وَصَلني الخبر. كنتُ كمن صُعق، أقفُ مشدوهاً في زحمة طال انتظارها.
اللسان تَراجعَ إلى الخلْف مثل خليج يرتشفه البحر، فيما العين طواها
المدى المزروع بالإسمنت، والحديد هياكل بشرية صدئة.
يبدو الخلف
كَلَوْحة قديمة غزتْها
الرطوبة، والأمام حكرٌ على الاكتظاظ. ليس الوقت بطيئًا كما كنتُ أَحْسبه
دائمًا؛ إنه أسرع مما ينبغي. ذلك ما جَعَلني أَنْتبه، في لمْحة فجائية جاحظة،
إلى عقرب يواصل دورانه المحموم بإصرار لا هوادة فيه / كل محطة حريق / هي
الأشياء اختلطت جميعها في لحظة، وما تَبَقّى من الرؤيا نافذة مُضَبَّبة.
أَحْمِل في يدي آخر اعترافات الوردة. شَعَري وزّعتْه الجهات، ووجهي خارطة
مُشْتعِلة. كل الطُّرُق تُؤدّي إلى نفْس المكان:
[أرجوحة
فارغة تتثاءبُ في الظلام.
شجرة
تتذكر طفولتها
البعيدة، وتئنّ تحت رحمة الفراغ / الصمت.
نورسٌ يفكر
في الرحيل،
والمسافات أعاصير.
عشْبٌ
يُرْهِبُه الوَطْء،
ويُغْويه وَهجُ النَّدى القزحي.
لونٌ
فَقَدَ اسْمَه،
وانزوى يَرْسم طيفه على وسادة باردة.
حَجَرٌ يزهو في يدٍ
عذراء، ويُمْعِن
في الإذعان.
بحرٌ
يخلو
إلى مَوْجِه، ويَذْرعُ الشطآن، بحثًا عن أصدافه المَسْبية.
ماءٌ
ساوَرَه القلق / الشك، والدموعُ الينابيعُ.
سماءٌ
تَرْصُدُ النمل، والنجومُ المصابيحُ.
نَسْرُ بَرْقٍ شرقي
يُعانِق غيمة
من حنين، ويحلم بالعودة.
جدولٌ
بِلَّوْرٌ يقف محتارًا بين الشك واليقين؛ بين سبعة أبواب ،
لامرأةٍ
مجهولة؛ لامرأة من طين وماء لا يَجْثو؛
لامرأة
استقلّتْ عُشْب الغموض
وارْتَدَتْ نحاس الشمس،
كي تشرق فيها
أطياف الشهوة . .
.].
كل الطرق
تؤدي إلى نفس المكان.
أَحلم
بعاصفة لا كَكُلّ العواصف، في غُدُوِّها والرَّوَاح ينتهي كل شيء. أحلم
بالضوء يَغْزو تفاصيل الطريق، وكالصاعقة يُبدِّد تَيْنَك الأحلام
المُهلهَلة، ولن يكون له صوت كباقي الأصوات. فقط عليه إنشاء زفرة
كالهسيس. أحلم بِوَجْهٍ طفولي، وقلبٍ في سِعة المَدى يحضن ما تبقّى من
الأشياء. أحلم بِنَوْمة الوليد، ماسكًا بالحَلَمة، وعلى ضحكته والرّنين
تنفتح الطيقان. أحلم بغابة نائية أَلِجُها وحيداً، وفي أدغالها المتوحشة
أختفي وأَضِيع. أحلم بمن أحببتُهم عميقًا يُشَيِّعون أفكاري ويذرفون الأشعار.
أحلم أن أتوارى عن الأنظار، وملء القلب وَلَعٌ بالرجوع.
هكذا
أمضي إلى حدود يَُشَرِّفُها العشق ويُسَوِّرُها النسيان. هكذا أَغتالُ
الألفة وأنسى ما وََهبتْني الوردة.
كل الطرق تؤدي إلى
نفس المكان، والخبر
يقترب من اليقين.
