بلاغة



 

قراءات    

 

 


 بلاغة الجدران


[ قراءة في التجربة الأخيرة للفنان التشكيلي عبد الحميد بنعلي ]

 

 

في أعمال الفنان عبد الحميد بنعلي الأخيرة تطور مفهوم « العبور» في ممارساته التشكيلية من رؤية فلسفية جمالية تهتم بمورفولوجية الكائن، وهو في حالة ترقب قصوى وانتظار مَشُوب بالقلق، عبر انتقاله المادي والروحي في الزمان والمكان، من خلال إيراده داخل تفاصيل العتمة الأَبُوكالِبْتِية المهيمنة على المشهد/ اللوحة في تشاكلهما مع مداخل الضوء وشقوقه المناظرة لأغوار المجهول، مثلما يقوم برصد أوضاع تحولاته المتعلقة بشرط وجوده وكينونته الخاصة المقولة فنيا، أي من الاهتمام بالكائن، وهو في أقصى حالات توتره، في مواجهته لاقتبال حتمية الانمحاء داخل العزلة الجماعية التي يحياها بشكل انفرادي، إلى البحث في آثاره وبصماته المتعلقة بنفس الحيطان التي وقف عليها سابقا، وعلى ما تفسحه المسالك والممرات التي تخترقها، بكيفية تفاوتية شكلا وحجما، من إمكانات الانعتاق والتحرر من قيد الترقب هذا، وما تمنحه هذه الوضعية المتوترة من فرص مجازية لخلق أسطورته الخاصة.

وقد تم التركيز، في هذا المنحى، على ملاحقة تفاصيل فلسفة الانمحاء ومقاربة ظاهرة التلاشـي المادي للموجودات من خلال الحَفْر في الفضاء المستقبـِل لهـذه التفاعلات، واستقراء إرسالية الجـدران( المدوَّن منها والمرسوم والمتشكَّل تلقائيا )، بما هي فعل شخصي لحلم جمعي، يتّسِم، ضمن ما يتّسم به، بالغائية والقصدية ذات الصبغة التأريخية، كما بالسذاجة والتلقائية المنبثقة من البنية التحتية للمحيط الذي أفرزها، شأنها في ذلك شأن المسكوت عنه من غيرما تحديد لمرجعياته المتعددة، مثلما يتم تَعقُّب اعتمالات الطبيعة في تدخلاتها الغامضة والمبهمة حيث تتمظهر على نفس المساحة المرصودة للتلميح والتصريح في آن، تلك التي تتيح لجذور الكائن أن تبقى غضّة في تربة التاريخ، فنيا ووجوديا، باعتبارها ذاكرة إثنية تؤرخ لعبور الشعوب والأمم من شرفة الولادة إلى ضفة العدم.

