العراء. تَحِنّ إلى وجه أمك وتبكي ذاكرة وشّحتْك بالنسيان، وزمنًا
قضى أن تَرْشح في المابين. وها أنتَ تَذْوي في قبضة النار وقد غاب عنك
الفارس. وها أنتَ تُكاشِف وعولك الجريحة باللهفة التي اجترحتْ سيرة دمك
البربري. تُفِْرد لرهبة الموت عزلة خَذَلتْك، وما تبقّى من سلاطة نَحتْ على
صمتك بغربة المكان. فأي باب ستفتح، وأي طريق سيقُودك إلى فضاءات الارتطام
الأول .
... سينسفُك التذكر، وستحملك لعبة
السرد إلى مهد الجِراح، حيث يتوجب عليك أن تخرق ما وراء النص. لكني أراك
تتأهب للمحو والإقصاء، كأني بك ستقول، ضامرًا، في آخر الحكاية: حسبي أنني
من الطين انجبلتُ، وعُدتُ من مُنغلَق لأفتح بابًا إلى دمي المسروق.