أَلتفتُ
يُمْنَة فأرى حمامة ََطّتْ لتَوِّها على شرفة عيني. أَضْحك، في خُفُوت. /
ما بالُها تذكَّرت الشرفة القديمة؟ / ، وحتى لا تَهْرَب ثانية أُراقبها
عن كثب، بحذر شديد، وأَرْكنُ إلى التّملّي في تفاصيلها المدهشة. أضحك، في
خفوت، وأخنق في نفسي رغبة الكلام. أخاف أن ترمقني فتجفل من بريق يخترق
العينين، وحمرة تنسكب منها كأي بركان يستفيق. أَسْمَع لُهاثها يضرب في أحشائي،
والرفيف يتحول إلى رعشات مؤلمة. أسمع نبضها المتسارع يغزل استراحتها
القادمة، وقبالة اشتهاءاتها القديمة تنهض لغة خفية تلتبس بالحنين. أَحْجم
عن سؤالها مخافة أن تتحجّر مثلي، أو يتركها الخفقان. أخافُ أيضًا من
تَعَثُّرٍ قد يُجْبرني على الانكفاء. ألمسها من بعيد، وبشفافية المُحِبِّين
أَسْمَعها تُهيىء لليل فراشه، فلا أُمْطِرها كعادتي بالأسئلة.
الضّجة
تَهُزّ الخبر. وأحيانًا يتوقف عن الرقص كأنه ينتظر الشاعر أن يقوم من
إغفاءته الصباحية.
لا شيء يدعو
للقلق /
[أنا
هنا، في هذا المكان المفقود، حيث بذرة الوضوح لم تَنبُت بَعْد. حيث لا
وجود لِلَّهَب الأزرق المكتمل الإهاب، ولا لِتَماسّات سحرية تُطاوِع
فرائض الوِجْهة. أنا هنا، أَحْمِل على عاتقي دَوّامة الأجيال، وكل
الأسئلة الأكثر إلحاحاً في الهروب؛ حيث لا موج ولا بروق؛ حيث الأنوار
الخانعة في الدُّنُوّ تُلْهبُها الظلمة، وتبتلعها الشقـوق، والجدران
المُشبَعة بالإسمنت تَهَبُ قوسين للظل/ ظلي أنا].
لا شيء يدعو للقلق.
كل الأشياء آلَتْ إلى طبيعتها البِكْر؛
-
نهرٌ يتراجع صوب منبعه، ويكشط الخضرة.
-
بحرٌ يلملم أصدافه ويَطْمرها في الأعماق، خوفًا من سطوة الريح وشهوة
العاصفة.
-
ماءٌ يَنْتَشر في الأنحاء، ويَقْتَرِفُ غَلْواء السؤال.
-
نارٌ تَهْربُ باتجاه الماء، وتَلفظ حامي الجمرات.
-
نومٌ يتسكع في الأزقة، ويَقرأ في العيون الصباح.
-
زوقٌ غادره الماء، وأَسْلمه لعنكبوت الشمس وسَهْو الرمال.
-
موجٌ يَسْأل الرمل عن زبده، ويترجل من على صهوة نافرة.
-
أفقٌ ينكمش، ويدخل
بطاقة بريدية.
-
حريقٌ يُهيِّىء مأدبة للأشجار.
-
بريقٌ يُفكِّر في اجتياز الظلمة، ويتردد في القيام.
-
طريقٌ تَتَعَوّذ من صمتها الطويل.
-
محارةٌ تتذكّر ماضيها في القيعان . . .
لا شيء يدعو للقلق.
كل الأشياء آلتْ إلى طبيعتها الأولى، والطرُق جميعها تؤدي إلى نفس
المكان./ لا شيء يدعو للقلق / المهم أن نَنْكفىء، على هذه الصورة، كلما
اضطرتْنا الرهبة إلى ذلك.
حركة غير عادية
يَعْرِفُها الشارع الخلفي. نافذة تُغْلَق بعصبية. دمٌ يَقطُر من الحروف،
ويسيح على الإسفلت. قمرٌ سكران يَتعرّى في واضحة النهار ويَتأفّف، من زغب
السيقان الرجولية، والأنثوية لها في قلبه سرير مُهَيّأ ٌعلى الدوام. أمام
الوردة ثمة ماء يتناسل. أمامي بضع كلمات ترتعش. طائرٌ صغير يحط على حافة
الطوار. يلتقط شيئًا ما، وبارتياب واضح يلتفت حوله، ويفتح جناحيه للريح.
شيء ما في داخلي طار هو الآخر. بالتأكيد لن أستطيع استِنْباته، بمثل هذا
الحُنُوّ، مرة أخرى. الأنفاس تتكاثر. تتلاحق في نظام مُوَحَّد وكأنها
تعزف سمفونية رُتِّبتْ مَدارجها بعناية فائقة. أيضًا، لن أتمكن من مغالبة
هذا الفقدان المفاجىء. سأبقى هكذا حائرًا في المابيْن. وربما أُجالِد هذا
الإحساس وأَفُكّ أعضائي كلها عَلّني أُبَدِّد هذه الحيرة في شَتاتٍ لا
لاَمَّ له.
