باقة من حنين تُضوِّع المكان بعبيرها اللوني. نستنشقه
ملء أرواحنا ونحن نلامس جلال عتبة ذَلِكُمُ الصفاء. طوفان الألوان ينتشي
بصراخه الفاقع. وبنطاقنا المتوهج نتصدى لهيجانه الماورائي كي نغتسل بصبيبه
النوري ونتطهر من أشجان العتمة. تلمع في عيوننا نجوم المساء كلما توغلنا في
مناطق اللون وشارفنا دلالات المكان؛ شلالات قزحية من لون موشى بلغة شفيفة
تنهمر من تباشير القماش فتغمر بفيضها الوارف رحابة الجهات. يقظة الألوان
تتفتق عن سَرَيانٍ طافحٍ بالدهشة، وعن سِحر غامض يغزو مناطق الوضوح فينا
ليضفي عليها ذلك الألق النوراني الذي به تسطع السرائر. هلامية فاتنة هي وما
يكتنفها من أشكال رعونةٌ غاصّة بالمؤوَّل. هو سِحرٌ يكشف سر هذا التمازج
اللوني الضاجّ بالعشق وبالسؤال الذي نتواصى بتداوله الأبدي كي نُجاور
الماهية والكنه. فردوس نَجُوب تضاريسه المفعمة بالنور دَرْبًا دربا. حياضه
المطرَّزة بالمعنى تكفي لنستدلّ بها على الطريق المؤثث بتسويدات الأجداد.
كل شكل له في القلب كنفٌ مضمَّخٌ بالحنين. كل لون يسرد تفاصيل تلكمُ
الفراديس التي أسلفنا لِمَداها كل هذا الاشتياق.
باقة من حنين تؤصل اللون في مقامات الحضرة وتذكي نوره
في تضاريس المكان. تستقي من شموس الجميل الجميل ما يُجذِّر تقاسيمها في
المهجة والكيان. تستدرجنا برهافتها المخملية إلى الارتماء في أحضانها
البِكرة وكأن ما بيننا قد جاوز مدارات العشق إلى مدارج الحلول. واجهات
وضّاءة تكتنز الرؤى ومن بهائها السامق في الحضور تتدفق أنهار العلامات، تلك
التي تنبع من تَوقُّد الفكر وانشحاذ العقل كي تَسُوقنا إلى بساتين اللون
على مطية من حرير، سالكة بنا مجازات لا تَعْدمها الفتنة. يتسع فضاؤنا
الجَوّاني ليحضن هذا المنجز التشكيلي وكأنه يحضن رائحة الأجداد. كأنه مديح
اللون يسري على فضة المرايا. أنشودة بها تتوضأ حواسنا المثقلة بظل الغبار.
زغرودة مغربية مرقشة بتَواريق الحناء. يواقيت ترصِّع تيجان المبدعين الذين
صاغوها ونياشين معلَّقة على صدور النفوس المعطاءة.
باقة من حنين مصطفى. له من تراجيع الطفولة انهمار
البراءة ومن تشظيات المتون حضور البديهة في الجمع والمثول. المحو محراب
نتفيأ ظله لاكتساح سُدّة الفراغ حيث تربو الأشكال على صيغها المحتملة.
تقاطعٌ بين الممكن والمستحيل. مفرد بصيغة الجمع في الحضور والغياب. النظير
الذي يلتحم بالنقيض ليؤالف بين الرؤيا والتعدد. لمٌّ للشذرات وقد أسبغ
عليها الفن إسما آخر. امتياحٌ ريادي يؤسس لموروث قادم. هي أيضا فاتحة
لاستواء مذهبي يكشف السري من منابته ويمنح الفن حرية السفور في البدء
والمنتهى.
البيضاء/ ربيع
2003