ما يثيرنا في تجربة الفنان عبد الحميد بنعلي هاته، إلى جانب كونها تحتمي بسياقات فنية متعددة، هو إلحاحها على رصد مقولات الجدران التدوينية القصدية منها والعفوية التي تحكمها الصدفة ربما أو قانون التلاشي والانمحاء أيضا في جدليتهما مع المناخ وباقي العناصر المادية الأخرى المساهِمة في إبراز تشكلاتها المظهرية وبلورة صورتها الميتافنية والأركيولوجية على السواء اعتمادا على ما تحتويه هذه الآثار الفنية، بصفة ترادفية، من تشذير لوني ومتعاقبات زخرفية ذات بعد «فلسفني» وتنصيصها على تبئير الاشتغال على موضوعة الزرقة وموحياتها كما وردت في أدبيات الشعرية العالمية وكذا التشققات والاجتثاثات والتشوهات الفنية التي تصاحبها مثلما الحفْر التجسيمي والرشق بالأشياء مهما كانت طبيعتها المادية واستثمار ما تفرزه لدى تحللها من تلوينات نتيجة تعرضها لظروف مناخية متقلبة في امتداد زمني لامحدود والقبض على سحرية اللون وتطويع وحشيته بمقتضى امتلاك أسرار فيزيائية المزج باستحداثاتها واشتقاقاتها اللونية اللامتناهية وتوظيف هذه الألوان بوصفها شكلا متحركا قائم الذات يسعف في إبراز المخاطبات البصرية بكيفية مركزة تغني اللوحة عن الشرح وتقنية السهو عن التراتبيات الشكلية من حيث الدقة والاكتمال وأيقونية الأصوات المكتوبة الموزعة على تفاصيل المنجز التصويري بحكم تخصصه في الأنساق الغرافيكية والغرافيتية المعاصرة ومحاولة تشخيص الضوء وتوزيعه على مقامات العمل الفني لاستولاد عنصر الظلية الذي يمنح الموضوع بعده البصري وعمقه التداولي ومعالجة المرئي والتخييلي بأدوات إجرائية يغلب عليها الطابع الرمزي بما يحتويه من استضمارات وتضمينات وما يمليه من إيحاءات وإحالات تكثف رؤية الفنان تجاه الوجود والموجود في ارتباطهما الوثيق بجدلية الحياة والموت وما تخلفه، من منظور فلسفي تأملي، من وقائع وآثار وبصمات تندرج ضمن استقصاء ماهيتها واستيعاء كنه هذا « العبور» واستدعاء عناصر ومؤثرات خارجية لإذابتها في نسيج العمل الفني قصد تطعيمه بحمولاتها الإنسانية كمديح للكائن ولمداراته المشتعلة بكل ما هو استيهامي، فانطاستيكي وأخّاذ ومواصلة البحث عن شكل اللاشيء أي عن هندسة الفراغ مثلما هو مَسُوق في تاريخية المعرفة التشكيلية، وما تفصح عنه مستويات الخطاب التشكيلي نفسه، بمكوناته الفنية والمعرفية، من انزلاقات وإرغامات تَسْكن اللحظة التاريخية المعنية وتحيل عليها استنادا إلى سؤال الإبداع باعتباره سؤالا محوريا يتأسس عليه الفعل التشكيلي برمته.

ومع تنوع وتشعب مفردات الخطاب التشكيلي الموزعة على امتداد الرقعة الزمنية لممارساته الفنية فإن ملاحظة الانحرافات الحادة للخطوط وكذا اللمسات الخاصة ( اللطخة واللمعة والدوائر اللولبية الغميسة خصوصا) وعدم انكمال صورتها العامة في غالب الأحيان، تعطي الانطباع، في صعودها والحدور، بأنها الآلية الأكثر استقداما للتعبير عن مراودات الخيال الشخصي للفنان، باعتبارها ذات ارتباط جذري بمكونات الرؤية المعرفية لديه ومطابقتها لاستعداداته الوظيفية في آن.

من هنا يتم الاعتماد، بكيفية جازمة، على هرمونية الألوان، إلى جانب المرتكزات الأساسية الأخرى، وتخليص الأثر من الشوائب الضافية والزوائد المعيقة لإنتاج الدلالة وسريان المعنى خارج تجليات اللغة، حتى ليبدو أن المبدع هنا مأخوذ بما يفسحه هذا المسلك من آفاق تجمع بين الذاتي والموضوعي، مسكون بما يخيم عليها من أجواء تعبق بروحانية الفن، انطلاقا من اعتصامه بتكسير الأزمنة وتفتيت الأمكنة، تشبثا بِعِليّة اللوحة وعدم طرحها في استسهال هجين، للوصول من خلل ذلك إلى بناء، علاقة طوباوية معها بعد إعادة ترتيبها في غضون الذاكرة الفنية واستجلاء جدلية الموت والحياة فيها لكونها الدعامة المركزية التي تقوم عليها هذه العلاقة.

