يتقدم من الصخر ليفك وثاقه ][ والصخر ماء
جامد؛ من الحيطان المرفوعة بثقافة اليقين ليعري على وتيرتها عنف ذيّاك
الوجود][ والحيطان منافذ غيبية يطارحها الخيال ويساكنها التضاد؛ من الباحة
المهجورة ليزرع جنباتها بفضة الضوء ويرشق ظلالها بخضرة الله الغامضة][
والضوء حصن الملائكة وملاذها المكين؛ من الصمت الساري في الشرايين ليرفعه
إلى مقام الحضرة][ والحضرة شرود الحواس في بستان الروح؛ من العزلة التي
توحدنا جميعا ليتفادى حدها القاطع ][ والعزلة ديباج الكون وسلطانه المهيب.
يباغتنا - ونحن في هجعتنا العميقة - بفراديس كنا قد نسيناها ][
والنسيان بهاء المحو ولسان القطيعة؛ كنا قد أسدلنا على جسدها الماورائي
ستائر العتمة؛ العتمة التي أشكلت رؤانا
وأسلمتنا، من جراء ابتعادنا عن حضن الأرض إلى نواميس الظلام ][ والأرض
انتظام اللاجدوى في ليل الفراغ. ( إنما الفراغ رحم الخليقة والعتمة قبرها).
يطالعنا باللون وقد تخلى عن صراع
البداهات وعانق سيرة البياض: البياض شهقات اللون على أعتاب النسيان][
واللون حارس الضوء ورسول بلاغة الجدران. يفجر مجاله الضوئي بكائنات تبدو
وكأنها تتماثل للعتمة خارج أسوار العالم، فيما هي تأخذ بالمباغتة لاستدراج
وحشية اللون إلى مدارات
اشتهاءاتها، تلك المنقوعة في جدل الوقت ومتاهات الانتظار. [ لا شكل للعتمة
خلف وساطة الجدران].
يواصل رحلته في مجاهيل أرواحنا وكأنه يصر على إعادتنا
إلى موطن الارتطام الأول، هنالك؛
حيث
الظل ما يزال طريا
والعشب يترقب
موعد رجوعنا الماضي.
حيث الضوء
يزدهي بالوله ذاته؛
[ إشاعة الوضوح في دهاليز الحقيقة ]
والماء، على
مهل، يوظب مجراه
ليؤالف بين
الظل ونقيضه
ناحتا، من
تلاوين التربة
جسد العبارة.
أيضا يفاجؤنا بالماء وقد أينعت فصوصه، وباللون
وقد تسربل في التباسات الحنين. كأنه يتعمد مصافاة الأسوار والنبش في تراب
القبر ليحرر عظامنا من دوغمائية الفراغ][ والفراغ ظلام آسر للخلق المحمول
على الفجاءة. يشدنا إلى متنه الفني لنكون أكثر انقطاعا إليه « هو الرمز
وضده » مجردين إلا من سليقة تقتادها تضاريس الغواية ونظرة ترتادها فواصل
الدهشة][ والدهشة امتلاء
العين بيقظة الحواس. يدسنا في الحواري التي كم افتقدنا رائحتها الباذخة
كيما يشرنا في الفضاء
الجواني الذي يفضي بنا حتما نحو الشساعة، حيث النور رديف الحرية والأرض لها
طعم الفرح الطفولي؛ الفرح بعبور البرزخ من ماء إلى ماء، ومن عتمة إلى ضياء
][ والشساعة نسيان آبق لهشاشة تكاد تفنى بالحياة.
كأني به يتحاشى الأسود الذي صبغنا به جدران الترب.
كأني بالنار المندلقة على الحيطان وقد صهر مجد الأقنعة.
كأني بالكائن وقد استهلك تورقاته ودواله المعتصمة
بالنسيان ونام على حجر ذكراه.
هكذا يدنو في البعد وينآى في العزلة ][ والعزلة نور
الظلام الذي به تُتوسَّل الدواخل.
تثنـية
عَصِيّ على التصنيف. يمزق شرنقة الشكل بكل ما
أوتي من شراسة المبدع العارف بما هو آتٍ وعنفوان العاشق المنذور لنـزعة
التمرد والتغيير؛ الشكل الذي أبدعه لتوه كيما يخلق منه، تباعًا،
أشكالا
جديدة . تلك الأشكال التي مآلها التدمير لا ريب، هي الآن محط عناية النسف.
فالأسْر لا
يواتيه، والسكون في مقام الألفة ينهكه. يؤرقه، ينوء به اطرادا عَزّ نَظيره.
إذ وازعه جدارة المجهول وبهجته رحابة الفضاء؛ الفضاء المحطم للمألوف
والسادر في أرجاء العين الحالمة.
لذا، يغتال - باستيعاء العارف - كل الترسبات المتكلسة
في الأعماق ( الوعي الجمعي المحايث دوما للخنوع ) بعنف لا يضاهى، لينشيء
منفذا للإفلات من شرك الاستكانة، والهروب من النموذج الذي لا يشيع في
الذوات العالمة إلا قرف الانحياز / الانسياق وضحالة التنمط / التماثل
والتناسخ.