سيارة تزعق خلفي؛
-
فجوةٌ تخترق الجمجمة
وتَسْتَقِرّ في تَنُّورَتها المرشوشة بالأزهار.
-
عينٌ تَسقُط من
مِحْجرها وتتدلّى جهة القلب كأنما هو الخلاص المستحيل.
-
يدٌ تَجْمَع الموج
وتستعجل الانصراف.
-
زورقٌ يَغِيب في
الزرقة تاركًا خيطه الزبدي يندثر ببط ء.
-
بياضٌ يُسَوِّدُ
أعلامه.
- بـ..يـ..ـا..ض
يـ..سـ..ـو..د أ..عـ..ـلا..مـ..ـه.
سيارة تزعق
أمامي؛
أنتبه،
فأرى ثمودية العينين تُحمْلق في شوائبي الزائدة. أنا لا أَمْلكُ الحِرَاك.
موثوقٌ إلى هذه الأرض بقيود خفية. مربوطٌ بإحْكام إلى جذور الشجرة. ظهْري
مُسْتنِد إلى جِذْعها وصدري متشقّقٌ تمامًا كما اللّحاء. هو الآن مشرعٌ
للأفق المنصوب على حافة المنعطَف القريب؛ للبحر المصبوب في كأس باردة.
النافذة تُفْتَح خلسة، ويُطِلّ منها قمرٌ جاهلي؛
[
ما
بيننا شوقٌ تَحَجَّرَ.
ما
بيننا نهاراتٌ باركتْ سَهْوها
ثم انطفأتْ مثلما نَجْم يَسْقُط في الظلمة].
مِنْ بَعيدٍ أَلْمَحُ نارًا تَشْتعل. أعترف أني لم أَرَها. دُخَانُها هو
الذي دَلَّنى عليها. أَرْفَع يدي لأُزِيح عن عيني غشاوة الصباح. أرى
صورتي تَبْتَعد في المرآة. جيبي مثقوب، وأُصْبعٌ يخترقه باتجاهي.
أُخالِفُ طبْعي وأَغْتاظ. صوتي يَضِيع في الضَّجّة، والخبر يميل إلى
الحمرة. يَحْدُ ث أن تَتفاقَم، فيطلع منها وردٌ أحمر. يَحْدُث أن
تَسْطع، فَتَنْتصِبُ الجبال وتَمِيدُ الغابات. أَلتفتُ يُسْرةً فأرى
سوسنة تَتوضّأُ بالنسيان، والضفيرةُ الطريقُ. تَرْفعُ عِطْرها عاليًّا
وتهوي به على الأرض. شيء ما في داخلي تَكَسَّر هو الآخر. يَتضوّعُ المكان
برائحة العطر؛ بُخار اللُّهاث؛ صُنان العَرَق؛ دخان الحديد ونكهة
الفقدان. أَضِيع في الزحمة. اللون الدموي ينتشر على البلاط. يَتحوَّل، في
لحظة، إلى كائنات غريبة تُطالبني بالثأر. أَقْفِز من مكاني مذعورًا،
وأَدْخل الصورة. أخاف من عودة المجنون، إلى وَعْيه.
[أن تُمارس الجنون، ليس معناه، أن تَسْقُط في الجحيم.
ربّما الجحيم ليس في السقوط
لكنه قد يُطابِق ما هو كائن.
ولم لا ؟ ما دامت النار تَلِد النور
والدخان يُؤْتيه الحريق.
ثمة شيء آخر يُبْدِعُه جِذر النخلة الشيخ، لكأنه الوقوف عمود يًا
في لُجّة الوقت.
يمضي الأخير، ولا يَسَعُ الأول إلا الصُّراخ
كما لو أنهما أفقيًا، يلتقيان.
كم مرة حَدّثني عن أشيائه صامتًا، تمامًا كأنه مُنْشغِلٌ بالاستغفار.
يَرْسُمُ أَثَره على الظِّلّ ليَتَعَقَّبَه الآخرون مع أنه يُدْرِك، بنوع
من اليقين، أن الآخرين مُغالَطة كبرى والجنون، في نظره، قِسْطٌ من
الراحة، ريثما يَسْتَفيق النَّمْل من خَدَرِه المادي.
مرة قال لي: أَجْملُ وردة رأيتُها هي مؤخرة فينوس.
وقال لي: الأنثى خطيئة كبرى، والذَّكَر تَعَوَّدَ مؤازرتها.
وقال لي: لو تَدانَت الشمس قليلاً، لَبُحْتُ لها بحريقي.