كما أن توليفاته اللونية وتشابكاتها المخاطبة ليس فقط للعين، وأمدائها الرؤياوية القريبة والبعيدة حتى لكأنها تكتسح بالكامل مجالها البصري وتهيمن عليه، وإنما أيضا للحس والوجدان بما يشكلانه من تكامل متناغم بين الداخل والخارج عامة، وما يتيحانه من انفتاح متواتر على المعرفة التشكيلية خاصة، حتى ليبدو أن تباين هذه الأشكال والأحجام على امتداد المساحات البصرية المعروضة وانتشار التجاويف والأخاديد والفراغات الكبرى عليها ما هي في الحقيقة إلا أساليب تقنية تتغيا، بالإضافة إلى ما تعلن عنه، توريط المتلقي بجعله ينخرط في أفق سؤالها خصوصا وأنه يورد الفراغ في جل أعماله ليس باعتباره ظاهرة ميتافيزيقية فحسب وإنما بوصفه مشكلة فنية أيضا تم التحكم جزئيا فيما أنتجته من صعوبات عملية عبر تاريخ الفن بدءا من توزيع الأشكال عليه داخل فضاء اللوحة، مرورا بإشكالية التعبير عن ماهيته الهلامية وتمثله لها، فنيا ووجوديا، وانتهاء بحضوره المتميز في النسق المعرفي الإنساني ككل. من هنا استطاع الفنان أن يستميل المتقبِّل إلى الإسهام في تذويب ما تطرحه حدة هاته الصعوبات عن طريق ملء تلك الفراغات وشحنها بالإحساسات التي تنتابه لحظتها وللتأويلات التي تصاحب هذا الموقف وتؤول إليه عقب كل معاينة وتفحُّص لتصبح اللوحة شراكة بين طرفي المعادلة ويصبح الإنصات إليها عن طريق العين وباقي الجوارح منهجا وسلوكا لابد من اقتفائه لتجسير عملية التواصل وتحقيق تداولية المثاقفة بما هي مسند رئيس في سلّم الارتقاء صوب الأفضل.

وهو يواصل تفكيك سواد الظلمة وخلخلة جانبها العدمي لتحرير الضوء من قبضة الفراغ، بما هو أصل للوجود ومنبع للحياة، من أجل حفز اللامرئي فيها، بوصفه حقيقة منفلتة، على الإعلان عن تواجده الخفي وراء حدود الأشكال وقيامة المواد، أو على الأقل توصيف ذلك النهج المفضي إليه واستيحاء معالمه عن طريق تكثيف الرمز وتحميله بما يتعامد ويتناظر ونسقية الترائي هاته، وفى الوقت نفسه يتصادى معها ويلتحم بها مما يمنحها البعد الدلالي الذي يسهم في بلورة وتثوير رؤيتنا إلى الوجود والموجود منظورا إليهما من زوايا متعددة، كما أن جرأة اقتحام البياض ومداهمة منغلقاته بالتطبيقات السريعة التي لا تستفيد من استدراكات الفنان بالرجوع إليها من حين لآخر، معالجة وتصويبا وتهذيبا، تدل على استناده إلى شعرية الحداثة الفنية المعتمدة على البسيط والسهل الممتنع كما تدوولت من لدن الرموز الممثلة لهذا الاتجاه. ورغم تعامله المباشر مع طقوس الواقع المعيش، بجاهزيته الظاهرة، إلا أنه لا يتشبث به أو يحاكيه كمعطى تم احتواؤه عينيا، وإنما يتعالى عليه بمتخيله الفردي، المتحلي بضوابط أكاديمية ذات توجهات عالمية مقرونة بلمسته الشخصية المطبوعة بالتفرد والتمايز، متخذا منه ذريعة لتمرير تمثلات الفكرة وتجسيداتها الرمزية عبر مسارب التجريد، من خلال تدخلاته الإستيطيقية التي لا تفعل سوى مناصرة الجمال والوقوف عليه في مختلف تمرحلاته وتمشهداته، سيما وأن الأمر يتعلق بالمراهنة على المجاوزة والاختراق والتحريض على الاختلاف والإضافة بكيفية إبداعية احترافية، إذ الفن، في آخر المطاف، إقناع بحضور الحس الجمالي منفَّذا على السَّنَد، مخفورا بعلاماته وبِكُلِّية معاييره، خاصة المتغيرة منها، أي تلك التي تشتغل على قصدية الاختراق المنصوص عليها في العمل الفني وهو يتموقع، بإضافاته وتجلياته الحداثية، جهة إرثنا الفني في بعده الكوني رغم النفور الحاد الذي يُقابَل به في البدء والذي سيتم التراجع عنه، بصفة تدريجية، فيما بعد، أي حينما تصبح القيم الجمالية المستحدثة مدركة ومدرجة في المرجعية التشكيلية الجماعية وتسقط بالتالي عن هذه المواصفات الجديدة صفة الجنوح الفني. وبالمقابل فإن سر الإبداع هو تلك القدرة على الإقناع حينما تأخذ مجراها التجسيدي بتواطؤ مع يد الفنان وتزكية من روحه بالرغم من عزلتها وغربتها أحيانا لابتعادها وانحرافها عن الكثير من المقاييس الفنية المتداولة. والفن أيضا خطاب مستقبلي من رؤاه تُستجمَع معالم يوتوبيا الحياة للتلذذ بنِكتْارها والاستفراد بأسطورية حديقتها السرية. (عقيم هو الفن الذي لا يلد الغد).

