احتدامات



 

نصوص    

 

 


احتدامات


  

 

                                                  - 1 -

بإيعازٍ غامض، مَسُوقٍ بالدهشة المُربِكة، سَلكتُ ذات الطريق، أنا الميت الحي، حاملاً مأتمي الجذري الماسِك بزمامي طوال المَسِير؛ وكنتُ أُقَوِّس الاستماتة حتى تَنال قِسْطها من دمي المهاجر. تُدْرِكني الفخاخ ولا أخاف ذيول الفجيعة. كنتُ قارض المَجاز وفجوة تلتهم حلْكة الحيطان. لا آلُو وهْمًا لاختراق السًّمْكة الضبابية، وريثة دمي المُغامِر، وبي شوق لقاطني الصَّفَن. أَسْتلِذّ بالبَهَق المُنادِم لغابتي المحروقة وبيدي الممدودة أستفهم المطر. وكم رَفَعتُ أنخاب النِّزال مُسْتخِفًّا بانهمار الهزائم واتّقاد العاصفة، وكلما هَدّني مَدارٌ أستشيط وأَصْرخ: سأَشْرب بطولة الغيم، وإن خانتْني رئة الأرض، عند المَشْهد الأخير. سأشرَبُ فحولة الدم وإن قامتْ شقوق الكون نافثة في وجهي نارها الحارقة. قَناعتي كِفايتي. لا الفراديس غَيّرتْ مجرى دمي، ولا الجحيم أَوْدَعَ فيّ باب المكيدة؛

هذه نُموري متوفِّزة وثَجّاج هو مائي.

 

                                                   - 2 -

في تَجاذُب الماء والرمل

جُثّة

لاستقامة الموج

وإكليل

لرغوة الزبد.

وحدها الريح تَجُوب حقل الفجيعة

وأنا على الكثيب المكفهِرّ

أرقب جثتي تتدحرج

وأَرسمُ سهماً باتجاه الخطوات.

أَخيطُ الأفق بمشيمتي

وأُسْدِل الشفق على المَشْهد.

 

                                                - 3 -

في مَسْراتي، هنالك الليل؛ هنالك القَرُّ المستديم والجَعارِين المُرْغية؛ هنالك نبض الهفوات يتلظى، على الصفيح المُحمَرّ؛ هنالك المُقْلة الغائرة /الفاغِرة في ظلمة المنفى، والبرزخ الناري يلفظ أشلاء العناصر كلها، والعُمرُ- بغيومه اللاذعة- يَفْرِط في تَمهُّلٍ سَبْحة السقوط؛ هنالك الفتنة مذبوحة على الشفير، والدَّوَارُ المُتعدِّد الأوصاف مُحيطٌ بأَصائل الوِجهة؛ هنالك الفراسخ مطوية بنيران الخُطى، وأسراب الغربان تُسَقِّفُ سماء الفجيعة.

في مَسْراتي، هنالك الحرائق تَحُفُّني، وأنا ماضٍ بعَثراتي أَنُوء ولا أستغيث. أَرْنو إلى الجوهر المفقوء ويشملني رنين المَعْدن وصليله المُريع. يشملني التيه المُغلَّف بالوضوح، كأنني منذور للفتك وعَواصمي نبْع الجهات، وحيثما وَلّيتُ، أَراني القتيل.

 

                                                - 4 -

في آخر الوطن

أَدْخُل خيمة الإسمنت

أَسُكّ أبواب الغيم

على هزائمي المتكاثرة

وأُرْخي ستائر النسيان.

أُواجِهُ صُورتي في مُسْتَتَبّ القول

وأَتمَدَّد ناشراً بهجتي

على صحائف الموت.

 

سلامًا أيتها المُفْرِطة في الجِوَار. يا ذات النطفة التي أَلْهَبها عنفُ الشوق غبَّ مرور العاصفة. يا المُزمِنة التّغريدِ حيال الشجرة الغامضة بالمُرُوق اللاّزِب الذي هو عِماد النار.

سلامًا أيتها النابعة من رُقى ظلوعي. يا الماشية جنْبي، على الطريق الشوكي، بالخطوات الأكثر قُرْبًا من الموت. يا المُرَدِّدة باستمرار: " لا ينبغي أن نَنْثَني خلْف ظِلّنا، فاللحن الجنائزي، قُدّاس موتنا، يُعْرَف من ألف ألف عام".

لكن ... ،

لا خوف على الموج من ظلمة القيعان

فالاعتكاف مواجهة

والموت ذروة الانتصار.

 

                                                البيضاء / شتاء 1992

 

 

 

 

  عودة