وقال لي: كَيْما تَعْرف ذاتك، اُخْرُج إليها.
وقال لي: أين أنتهي، حين ينتهي جنوني؟].
لم أَشَأْ أن أستفسره، فالمعنى كامنٌ في تلافيف الكلمات. أخافُ من عودة
المجنون ، إلى وعيه.
الضَّجّة تزداد تأجُّجًا فتَسْتَعِر الطُّرُقات. هذا التوتر ربما يكون
مَلاذًا يناسب الوردة. أَرْقُب ما يَجْري حولي وكأنني بعيد عن هذا
المكان. أنا الآن ضِمْن مُؤَلَّفات تَجْتَرّ نفسها فتُبْتَلى بالجِدّة.
أَتَطلّعُ مرة أخرى إلى المرآة، فلا أرى صورتي. ليس هنالك سوى أمواج
قادمة، ووردٌ أحمر يَسْتَرخي خفيفاً على فَرْوَة الرمال. أمُذُ يدي
وأَلْتقطه. أَرُصُّه في مزهرية قلبي بعناية يابانية. [ الألفة، هذه
الأيام، لم تَعُد مكانًا آمنًا؛ هي مَوْطِن المُفاجَآت، وبالذات تلك التي
تُحَطِّمنا إلى الأبد. لا ريب أن الجسد ضحيتها الأولى، والحلم يبقى هامشي
الصِّفات، كلما تَعَلَّقَ الأمر باغتيال التآزر، أو كلما أَلَحَّ كلٌّ
مِنّا على امتلاك ناصية المُباغَتة ].
الضجة تزداد حِدَّة، والنمل يَسْري من كل حدب وصوب. ظِلّي اختلط بأجسام
لا تَمُتُّ إليه بِصِلَة. رَجُلٌ يقترب. يستطلع الأمر مبهورًا. يَفْغرُ
فاهُ، ولا ينبس ببنت شفة، ثم يَلْوي راجعًا وكأنه يَهْربُ من الطاعون.
قُلْتُ الطاعون - داء القدماء، ونَسِيتُ السّيدا- مرض هذا العصر. /
أَخَذني السّهو الذي منه بدأتُ /.
الضجة تُواصِل صَخَبها المتوقع، والوردة استسلمتْ أخيراً للمجنون. هو
الآن يُخاطبها بذات الرَّنّة القديمة، كما لو أنه لم يَقْرأ بعد خبر
اغتيالها القادم. امرأة تقترب من الزحمة، ومن بين الأعناق المشرئبة، تلقي
نظرة على الخبر وتَتقزَّز. تقول شيئًا ما، ثم تَدْخل في حوار مُتَصابٍ مع
رجل أَزْمَلتْ في عينيه الدنيا. غير بعيد عن المكان، سيارة تقف لحمامة
تمشي على الطوار. يفتح الباب، ولا تُمانِع في الركوب. خاطَبَها كفاتحة
لتعارُف جسدي مُرتقَب: ماذا وقع ؟. قالت : خبرٌ مجنون، وفي أعماقها أضافت
في مثلنا تمامًا.
السيارة استعادتْ توازنها المفقود وانعطفتْ صوب مدخل تزهو على واجهته
حجارة مستورَدة. ستأوي إلى مَكْمَن كُلُّه جِدّة، وحتى لا تبلى في عينيه،
يلزمها التَّمسُّك بأنوثتها الرّخوة وعذريتها الهشة. حركة غير عادية
يجذبها الاستفهام. نَفِير السيارات يتعالى، والعيون مشرعة كفَوّهات
البنادق، مُستعِدّة أبداً للإطلاق، فيما الأفواه ما تزال تبحث عن الألفاظ
المناسبة.
[اللذة هي أن ترى الذُّعْر في عيون مُعْتَدّة، ولا تحاول طَمْأنَتها بما
يليق من الكلمات.
اللذة هي أن تترك العنان للأفكار وتَسْعَد بالتأويلات.
أخيرًا أصبح الجسد مَحَطّ اهتمام النَّمل].
شابٌّ يقترب. يترك محرّك دراجته يدور، ودُون أن يفارقها، وَقَفَ باستعجال
يُحَدِّق في الأَتُون. وحين يَفْهَم أنها نار النسيان، يقول لرفيقته
العذراء: هكذا إذن تتعذب الوردة، ثم يمضي وقد اشتعل رأسه شيبًا.
/ كي نَتَقمَّص أحلامنا يلزمنا الخروج إليها /
أُمْسِكُ بالورقة كما لو كانت حبل النجاة. أحاول التّحرُّك فتجفل الجموع.