إن المرجعية البصرية لا تغني في حد ذاتها عن المرجعية الذهنية كلما تعلق الأمر بالاستحضار الفعلي للمشاهدات اليومية بشكل استعادي تجريدي خاصة إذا كان بمقدور العين، من خلال جدلية هذا الترابط، أن تقرأ جدولها الزمني المتعلق بكينونتها على كِلْس الجدران. أن تقترح على المُعايِن مَسار بذرة الحياة في سلوك العدم، وما تَحْمله من مفارقات صادرة بالأساس عن المرجعية التوثيقية سيتخذ، فيما بعد، صفة المشابهة فى الاختلاف. ودائما تؤشر رعونة اللون وشطحاته على خصوبة الخيال، من خلال المرابطة على مشارف الزمن لمعاينة ما يعتري سطح المادة، انطلاقا من عمقها، من تغيرات ضالعة في المعنى، الوجودي والفني، وترجمة هذه التربصات إلى ملمح يَرْشح بسحرية الجمال وانبهاراتها المصاحبة. هذا السلوك المؤرخ لحيوات الجدران في التصاقها بحركية الكائن وحضورها في غيابه، في إنابة رمزية إيحائية، لا يقتصر على إبراز بعدها الاجتماعي فحسب وإنما يتعداه إلى ملامسة أبعاده الأخرى، التاريخية والفنية وغيرها، حيث ينبثق المعطى الميثولوجي من داخل البنية الكلية للعمل الفني، وبإصرارات سابقة، ذات منـزع وجودي بالأساس، يتخذ هذا الجانب شكل هاجس دائم يَحْضر بصيغة أو بأخرى في جل الاستعمالات التشكيلية للمبدع داخل هذه المرحلة بالذات.

من نمو التربة في أعمال الفنان عبد الحميد بنعلي تنبت الجدران. إن الأمر ذاته يحدث بصدد الرؤيا التي تخيم على ذاكرتنا البصرية وهي تتنامى صوب إقامتها الافتراضية الممهورة بفتنة الخيال، واهبة بذلك للشكل معناه.

نمو التربة هذا يشكل هنا فضاء للكتابة والمحو حيث يمارس الكائن عليه شغبه الطفولي، باعتبار الجدار حاضنا بصريا للذاكرة الجماعية، فضلا عن كونه مساحة رمزية لموت المؤلف/ البطل وانسحابه الاختياري بهدف التماهي والانصهار في سيرورة الجماعة والانمحاء في بوتقة رؤاها، حيث تنهض أحيانا، كتعبير عن هذا التلاحم والاندغام، جداريات تحمل في طياتها خطابات قزحية تغمر الأرض بالألوان وترش السماء بالنجوم، أو هي تسجل فقط مسيرة الكائن، انطلاقا من ملازمته لها، حيث تتسقّط، فنيا وبطوليا، مظاهر حياته اليومية الأكثر عمقا ودلالة، كما لو كانت الجدران عقدا أوتوبيوغرافيا ضمنيا مسكونا، هو الآخر، بهواجس الإفصاح ومسرحا موائما لمواجهة بطش السؤال؛ سؤال الكينونة بالأحرى في ارتباطه بسؤال التشكيل. وهي أيضا:

- سِجِلّ عُرْفي للكلمات والأشياء.

- بهاء الانمحاء الذي لا يستقر على حال.

- مكان للقبض على المنفلت المتألق حد الاندثار.

- سقر في دينامية الاضمحلال.

- حوار العين وجرحها على ضفة العدم.

- سطر في سفر التحول.

- مدار للكشف الموسمي عن مثيرات الدواخل

وانتظار مؤرق على باب الفردوس،

وسط صرخات الجحيم.

أو ربما هو عبور كاسح خارج الوقت،

جهة هشاشة الاحتمالات.

الألم فاحشا وهو يهز بارتعاشة الشهوات

شمس التوقعات.