ودائما تعتريه الدهشة ذاتها قبالة ذلك البياض الطاغي
على جذرية اللون، العازف عن المثال، فيدفن مجازية اللغة كلها في سحر الصورة
كي يبدعها ثانية وهي أكثر توهجا وإشراقا من الجذر والأصل، لترفُّعها عن
الوضوح واختزالها لهواجس هذا العالم تجريديا.
لذلك /
- تأتيه الفضاءات كاشفة خبيئها وتتعوى مشدوهة في حضرة
اللون.
- تأتيه الرؤى في غلالة من نور. وبحُِنوٍّ ضالع في
البهاء يتلقفها كمن يهدهد وليده الآيل للاكتمال الذي هو بداية الانتهاء/
الانقضاء.
- يأتيه الجمالي، بانعراجاته الحاذقة والمدهشة، باسطا
أسراره الباذخة على المساحات البكر كما لو أنه المدجِّن الأوحد لرعونة
اللون ووحشيته الطافحة بالاشتهاء .
- يأتيه الرونق الباهر مع كل ضربة لونية آتية من العضل
[اليد الممهورة بالرشق والاحتضان، المرصودة لتجليات العشق والافتتان] ومن
الممكن [الذاكرة النفاذة، سليلة المتخيل] ومن اللمحة البارقة [العين
الشاهرة سموها في انقضاضها على فيالق المعنى].
- يأتيه الخارق، في هيئة لم تكن له، مفعما بالعطش
الماورائي لدهشة السؤال.
لذلك /
- ينتشي كلما مسته جدبة اللون ، وطوح بهشيم الأشكال إلى
قرار لا راد له.
- ينتزع من العدم ملمحا تلو ملمح ليصوغ، من جَرّائه،
شكل الفرحة وكيمياء الحقيقة.
- يغدق من القتامة فيضا بقدر ما يزدهي بينابيع الضوء،
ولا ينثني أبدا خلف اللحن الجنائزي وهو ينعي، بِلَهَجٍ لوني، موت الأشكال.
بل يتقدمه، صوت العميق، شاهرا جنونه الأبهى؛ تكليم اللون بأسطرة الحركة
خارج تفاصيل الظاهر/ الجاهز.
لا ينتهي إلا ليبدأ. دأبه البحث المحموم عن صيغ غير
مطروقة. عن أجواء جمالية تراهن على جِدّتها. يعج بالهامشي كمحرِّض لفتنة
السؤال على استنطاق خطية الزمن، وبالطفولي كمَوْرد حركي لا تنضب سيولته،
وبالحلم كشهوة لا تفتر عن استولاد مباهجها. يُفجِّر المتداوَل حتى لا
تكبّله حبائل الألفة. وكل شرَكٍ يبطل سلطته الرمزية يصنع منه فضاء رحبا
لحديث العين. كل مثير يفترش له أسرة الضوء ويغمره بالظلال. وأحيانا يسرقه
التودد، فيميل جهة القلب ناحتا تضاريسه بإزميل الوقت، غامرا أبهاءه باللقطة
الفاتحة. لكنه أبدا يقتحم المجهول سابرا أغواره البعيدة بما ملكت يداه؛[
الفرشاة واللون] وفي اتجاه الخلق دائما يصارع بلا هوادة كيما يقتص من لحظة
التنطع وحُؤولها الصّافع حدّ الانكفاء؛ اللحظة التي ما فتىء يبتكر الوسائل
ويزرع الفخاخ للقبض على هيولتها حدًّا لتَماديها في الهروب، إذ هما نِدّان
في الحركة والمضي قدُمًا شطْر المجهول. إنما الفن سُعار التقصي عن الكُنه
والماهية، وخدْش جسد العالم لذرف ماء الحقيقة على تربة الغموض. وهو أيضا
قلْب للسائد وجمْع للرائع والشائه معا وتحريض متواتر على نبذ الأنساق.
لذلك نراه لا يشطب على المرفوض أو يموِّه حضوره في فضاء
اللوحة، وإنما يشدد عليه، تاركا إياه يتمظهر عاريا بلا مسوح ولا مساحيق،
حاملا في ثناياه أعتى التجليات. وهو لا يسلك المتاه فَراهةً وإنما ليقبض
على النابض فيه، مازجا خطوطه المرتعشة بزمهرير الزوبعة التي تثير حفيظته من
الداخل.
يحدُث أن يَشُقّ النواة إطراءً للخَبيء. يحرِّض طوفان
اللون على الانهمار، ويروِّض رياح المعنى على الهبوب. له في البياض مشاكَسة
وفي المسّ غواية. يطوي المسافات ليصعد باللون إلى مقامه الشفيف، وبالشكل
إلى ذروة انمحائه وهالةً تُصاحِبه حيثما رفع العِناد وغمَس الفرشاة في بحور
النسيان. وبنبرة الواثق، المتصدِّر لأهواج العاصفة، يمشي حثيثا صوب الجمالي
المحض، هو العارف بمواقع الفخاخ والدّاري بأقنعة المهاوي جاعلا من اللوحة
سردا صامتا وحكيا متجددا باستمرار.
هكذا ينتهي الزمن بين يديه، والإضافة لا تُعْوِزه .
البيضاء / شتاء1999
* ارتسامات وجدانية حول التجربة التشكيلية
الأخيرة الفنان التشكيلي عبد الحميد بنعلي والتي اختار لها عنوان " بلاغة
الجدران".