/ لا شيء يدعو للقلق / هي الأشياء عادتْ إلى طبيعتها الأولى. أَسْمَعُ
من يقول: قَلَقُ الماء هكذا يَكُون. السماء بعيدة، فلماذا نُحاوِل إيهام
ذواتنا بالوصول؟
علينا أن نَسْمَع خرير الماء على ورقة بيضاء.
علينا أن نُدْخِلَ البحر في كأس زجاجية، ونفتح الشِّراع.
علينا أن نَسْمع طقطقات المطر على سقفٍ وَهْمي، ونستسلم للنعاس.
علينا أن نَْلبس الوجوم ونُؤاخي النسيان.
لا شيء يدعو للقلق؛
- وردةٌ تفتح كتابها للريح.
- وشمٌ أبْلاهُ التذكر، حتى نسي يَوْمَه.
- صورةٌ تَسْقُط وتنزلق، على الجدار.
لا شيء يدعو للقلق / هي الأشياء آلت إلى طبيعتها البِكْر. أتَمالَكُ نفسي
وأحاول التحرك. كل الوجوه تُبَدِّل سُحناتها. أَجمَعُ رمادي وأنثره في
الهواء. / لا شيد يدعو للقلق / خلفَ الأسوار العالية تبزغ شموس ما
عَهِدْناها. كل عين شمس حارقة. أخافُ من عودة المجنون إلى وعيه.
كثيرًا ما أغاظتْه النوافذ المُوصَدة. والجدران يَتَبَوَّلُ عليها متى
صادَفَتْه. وأحيانًا يكتب عليها كلمات خارج قواميس اللغة، لكنها في داخله
أشد رسوخًا من جذوره تلك. ومع ذلك، يبدو في الظلمة أكثر انشراحًا مثل
غابة بعيدة تنسج من الليل سطورًا لكلمات لا تنتهي. وحين يتوحش الوشم في
عينيه، يُقْبِرُ ما تَبَقّى في يديه، ويَنتظر أن تَترجَّل السماء
ليمتطيها، هكذا بكل بساطة.
[مرة قال لي: الرمل أَحْيَدُ الكائنات، مُجَرَّدًا من أي عِطْر يَفْتحُ
صدره لمُؤاخاتي، وقَلَّما يُدِير ظهره للشمس. هو يُومِن، أيما إيمان،
بالماء ويُحادِثُه طويلاً. ويَعْرف أن للطريق طوارًا، حَزَّ في نفسه
مُجاراته. يَحْدُثُ أيضاً أن يَتَوَهَّم للنار مهمة أخرى، شأن مَنْ
تَقَدَّموا مِثْله في الوقت واعتصموا بذاكرة البياض. والمبالاة عنده ضربٌ
من الانقياد.
وقال لي: إشْهَدْ أنني المجنون، وأن هذا الكلام جَمْرٌ، ثم عانق الخبر
وأَطْلَق صرخته الصامتة].
أخاف من عودة المجنون، إلى وعيه. لذلك قلتُ: .أَخْدَعُ إلى ظِلّي،
وأَجْمَعُ أطيافي كلها؛ هذه التي في أحشائي، وتلك التي .أَخَذَتْها
الضفيرة. وحين تذبل أزهاري، أَعُود إلى رَحِمها النّاري، وأصيخ السمع
لهدير الأمواج القادمة، ومتى انتفى الخبر، أَرْجع إلى ذات المكان، بروح
أكثر شفافية من الحلم، ومطر في الكفَّين، وكثير من الوضوح، هنالك حيث
الأشجار لن تُخِيفها السماء المتشققة مرة أخرى، ولن يكون بِوُسْعها إلا
مواصلة الغناء. سَأَرْجع بينابيع من لُجَيْن تنهمر من جسدي، وخضرة شادية
تكتسح الفلوات، معانقًا مياهي البعيدة، كما لو كنتُ أَقْتلٍعُ جذور الخبر
من المرايا، رَامٍ بِها صوب العراء. وكأقمار مترنِّحة سيبدو شكلي غارقًا
في حنين الأعشاب المنسية. ولن يكون للزحمة وُجود. وسوف تنفتح الطيقان عن
آخرها، ويَرْقُص القلب على إيقاع نبضه الجديد، مزهوًّا بجدارة النسيان،
ضاربًا بجذوره في رِضاب التربة العتيقة، وأقول: تلك هنيهة مَرَّ فيها
الإعصار، وهذه جُمّارة لأحبّتي.
أصيلة / مرتيل ، ربيع
1988