تطرح مسألة الاقتصار في تأثيث الفضاء التشكيلي على ما هو ضروري ووظيفي من لدن الفنان، القدرة على إبلاغ الخطاب الفني باستعارة وسائط محورية محددة سلفا تستند إلى مرجعيات بصرية ومعرفية تؤشر على إبداعية الأثر وإيقاعية فرادته، كما تَنمّ على مركزية الدلالة بعيدا عن الحشو والإطناب بما يعطي للتقشف، في اللون والضوء والظل والأشياء والمُشَكّلات المادية الأخرى وغيرها من آليات الخطاب التشكيلي، صفة التصوف الفني المهيمن على المكون الجمالي الحامل للنسق المعرفي المنتقى.

وبِتَراصُف هذه المعطيات وما سِواها والمزاوجة بين مختلف عناصر التعبير التصويري والإلحاح على تحالف الموضوع والتقنية من أجل بسط الرؤيا وتجسيد تفاصيلها الأكثر مدعاة للحضور، يتقمص الفنان عبد الحميد بنعلي شخصية المبدع الرائي والمسؤول عن سلوكاته الفنية حيث يبدو في ضربات فرشاته ذلك التوتر المصاحب لهذا الوعي والذي هو نتاج طبيعي للاشتغال على تعددية وظيفة الجدران بما تتضمنه من علامات فارقة، ظاهرا وباطنا، مثلما هو انعكاس فعلي لاستلهام تجليات منظومة الفراغ. الفراغ الذي به يتأصل الوجود وتمتلئ الأشياء بِسِرّ الحياة وجوهرها الخالص؛ العتمة المضيئة.

من هذا المنطلق يتبين أن الفنان يجتهد، دون تطرف أو تعسف، في سعيه المتواصل نحو صنع قيم جمالية حداثية وبناء تقاليد بصرية تساهم في تشكيل وبلورة الوعي الجمعي بحركية ثقافة الإبداع ومجافاتها لحالتي الاستقرار والثبات، تلافيا لتحجر المقاييس الفنية المنحلة وسقوطها في الاجترار، وخوفا من ضمور وضحالة أسس ومقتعدات الذائقة الفنية الجماعية أو، وبشكل أكثر حدة، المساهمة خلق ظروف ملتبسة تساعد على حدوث قطيعة جمالية بين الباعث وبين أفق انتظار المتلقي مما ينجم عنه ارتكاس تواصلي وتشويش رؤيوي داخل مستويات البنية التعاقدية الضمنية لميثاق التلقي البصري وانزياح اللغة التشكيلية وجنوح مضامينها عن كل ما يجعل اللوحة مركز اهتمام جاذب وموضوع دهشة قصوى يدفعان بمتفحصها إلى الانخراط في مساءلة سياقاتها الجمالية والمعرفية، أفقيا وعموديا، لإضفاء ذلك الزخم الوجودي الطافح بالإحساسات والخصوصيات الإنسانية كقطب تدور حوله الممارسة التشكيلية التي غالبا ما تمتح، لتأثيث مجالها البصري، مما تخلقه هذه التعالقات من وشائج قوية بين الذات والموضوع.

والآن،

هل نستحضر في هذه القراءة الارتوازية سلطة المعيار فحسب، أم نعرج على الخامات - في تناثرها البدئي - لنلتحم بِذرّاتها ومن ثمت نلتقي، من جديد، في ليل الفراغ؟

هل نقول بانزياح التآويل حيثما بزغت الرغبة في الاشتهاء، ونميل جهة الاستثناء؟

   ( إننا بإزاء هذه الغشاوة اللذيذة لن نكون أقـل انبـهارا من الكائـن وهو يتعقب بقايـاه المتناثرة في دهليز التوقعات، مستفهما عن شظاياها التي وزعتها براكين الجهات على تخوم التاريخ البشري ).

هل هي إذن ورطة العارف بالتمحيص المفرط في غلوائه إذا هو شارف المستحيل، أم هو الوله ذاته وقد فاض في معراجه محيقا بي أقصى التنازلات؟

وأخيرا، هل يحق لي ترتيب كلامي هذا - مرة أخرى - بالقدر الذي أبدو فيه أكثر انزعاجا بتفاصيل المشهد؟

ربما.

 

                                                                 البيضاء/ ربيع 2000

 

 

 

 

 

 عودة